مقامرة ترامب الأخيرة: بين طموح "الصفقة الكبرى" وشبح "الحرب البرية" في جزيرة خَرْج.
الخميس 26/مارس/2026 - 02:20 م
طباعة
حسام الحداد
مع دخول العملية العسكرية المشتركة يومها السادس والعشرين، يجد العالم نفسه أمام مشهد جيوسياسي شديد التعقيد؛ حيث تتصادم القوة التكنولوجية الأمريكية-الإسرائيلية الساحقة مع "الجغرافيا العنيدة" لإيران وممراتها المائية الحيوية. وبينما تتباهى واشنطن بتدمير أكثر من 90% من القدرات البحرية والجوية الإيرانية، لا يزال مضيق هرمز مغلقاً بالأغلال، مما وضع الاقتصاد العالمي في حالة "رهينة" وأدى لقفزة جنونية في أسعار الطاقة بلغت 40%. هذا التناقض الصارخ بين التفوق الميداني والجمود الاستراتيجي خلق حالة من "الستاتيكو" العسكري الذي استنزف الحلول التقليدية، ودفع الأطراف نحو حافة خيارات أحلاها مرّ.
وفي العمق الدبلوماسي، تتجلى معالم "حرب إرادات" موازية؛ فالرئيس ترامب يراهن على سياسة "الضغط الأقصى" عبر خطة الـ 15 بنداً التي تهدف لتفكيك الطموح النووي الإيراني نهائياً، مستنداً إلى زخم الاغتيالات النوعية التي طالت رموزاً بحجم "علي رضا تنجسيري". وفي المقابل، تُظهر طهران تصلباً غير مسبوق برفضها الإملاءات الأمريكية وتقديم شروط مضادة تضع سيادتها على المضيق والتعويضات المالية كخطوط حمراء، مما حوّل العاصمة الباكستانية إسلام آباد إلى "غرفة إنعاش" أخيرة للجهود الدبلوماسية المتعثرة، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه لقاءات نهاية الأسبوع بين كبار المسؤولين الأمريكيين والوسطاء الإقليميين.
الانسداد الدبلوماسي: خطة الـ 15 بنداً وتصلب المواقف
يسيطر الجمود الدبلوماسي على المشهد السياسي للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في يومها الـ26 (26 مارس 2026)، حيث تتمسك الإدارة الأمريكية بلغة «الصفقة الصعبة» التي يروج لها الرئيس دونالد ترامب بقوة عبر منصة «تروث سوشيال». أكد ترامب مراراً أن طهران «تريد الصفقة بشدة» وأن واشنطن «في مفاوضات الآن»، لكن الواقع الميداني يعكس خلافات جوهرية تحول دون أي تقدم حقيقي، حسب ما أفاد تقرير لـ CNN. هذا التصعيد اللفظي يأتي وسط ضغوط اقتصادية متزايدة على الجانبين بسبب إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز الذي يؤثر على أسعار النفط العالمية، مما يجعل الانسداد ليس مجرد موقف سياسي بل تحدياً استراتيجياً يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
تتكون المبادرة الأمريكية من خطة مفصلة تضم 15 بنداً، تركز أساساً على تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني (بما في ذلك إزالة كل اليورانيوم المخصب ومنع أي تخصيب مستقبلي)، وإعادة فتح مضيق هرمز للملاحة غير المعادية، بالإضافة إلى قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية ودعم الوكلاء الإقليميين مثل حزب الله والحوثيين. كما تشمل الخطة رفع جزئي للعقوبات مقابل التعاون النووي المدني تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهدنة لمدة شهر واحد لإتاحة التفاوض. يرى المحللون أن هذه الخطة تعكس استراتيجية أمريكية-إسرائيلية لاستغلال الضغط العسكري الحالي لفرض شروط «نهائية» تحول إيران إلى دولة غير نووية بشكل دائم.
أما الرد الإيراني، الذي نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» ووكالات أخرى، فيأتي رفضاً قاطعاً للشروط الأمريكية «جملة وتفصيلاً»، مع تقديم شروط مضادة تشمل تعويضات مالية ضخمة عن الخسائر الناتجة عن الضربات، واعترافاً دولياً كاملاً بسيادة إيران على مضيق هرمز، وربط أي وقف لإطلاق النار بتهدئة إقليمية شاملة تشمل وقف العدوان على حزب الله وإنهاء الدعم الأمريكي-الإسرائيلي للعمليات في المنطقة. يحلل الخبراء هذا التصلب الإيراني كاستراتيجية دفاعية تهدف إلى الحفاظ على «كرامة» النظام أمام الشعب الإيراني، مع الرهان على استمرار الضغط الاقتصادي العالمي لإجبار واشنطن على تنازلات أكبر، رغم الخسائر العسكرية المتزايدة في طهران.
