الاستثمار في الفوضى.. خطة داعش للعودة من بوابة التوترات الإقليمية

السبت 28/مارس/2026 - 02:12 م
طباعة الاستثمار في الفوضى.. فاطمة عبدالغني
 
في خضم التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، يلفت تقرير حديث للمجلس الأطلسي الانتباه إلى تهديد لا يقل خطورة عن المواجهات العسكرية المباشرة، يتمثل في محاولات تنظيم داعش استغلال الفوضى الإقليمية لتعزيز حضوره، فبينما تنشغل القوى الكبرى بالصراع الإيراني، يرى التنظيم في هذا الاضطراب فرصة سانحة لإعادة التموضع وتوسيع نشاطه على أكثر من جبهة.

في عدد مارس من نشرته الأسبوعية "النبأ"، وصف التنظيم الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بأنها "صراع مبارك إلهيًا" بين أطراف يعتبرها جميعًا "كافرة". هذا الخطاب لا يمثل تحولًا في فكر التنظيم بقدر ما يعكس ثباتًا في رؤيته العقائدية التي تضع خصومه، على اختلافهم، في خانة واحدة، لكن اللافت هذه المرة هو ما وراء الخطاب: استعداد واضح لاستثمار اللحظة الراهنة.

يسعى التنظيم، وفق التقرير، إلى توظيف حالة الارتباك الأمني لتوسيع قاعدة أنصاره، وتحفيز الهجمات، بل ومحاولة ترسيخ وجود ميداني في مناطق تعاني أصلًا من هشاشة أمنية، مثل سوريا وأفغانستان.

استهداف الغرب: تجنيد وتحريض عبر الفضاء الرقمي

ينظر داعش إلى نفسه باعتباره مدافعًا عن الإسلام السني، وقد أبدى أنصاره شماتة في مقتل المرشد الأعلى الإيراني، بالتوازي مع إدانتهم للضربات الأمريكية والإسرائيلية، غير أن التنظيم لا يكتفي بالمراقبة، بل يسعى إلى استثمار الصراع عبر تكثيف رسائله الدعائية، خاصة تلك الموجهة إلى الجمهور الغربي.

يلفت التقرير إلى بنية التنظيم التي تعتمد على شبكة من الفروع الإقليمية التي تتبادل الموارد والخبرات، ما يتيح له مرونة عالية في الحركة والتأثير. ومن خلال منصاته الإعلامية، وعلى رأسها "النبأ"، إلى جانب استخدامه المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك"، يواصل استهداف الشباب في أوروبا وأمريكا، ساعيًا إلى جذب مؤيدين جدد خارج نطاقه التقليدي.

ووفقًا للتقرير يبرز في هذا السياق فرع "داعش-خراسان" في أفغانستان، الذي أظهر قدرة لافتة على الوصول إلى المراهقين عبر الإنترنت، بل وتشكيل شبكات لهم داخل أوروبا، وقد تورط بعض هؤلاء في مخططات لهجمات منسقة خلال عام 2024. ومع اتساع رقعة الصراع، تزداد المخاوف من أن يستغل متعاطفون مع التنظيم أي انخراط غربي إضافي في الحرب كذريعة لتنفيذ عمليات داخل تلك الدول.

القلق لا يقتصر على أوروبا، إذ شهدت الولايات المتحدة بالفعل هجومين مستوحَيين من فكر التنظيم منذ بداية التصعيد. وتشير التحقيقات الأولية إلى استخدام منفذين لمواد إرشادية نشرها داعش لصنع عبوات ناسفة، ما يعكس استمرار تأثير الدعاية الرقمية للتنظيم، حتى في ظل الضغوط الأمنية المفروضة عليه.

جنوب آسيا: فرصة للتمدد وسط صراعات متقاطعة

يرى التقرير أن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا في جنوب آسيا، فتنظيم داعش-خراسان، الذي يُعد من أكثر فروع التنظيم نشاطًا، لا يركز فقط على تنفيذ هجمات خارجية، بل يستفيد أيضًا من التوترات الإقليمية لتعزيز نفوذه محليًا.

ويفتح التصعيد الأخير بين أفغانستان وباكستان، خاصة في المناطق الحدودية، نافذة جديدة أمام التنظيم، فمع انشغال حركة طالبان بالصراع مع إسلام آباد، قد يجد داعش-خراسان فرصة لملء الفراغ والسيطرة على مناطق في شمال أفغانستان، وهو هدف طالما سعى إليه دون نجاح كامل بسبب ضغوط طالبان.

السيطرة على هذه المناطق إن تحققت، لن تمنح التنظيم فقط موطئ قدم جغرافي، بل ستوفر له بيئة مناسبة للتخطيط والتدريب، ما يعزز قدرته على تنفيذ عمليات مستقبلية.

سوريا: إعادة تنظيم واستغلال الفوضى

في سوريا، تتكرر القصة بشكل مختلف، فالتدهور الأمني المستمر أتاح لداعش مساحة لإعادة ترتيب صفوفه، خاصة في المناطق الصحراوية. وقد شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدًا في وتيرة هجماته، بالتزامن مع إعلانه العداء للرئيس أحمد الشرع، الذي يعتبره تابعًا للولايات المتحدة.

أحد أخطر التطورات يتمثل في فرار آلاف المعتقلين المرتبطين بالتنظيم من معسكرات الاحتجاز في شمال سوريا، عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية تحت ضغط المواجهات مع الحكومة، وتشير تقديرات استخباراتية إلى أن ما يصل إلى 20 ألف شخص باتوا خارج السيطرة، كثير منهم يمتلك خبرات قتالية.

هذا التدفق البشري يشكل رصيدًا استراتيجيًا للتنظيم، إذ يمكن أن يعزز قدراته القتالية، سواء داخل سوريا أو حتى في ساحات أخرى مثل أفغانستان، في حال عودة بعض هؤلاء المقاتلين إليها.

خلاصة المشهد

رغم أن الحرب مع إيران تهيمن على المشهد الإعلامي والسياسي، يحذر تقرير المجلس الأطلسي من تجاهل التهديد المتصاعد لتنظيم داعش. فالتنظيم لا يزال يمتلك القدرة على التكيف مع المتغيرات، واستغلال الفوضى لصالحه، سواء عبر تنفيذ هجمات مباشرة أو من خلال إلهام أفراد وخلايا في مناطق مختلفة من العالم.

وبينما تنشغل القوى الدولية بإدارة الصراع الحالي، يبدو أن داعش يعمل بصمت على إعادة بناء نفسه، مستفيدًا من كل ثغرة أمنية وكل لحظة اضطراب، في مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة قد تكون أكثر خطورة في حال تكرارها.

شارك