لبنان نموذجًا.. كيف تعيد الأذرع الإيرانية رسم خريطة الصراع على حساب الدولة؟
الأحد 29/مارس/2026 - 10:43 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
في سياق إقليمي يتسم بتصاعد حدة التوترات وتداخل مسارات الصراع، تتجدد النقاشات حول طبيعة الأدوار التي تلعبها الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في عدد من دول المنطقة، وحدود تأثيرها على سيادة الدول واستقرارها الداخلي.
المشهد اللبناني: فاتورة "الإسناد" وتآكل الدولة
في هذا الإطار، يكتسب تصريح وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أهمية خاصة، إذ يسلّط الضوء على نمط متكرر من إدارة الصراعات، تتحول فيه بعض الساحات العربية إلى مسارح لتصفية حسابات إقليمية، تتقدم فيها الفواعل غير الرسمية على حساب مؤسسات الدولة، ويستحضر الإرياني التجربة اللبنانية كنموذج دالّ على هذه الديناميكيات، في محاولة لقراءة أوسع لتداعيات هذا النمط على الأمن والاستقرار في المنطقة.
وبحسب وزير الإعلام اليمني فإن ما تشهده المنطقة اليوم لا يخرج عن كونه إعادة إنتاج لنمط مألوف من إدارة الصراعات، حيث تتقدم الجماعات المرتبطة بإيران إلى واجهة المشهد، ليس باعتبارها فاعلين وطنيين يعكسون مصالح دولهم، بل كأدوات تنفيذ لمشروع إقليمي عابر للحدود، تُدار خيوطه من طهران وفق حسابات تتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويبرز نموذج حزب الله في لبنان بوصفه المثال الأكثر وضوحاً على هذه المعادلة، إذ انخرط في المواجهة الأخيرة دعماً لإيران، بمعزل عن مؤسسات الدولة اللبنانية وقرارها السيادي، ومن دون اكتراث بحجم الكلفة التي سيتحملها الداخل اللبناني.
فمنذ لحظة الانخراط، لم يكن القرار قرار دولة، لكن تبعاته وقعت بالكامل على كاهلها، لبنان الذي لم يكن طرفاً في تحديد مسار الحرب، كان أول من دفع ثمنها بشرياً، مع سقوط نحو 1200 قتيل وإصابة أكثر من 3300 آخرين، فضلاً عن موجة نزوح داخلي واسعة طالت قرابة خُمس السكان، في مشهد يعكس عمق الأثر الإنساني للصراع، ولم تقف الخسائر عند هذا الحد، إذ طالت الأضرار بنية تحتية حيوية، من طرق وجسور ومرافق عامة، إلى جانب الممتلكات الخاصة، ما فاقم من حجم الدمار المادي.
الاقتصاد والسيادة: الحلقة المفرغة
وعلى الصعيد الاقتصادي، يرى الإرياني أن التداعيات بدت أكثر قسوة، إذ وجد لبنان نفسه أمام خسائر بمليارات الدولارات، في وقت يعاني فيه أساساً من أزمة اقتصادية خانقة تُعد من بين الأسوأ في تاريخه الحديث، هذا التداخل بين الانهيار الداخلي والانخراط في صراع خارجي عمّق من هشاشة الدولة، وأضعف قدرتها على الصمود، ليعيد التأكيد على أن الحروب التي تُدار خارج إطار المؤسسات الرسمية لا تُنتج مكاسب حقيقية، بقدر ما تخلّف أزمات ممتدة تضرب مختلف جوانب الحياة.
اللافت في هذا السياق أن هذا الانخراط لم يُحدث تحولاً يُذكر في موازين القوى أو في المسار الاستراتيجي للصراع، بقدر ما أدى إلى توسيع رقعة الدمار وتعظيم كلفة المواجهة على الداخل اللبناني، وهو ما يعزز الطرح القائل إن هذه الجماعات لا تتحرك وفق أولويات وطنية، بل ضمن رؤية أوسع توظّف الجغرافيا والسكان كأدوات في مشروع إقليمي تقوده إيران، وتسعى من خلاله إلى ترسيخ نفوذها في المنطقة.
ويشير الإرياني إلى أن ما جرى في لبنان ليس استثناء بل حلقة ضمن نمط متكرر في عدد من دول المنطقة، حيث تتحول الدول إلى ساحات مفتوحة لتصفية الصراعات الإقليمية، بينما تدفع الشعوب كلفة لا تعكس مصالحها الفعلية. وفي كل مرة يتكرر المشهد ذاته: قرار سيادي مُختطف، مؤسسات دولة مُهمّشة، صراعات تستنزف الموارد، واقتصادات تزداد إنهاكاً، ومجتمعات تجد نفسها عالقة في حروب لا تملك قرارها، ولا تجني منها سوى مزيد من الخسائر.
ويرى المراقبون أن ما أشار إليه الإرياني يعكس إشكالية أعمق تتعلق بتآكل مفهوم الدولة الوطنية في بعض بؤر الصراع، حيث تتقاطع الأجندات المحلية مع مشاريع إقليمية أوسع، ما يفرز واقعاً معقداً تصبح فيه قرارات الحرب والسلم خارج الإطار المؤسسي. ويذهب هؤلاء إلى أن تجربة لبنان، كما غيرها من الساحات، تكشف عن كلفة باهظة لهذا النموذج، ليس فقط على المستوى الإنساني والاقتصادي، بل أيضاً على صعيد تماسك الدولة وقدرتها على فرض سيادتها.
في المقابل، يشير بعض المحللين إلى أن اختزال أدوار هذه الجماعات في بعدها الخارجي فقط قد يغفل عوامل داخلية أسهمت في صعودها واستمرارها، من بينها هشاشة البنى السياسية، وضعف مؤسسات الدولة، ووجود بيئات حاضنة تغذيها اعتبارات طائفية أو أمنية. ومع ذلك، يتفق قطاع واسع من المراقبين على أن استمرار هذا النمط من التداخل بين المحلي والإقليمي يفاقم من تعقيد الأزمات، ويُبقي دول المنطقة رهينة لصراعات مفتوحة، يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها.