في خضم هذا الانسداد، برزت باكستان كوسيط دبلوماسي رئيسي، حيث أكدت «رويترز» أن إسلام آباد سلمت الخطة الأمريكية رسمياً إلى طهران عبر قناة الجيش الباكستاني، وسط أنباء عن لقاء مرتقب نهاية هذا الأسبوع (ربما الجمعة) في إسلام آباد يضم نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. يُنظر إلى هذه الوساطة كفرصة أخيرة لكسر الجمود، خاصة أن باكستان تتمتع بعلاقات وثيقة مع كلا الطرفين، لكن التحليلات تشير إلى صعوبة النجاح إلا إذا قدمت واشنطن تنازلات ملموسة حول التعويضات والسيادة، مما قد يحول النزاع إلى مرحلة جديدة من المفاوضات غير المباشرة أو يعيد التصعيد العسكري إذا فشلت.
الزلزال العسكري: مقتل تنجسيري وتحصين "خَرْج"
ميدانياً، شهد اليوم الـ26 من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران (26 مارس 2026) ما يُوصف بـ«الزلزال العسكري»، إذ حققت إسرائيل هدفاً استراتيجياً حاسماً وصفته الصحافة الغربية بـ«الضربة القاصمة» لبحرية الحرس الثوري الإيراني. هذه الضربة لم تكن مجرد اغتيال فردي أو تدمير منشأة، بل جاءت بعد سلسلة من العمليات الدقيقة التي أضعفت قدرة طهران على السيطرة البحرية، مما يعكس تفوقاً تكتيكياً إسرائيلياً في اختراق الدفاعات الإيرانية رغم التحصينات المتعددة. ويُرى في هذا التطور تحولاً نوعياً في مسار الحرب، حيث يفقد الحرس الثوري أحد أعمدته البحرية الرئيسية، ويفتح الباب أمام تعزيز الضغط الأمريكي على الممرات البحرية الحيوية.
أكدت وكالة أسوشيتد برس (AP News) نقلاً عن وزارة الدفاع الإسرائيلية مقتل علي رضا تنجسيري، القائد البارز في الحرس الثوري والعقل المدبر وراء استراتيجية إغلاق مضيق هرمز شبه الكامل. تم تنفيذ العملية في غارة جوية دقيقة استهدفت مقراً قيادياً سرياً في العمق الإيراني، وكان تنجسيري مسؤولاً مباشراً عن تنسيق الهجمات البحرية والصاروخية التي أدت إلى تعطيل حركة الملاحة العالمية. يحلل الخبراء هذا الاغتيال كضربة مزدوجة: عملياتية بفقدان قائد خبير في الحرب غير المتكافئة، ومعنوية بإضعاف الروح القتالية داخل الحرس الثوري، مما قد يؤدي إلى ارتباك في السلسلة القيادية وتراجع فعالية الحصار البحري خلال الأيام المقبلة.
في سياق معركة السيطرة على شريان الطاقة الإيراني، كشفت صور الأقمار الصناعية التي نشرتها CNN عن تعزيزات إيرانية ضخمة ومكثفة في جزيرة «خَرْج»، أكبر مرفأ تصدير نفطي في إيران. يرى المحللون العسكريون أن طهران تحول الجزيرة إلى «قلعة أخيرة» محصنة بأنظمة دفاع جوي متقدمة وصواريخ أرض-بحر وتعزيزات برية كبيرة، تحسباً لعملية برية أمريكية وشيكة قد تهدف إلى السيطرة على هذا الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية. هذا التحصين السريع يعكس إدراكاً إيرانياً عميقاً للخطر الوجودي الذي يمثله سقوط الجزيرة، ويحولها إلى نقطة دفاعية محورية قد تُطيل أمد الحرب إذا نجحت في صد أي هجوم بري.
