بعد تفكيك خلية طنجة مايوركا.. كيف تحول "داعش الصومال" إلى مركز قيادة دولي؟
الخميس 26/مارس/2026 - 11:39 ص
طباعة
علي رجب
في الوقت الذي تواصل فيه قوات بونتلاند الصومالية تضييق الخناق على معاقل تنظيم داعش الصومال بجبال المسكاد شمال شرق البلاد، تبرز معطيات أمنية جديدة تشير إلى أن التنظيم، ورغم نزيفه الميداني الحاد، نجح في تحويل ثقله من "السيطرة المكانية" إلى "التأثير العابر للحدود".
وتأتي العملية الأمنية المشتركة بين المغرب وإسبانيا في 25 مارس 2026 لتكشف عن خيوط عنكبوتية لتنظيم داعش الصومال تربط كهوف "باري" القرن الأفريقي والعواصم الأوروبية.
ضربات متلاحقة في بونتلاند
ومنذ انطلاق عملية هيلاك، حققت قوات بونتلاند مكاسب ميدانية لافتة في منطقة باري، حيث يتخذ داعش الصومال من جبال كالمسكاد والمسكاد معقلا استراتيجيا منذ سنوات.
وتشير بيانات قوات بونتلاند وتقارير المراقبين الدوليين إلى أن العمليات المتواصلة أسفرت عن مقتل مئات المقاتلين، بمن فيهم عدد من الأجانب القادمين من المغرب وإثيوبيا واليمن وتنزانيا ودول أخرى، فضلا عن أسر عدد من المسلحين الأجانب وتدمير عشرات القواعد والمخابئ.
ووفق مسؤولين في بونتلاند، فإن الوجود الإقليمي لتنظيم داعش في منطقة باري تقلص بأكثر من النصف مقارنة بما كان عليه قبل انطلاق الحملة.
بيد أن المحللين يحذرون من الانجراف نحو تصوير المشهد على أنه انتصار مكتمل، إذ لا تزال التقديرات تشير إلى أن التنظيم يضم في صفوفه ما بين 500 و700 مقاتل، وهو عدد يتيح له إمكانية إعادة التجمع في التضاريس الجبلية الوعرة التي يعرفها جيدا.
والأهم من ذلك أن الضربات الميدانية، مهما بلغت قسوتها، لم تفلح حتى الآن في قطع الأوردة التي يضخ من خلالها التنظيم تمويله ومجنديه ودعايته عبر القارات.
من الصومال إلى طنجة ومايوركا
في 25 مارس 2026، أعلنت السلطات المغربية والإسبانية عن تفكيك خلية تابعة لتنظيم داعش الإرهابي، وذلك في إطار عملية مشتركة قادها المكتب المركزي للتحقيقات القضائية المغربي بالتنسيق مع أجهزة الأمن الإسبانية. ألقي القبض على أعضاء الخلية في مدينة طنجة شمال المغرب وجزيرة مايوركا الإسبانية.
وأشارت التقارير إلى تورطهم في تقديم دعم مالي ولوجستي لمقاتلي داعش في الصومال ومنطقة الساحل الأفريقي، كما يشتبه في أن أحد المشتبه بهم كان يخطط لتنفيذ هجوم إرهابي منفرد على الأراضي الإسبانية.
ولا تبدو هذه العملية حادثة منفصلة بقدر ما تبدو نافذة مفتوحة على الطريقة التي يعمل بها داعش الصومال بوصفه مركزا وظيفيا في منظومة التنظيم العالمية، لا مجرد فصيل محلي يخوض حرب عصابات في جبال أفريقية نائية. فالأفراد المعتقلون في طنجة ومايوركا كانوا يعملون كحلقات وصل في سلسلة تمتد جغرافيا من شرق أفريقيا إلى غرب أوروبا، تنقل عبرها الأموال والمعلومات والمجندون في الاتجاهين.
نشأة "مركز إقليمي" في شمال الصومال
لفهم هذا الدور المزدوج، لا بد من استيعاب المسار الذي قطعه داعش الصومال منذ تأسيسه. ففي أكتوبر 2015، انشق عبد القادر مؤمن عن حركة الشباب المجاهدين مصطحبا معه نحو ثلاثين مقاتلا، وبايع القيادة المركزية لتنظيم داعش في الوقت الذي كان فيه التنظيم الأم يحكم سيطرته على مساحات شاسعة من العراق وسوريا.
