من "الحصار الانتقائي" إلى "بوابات الرسوم".. أي سيناريو ينتظر شريان الطاقة العالمي؟
الأحد 05/أبريل/2026 - 12:59 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في ظل التوترات الجيوسياسية المتسارعة التي تحبس أنفاس الأسواق العالمية، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق على خريطة الشرق الأوسط، بل تحول إلى "شريان حياة" يمسك بخناق الاقتصاد العالمي.
وفي تقريره التحليلي العميق المنشور في صحيفة "ذا صنداي جارديان"، يضعنا الكاتب "جون دوبسون" أمام تشريح دقيق ومقلق لتداعيات التصعيد الأمريكي تجاه إيران تحت إدارة دونالد ترامب. لا يكتفي الكاتب بسرد الوقائع السياسية، بل يغوص في العصب الاقتصادي للأزمة، متسائلاً بوضوح: هل أدرك صناع القرار في واشنطن أن اللعب بورقة مضيق هرمز يعني التلاعب بخُمس نفط العالم؟ عبر قراءة متأنية للواقع، يفكك التقرير المشهد المعقد ليطرح أربعة سيناريوهات مستقبلية ترسم ملامح مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز أن عصر المرور الآمن والمجاني لتجارتنا العالمية ربما يكون قد انتهى إلى غير رجعة.
السيناريوهات الأربعة لمستقبل مضيق هرمز:
يرصد دوبسون أربعة مسارات محتملة لما قد تؤول إليه الأوضاع في مضيق هرمز، وكلها مفتوحة على قدر كبير من عدم اليقين.
أول هذه المسارات هو ما يسميه "الواقع الجديد"، حيث لا تغلق إيران المضيق بشكل رسمي، بل تدير ما يشبه حصاراً انتقائياً، في هذا النموذج لا توجد قواعد واضحة بقدر ما يوجد مزيج من الغموض والردع، بعض السفن تمر بأمان، خاصة تلك المرتبطة بدول تحتفظ بعلاقات مع طهران، بينما تتجنب أخرى العبور خوفاً من المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين، النتيجة ليست إغلاقاً كاملاً، بل منطقة رمادية بحرية تدار بمنطق النفوذ أكثر من القانون، وهو وضع يمنح إيران مكاسب مالية وسياسية دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة.
المسار الثاني يتجاوز ذلك نحو محاولة "تسييل" السيطرة، أي تحويل النفوذ إلى مصدر دخل مباشر عبر فرض رسوم عبور، الفكرة، كما يعرضها الكاتب، تبدو مغرية من منظور إيراني، لكنها محفوفة بتبعات قانونية وسياسية خطيرة، إذ قد تُعد انتهاكاً للقانون الدولي، وتفتح الباب أمام سابقة تخضع طرق التجارة العالمية لمنطق القوة بدلاً من القواعد، كما أن هذا السيناريو قد يدفع قوى إقليمية ودولية إلى البحث عن ترتيبات بديلة، سواء عبر تحالفات بحرية أو أطر إدارة مشتركة للممر.
أما المسار الثالث فهو الأكثر حساسية، ويتمثل في تدخل دولي لإعادة فتح المضيق، سواء بالقوة أو عبر انتشار عسكري واسع، غير أن هذا الخيار كما يشير دوبسون، لم يعد بالضرورة بقيادة أمريكية كما في السابق، بل قد يشهد أدواراً أكبر لقوى أخرى، ورغم وجود سوابق تاريخية لمثل هذه العمليات، فإن تعقيدات المشهد الحالي تجعل أي تحرك محفوفاً بخطر التصعيد، حيث يمكن لأي خطأ محدود أن يتحول إلى مواجهة أوسع.
يبقى المسار الرابع، وهو العودة إلى الوضع الطبيعي، الأقل احتمالاً في المدى القريب، فحتى لو أُعيد فتح المضيق واستؤنفت الملاحة، فإن "الطبيعي" لن يكون كما كان، تكاليف التأمين سترتفع، والمخاطر ستظل حاضرة في حسابات الشركات والدول، ما يعني أن الأثر النفسي للأزمة سيستمر طويلاً.
ما يجمع بين هذه السيناريوهات، وفق الكاتب، هو حقيقة واحدة: أن الاستقرار السابق في مضيق هرمز قد تآكل، العالم لا يشهد انهياراً مفاجئاً للنظام التجاري، بل عملية تفكك تدريجية، حيث تتحول الممرات الحيوية من مسلمات آمنة إلى نقاط نزاع مفتوحة، وفي قلب هذا التحول، يبرز دور الحرس الثوري الإيراني كفاعل رئيسي يصعب تجاوزه حتى في سيناريوهات التهدئة.
في النهاية، لا يقدم دوبسون إجابة حاسمة حول مستقبل المضيق، بقدر ما يرسم لوحة معقدة تتداخل فيها الاحتمالات، قد يستمر "الحصار الانتقائي"، وقد تظهر رسوم غير رسمية، وقد تتحرك قوى دولية لاحتواء الأزمة، وربما تتخلل ذلك فترات هدوء مؤقت، لكن المؤكد، كما يختم، أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى ساحة اختبار لموازين القوة في عالم تتراجع فيه الضمانات التقليدية، ويزداد فيه الاعتماد على مزيج هش من الردع والمصالح.
وفي ظل هذا المشهد، يظل العالم عالقاً في حالة ترقب، يبحر وسط قدر متزايد من الغموض، بانتظار ما ستسفر عنه هذه المواجهة المفتوحة.