في تصعيد خطير ومتزامن، نقلت صحيفة «الغارديان» أن إيران أطلقت وابلاً كثيفاً من الصواريخ الباليستية باتجاه حاملة الطائرات الأمريكية USS Abraham Lincoln في مياه الخليج، في محاولة مباشرة للرد على الضربات الإسرائيلية والأمريكية المتواصلة. جاء ذلك بالتزامن مع تهديدات صريحة من جماعة الحوثي في اليمن بالسيطرة الكاملة على باب المندب وإغلاقه أمام الملاحة الدولية. يحلل الخبراء هذا التصعيد المزدوج كاستراتيجية إيرانية لتوسيع النزاع إقليمياً وإجبار واشنطن على تشتيت قواتها بين الخليج وبحر العرب، لكن نجاحه يبقى محدوداً بفضل الدفاعات الأمريكية المتطورة، مع احتمال أن يؤدي إلى رد أمريكي أقوى يعيد التصعيد إلى مستويات أعلى.
الداخل الأمريكي: تململ في الكونغرس وضغط على الناتو
رغم النجاحات العسكرية اللافتة التي حققتها القوات الأمريكية والإسرائيلية خلال الأسابيع الأربعة الأولى من الحرب، بدأ الإجماع السياسي في واشنطن يعاني من تصدعات واضحة، مما يشير إلى بداية تململ داخلي قد يعيق قدرة الإدارة على مواصلة التصعيد بسلاسة. هذا التحول ليس مجرد خلافات روتينية، بل يعكس مخاوف متزايدة داخل الأوساط السياسية من أن تتحول الحرب إلى نزاع طويل الأمد يستنزف الموارد الأمريكية دون تحقيق انتصار حاسم، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. يرى المحللون أن هذا التململ يأتي في لحظة حرجة، حيث يحتاج الرئيس ترامب إلى دعم الكونغرس الكامل لأي قرارات مستقبلية تتعلق بإرسال قوات برية أو تمديد العمليات.
ذكرت شبكة CNN أن نواباً جمهوريين بارزين في لجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب أعربوا عن «استياء بالغ» بعد إحاطة سرية تلقوها من مسؤولي البنتاغون. حذر هؤلاء النواب من «غموض الأهداف النهائية» للحرب، وغياب أي جدول زمني واضح للانسحاب الأمريكي، خاصة في ظل قرار الرئيس ترامب بإرسال نحو 2000 مظلي إضافي إلى المنطقة. يحلل الخبراء هذه الانتقادات كإشارة مبكرة إلى انشقاق محتمل داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث يخشى بعض الأعضاء أن يؤدي التصعيد العسكري إلى تكرار تجارب أفغانستان والعراق، مع ارتفاع التكاليف البشرية والمالية دون رؤية واضحة للنهاية.
يأتي هذا الاستياء الجمهوري وسط ضغوط متزايدة على الإدارة لتوضيح الاستراتيجية الشاملة، إذ يرى بعض النواب أن إرسال القوات الإضافية قد يكون مقدمة لعملية برية واسعة النطاق على جزيرة خَرْج أو سواحل إيران، وهو أمر يتطلب تفويضاً كونغرسياً صريحاً قد يواجه مقاومة. هذا التململ الداخلي لا يقتصر على الجانب التشغيلي فحسب، بل يمتد إلى الرأي العام الأمريكي الذي يبدأ في استطلاعات الرأي يعبر عن قلقه من «حرب لا نهاية لها»، مما يضع الرئيس ترامب أمام تحدٍ سياسي يهدد شعبيته داخل قاعدته الانتخابية.
من جانب آخر، واصل الرئيس دونالد ترامب هجومه اللفظي الحاد على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث أشارت صحيفة «الغارديان» إلى اتهامه المتكرر للحلف بـ«الوقوف متفرجاً» وترك أمريكا تتحمل عبء الحرب بمفردها دون أي مساهمة فعالة. هذا الضغط على الحلفاء يعكس فلسفة ترامب التقليدية في مطالبة أوروبا بدفع «حصتها العادلة»، لكنه في سياق الحرب الحالية قد يؤدي إلى توترات دبلوماسية أعمق داخل التحالف الغربي، خاصة مع تزايد الدعوات الأوروبية للعودة إلى المسار الدبلوماسي بدلاً من التصعيد العسكري المستمر. يرى المراقبون أن هذا الهجوم قد يضعف التنسيق الدولي ويجعل أمريكا أكثر عزلة في مواجهة التحدي الإيراني.