وكان الفصيل في بداياته هامشيا يكاد لا يلاحظ، حتى استولى مؤقتا على مدينة قندلة الساحلية عام 2016، وهو ما دفع القيادة المركزية إلى الاعتراف رسميا بما بات يسمى "ولاية الصومال" عام 2017.
ولكن النقلة النوعية الحقيقية في مسار التنظيم جاءت أواخر عام 2018، حين أسس ما بات يعرف بـ"مكتب الكرار الإقليمي" في شمال الصومال. يعمل هذا المكتب بوصفه مركز قيادة وتمويل مشترك، مسؤولا عن تنسيق أنشطة التنظيم في شرق ووسط وجنوب أفريقيا، بما في ذلك ما يسمى "ولاية وسط أفريقيا" في جمهورية الكونغو الديمقراطية، و"ولاية موزمبيق".
وتصف تقارير أممية وأمريكية مكتب الكرار بأنه من أبرز هياكل القيادة والتمويل في التنظيم على المستوى العالمي، فيما تلمح بعض التقييمات إلى أن مؤمن نفسه قد يضطلع بدور قيادي يتجاوز الصومال ليشمل مساحات أوسع في منظومة داعش العالمية.
ثلاثة محاور تهديد لا يمكن تجاهلها
يرى المحللون المتخصصون في ملف داعش الصومال أن عملية المغرب وإسبانيا تكشف عن ثلاثة محاور تهديد متداخلة ينبغي أخذها بعين الاعتبار في مقدمتها العمليات الخارجية الموجهة، حين تكتسب الخلايا في المغرب وإسبانيا قدرة على توجيه تدفق الأموال والمجندين والمعلومات العملياتية من وإلى مراكز كداعش الصومال، فإنها تتحول من مجرد خلايا إلى امتدادات أمامية لنظام قيادة وتسهيل يتمركز في القرن الأفريقي. وهذا بالضبط ما تشير إليه التحقيقات في قضية طنجة ومايوركا.
وكذلك المخططات الموجهة عن بعد، حين يتلقى أفراد هذه الخلايا توجيهات أو دعما تقنيا من جهات مرتبطة بداعش الصومال تخص اختيار الأهداف أو التوقيت أو أساليب التنفيذ، يتحول ما بدا شبكة دعم إدارية إلى أداة هجومية في يد قيادة بعيدة آلاف الكيلومترات.
بالإضافة إلى الهجمات الملهمة، وهي ربما الأخطر لأنها الأصعب رصدا. فحين يستهلك المتعاطفون في شمال أفريقيا وأوروبا محتوى دعائيا يحمل شعار التنظيم أو يتماشى معه، ثم ينفذون دعواته للعنف دون أي توجيه مباشر أو تنسيق مسبق، تنفصل الهجمات عن قنوات التتبع التقليدية التي تعتمدها أجهزة الاستخبارات.
معادلة الاستنزاف والمواجهة
تكشف قراءة مشهد داعش الصومال في مطلع عام 2026 عن معادلة متناقضة لكنها دقيقة: تنظيم مستنزف ميدانيا في الصومال، متشبث بوظائفه العابرة للحدود في آن واحد، فالضربات الجوية الأمريكية وعمليات قوات بونتلاند دمرت قواعد وقتلت مقاتلين وأربكت قنوات التجنيد في بونتلاند، لكنها لم تفلح حتى الآن في إسكات أجهزة التنظيم التي تعمل من خارج الصومال أو في شقوق التضاريس الجبلية التي يصعب المسح الجوي استئصالها.
ويعبر عن المعادلة بوضوح المشهد المتزامن لصور قوات بونتلاند وهي تمشط جبال المسكاد من جهة، وبيانات تفكيك خلية طنجة ومايوركا من جهة أخرى. الأولى تعكس ضغطا ميدانيا حقيقيا ومتصاعدا، والثانية تعكس إصرارا على الاستمرار عبر شبكات لا تعتمد على الجغرافيا الصومالية لتعمل.