تقييم الموقف: تفوق تقني وجثوم جيوسياسي
أجملت وكالة رويترز وصحيفة «يو إس إيه توداي» الموقف الحالي للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في يومها الـ26 (26 مارس 2026) في نقاط تحليلية بارزة تعكس ازدواجية الصورة: تفوق تقني أمريكي-إسرائيلي واضح مقابل جمود جيوسياسي يحول دون حسم النزاع. يصف التقريران هذا التوازن بـ«الانتصار التكتيكي المحدود» الذي لم يترجم بعد إلى مكاسب استراتيجية نهائية، مما يجعل الحرب تدخل مرحلة من الاستنزاف المتبادل. هذا التقييم يأتي بعد أسابيع من الضربات المكثفة، ويحذر من أن استمرار الجمود قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف الاقتصادية والإنسانية إلى مستويات غير مستدامة للجميع، سواء لإيران أو للاقتصاد العالمي.
عسكرياً، سجلت الولايات المتحدة نجاحاً تقنياً لافتاً حسب ما أوردته رويترز، حيث نجحت في تدمير 92% من القطع البحرية الكبرى التابعة للبحرية الإيرانية والحرس الثوري، بالإضافة إلى تقليص قدرات الطائرات المسيرة وصواريخ كروز بنسبة تجاوزت 90%. يرى المحللون العسكريون في «يو إس إيه توداي» أن هذا التفوق يعود إلى تفوق الذكاء الاصطناعي والدفاعات الصاروخية الأمريكية المتقدمة، التي أثبتت فعاليتها في تحييد معظم التهديدات الجوية والبحرية الإيرانية خلال أيام قليلة. ومع ذلك، يحذر التقرير من أن هذا الدمار التقني لم يؤدِ بعد إلى انهيار القدرة القتالية الإيرانية ككل، إذ لا تزال طهران تحتفظ بترسانة صاروخية أرضية وغواصات صغيرة تسمح لها بالاستمرار في الرد المحدود.
جغرافياً، ورغم الدمار العسكري الكبير الذي لحق بالبنية التحتية البحرية الإيرانية، لا تزال طهران تسيطر عملياً على ممر الملاحة في مضيق هرمز، حسب التحليل الذي قدمته «يو إس إيه توداي». يصف التقرير هذا الواقع بـ«الجثوم الجيوسياسي» الذي يبقي الاقتصاد العالمي في حالة رهينة، إذ يمر عبر المضيق نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة تجاوزت 40% منذ بداية الحرب. يرى المحللون أن هذا السيطرة الإيرانية المستمرة – رغم الخسائر – تمثل ورقة ضغط استراتيجية قوية، تحول دون تحقيق الهدف الأمريكي-الإسرائيلي المعلن بإعادة فتح المضيق بشكل كامل، وتجعل أي حل عسكري نهائي مكلفاً وطويلاً الأمد.
إنسانياً، بدأت كلفة الحرب تظهر بوضوح في العمق الإقليمي، كما أبرزت شبكة CNN في تقاريرها الميدانية. فقد أسفرت شظايا الصواريخ الباليستية الإيرانية والصواريخ الاعتراضية الأمريكية-الإسرائيلية عن سقوط ضحايا مدنيين في أبوظبي (شخصان) وفي مدينة شيراز الإيرانية، مما يرفع الحصيلة المدنية الإقليمية إلى مستويات تثير قلقاً دولياً متزايداً. يحلل الخبراء هذا البعد الإنساني كعامل قد يضغط على الرأي العام العالمي والأمريكي للدفع نحو وقف إطلاق نار سريع، خاصة أن الضحايا المدنيين في دول خليجية حليفة للولايات المتحدة قد يعقد الدعم السياسي لاستمرار العمليات، ويحول الحرب من «نزاع عسكري» إلى أزمة إنسانية-اقتصادية تتجاوز الحدود الإيرانية.
الخاتمة
في نهاية المطاف، يبدو أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران قد تجاوزت مرحلة "الصدمة والترويع" التقنية لتدخل نفقاً مظلماً من استنزاف الموارد والإرادات. فبينما يمتلك الحلفاء مفاتيح السماء والبحر تكنولوجياً، لا تزال إيران تمتلك "قفل" الملاحة الدولية عبر جغرافيتها الوعرة وتحصيناتها في جزيرة خَرْج. إن الأيام القادمة لن تحسمها الصواريخ الباليستية أو الغارات الدقيقة فحسب، بل ستحسمها القدرة على تحمل التبعات الاقتصادية والضغوط السياسية الداخلية في واشنطن؛ فإما أن تنجح الوساطة الباكستانية في صياغة "خروج مشرف" للطرفين، أو أن العالم سيشهد انزلاقاً نحو "عملية برية" محفوفة بالمخاطر قد تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط إلى الأبد بكلفة إنسانية ومادية لا يمكن التنبؤ بها.
