شبكة الظل.. كيف نسجت إيران إمبراطوريتها الصامتة داخل أمريكا؟
الجمعة 10/أبريل/2026 - 04:45 م
طباعة
علي رجب
لم تكن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تنتظر أن تعلن رسميا كي تبدأ. فبينما كانت القنابل تتساقط والمفاوضات تتعثر، كشف تقرير جديد عن ميدان مواز لا تسمع فيه طلقات، لكنه ربما أعمق تأثيرا وأطول أمدا، شبكة نفوذ مؤسسي نسجتها إيران بصبر وعناية على مدى سبعة وأربعين عاما داخل الأراضي الأمريكية.
التقرير الصادر عن الاتحاد الوطني للديمقراطية في إيران، المعروف اختصارا بـ NUFDI، يرسم صورة مقلقة لمشروع استراتيجي ممنهج تجاوز التجسس الكلاسيكي والعمليات السرية إلى شيء أكثر رسوخا وأصعب قلعا56 بنية تحتية أيديولوجية تجذرت في قلب المجتمع الأمريكي تحت مظلة الدين والتعليم والعمل الخيري.
ليست خلايا نائمة، بل مؤسسات مستيقظة
ظل النقاش في الغرب لسنوات منصبا على الجانب الأكثر إثارة من النشاط الإيراني: مؤامرات الاغتيال، وعمليات القرصنة، وخرق العقوبات، والخلايا السرية التي تتصدر العناوين ثم تختفي. لكن التقرير يجادل بأن هذا التركيز، رغم أهميته، يخفق في رؤية الصورة الأشمل.
ما نسجته طهران ليس شبكة جواسيس بالمعنى الكلاسيكي، بل هي، بحسب التقرير، منظومة من المؤسسات التي تبدو على الورق محلية أو دينية أو تعليمية أو خيرية، بينما تعمل في الوقت ذاته كأوعية طويلة الأمد لأفراد والتزامات وولاءات تصب في مصلحإيرن.
والفارق جوهري، الجاسوس يكشف ويطرد، أما المؤسسة، فتبقى، تربي أجيالا، وتشكل هويات، وتنتج شبكات علاقات تمتد إلى دواخل صنع القرار السياسي. هذا ما يجعل الأمر في نظر كتاب التقرير أشد خطورة وأقل قابلية للمعالجة السريعة.
مؤسسة علوي: البرج الذي مول الشبكة
في قلب هذه البنية تقف مؤسسة علوي، منظمة غير ربحية مقرها نيويورك، أصلها الرئيسي برج مكاتب مكون من ستة وثلاثين طابقا في الجادة الخامسة. وبحسب التقرير الذي استند إلى وثائق قضائية وتقارير علنية، عملت المؤسسة بتوجيه من مسؤولين إيرانيين، وكانت إفصاحاتها الخاصة تظهر دعمها لأكثر من خمس وثلاثين منظمة منتشرة في أنحاء الولايات المتحدة.
هذه الأموال لم تذهب إلى مشاريع عشوائية. ذهبت وفق منطق واضح: مراكز إسلامية، ومدارس، ومساجد، وبرامج شبابية، وخطوط رجال دين، في مناطق بعينها، لبناء أنظمة بيئية مجتمعية متماسكة يصعب فك ارتباطها بالبنية الأيديولوجية التي مولتها.
واشنطن: حيث بدأت القصة
تعود جذور هذه الشبكة في التقرير إلى السنوات الأولى للثورة الإسلامية. في أكتوبر من عام 1981، احتل أنصار الخميني المركز الإسلامي في واشنطن في محاولة للسيطرة عليه. فشلت المحاولة قضائيا، لكنها لم تمثل نهاية المشروع، بل إعادة توجيه له.
أشخاص من الشبكة نفسها استخدموا لاحقا موارد مؤسسة علوي لتأسيس مركز التعليم الإسلامي في بوتوماك بولاية ماريلاند عام 1981. أعاد المركز تسجيل نفسه كمنظمة غير ربحية مستقلة، لكنه واصل العمل على أرض مملوكة لمؤسسة علوي. ويشير التقرير إلى أن المركز ومدرسته التي تغطي المراحل من الروضة وحتى الصف الثاني عشر تلقيا ما لا يقل عن 3.6 مليون دولار من المؤسسة ذاتها.
ويزعم التقرير أن المركز استخدم مرات عدة مكانا للقاء مسؤولين من الجمهورية الإسلامية، ومن بين الأمثلة المستشهد بها استضافته في مايو 2024 كبار مسؤولي دائرة المصالح الإيرانية عقب اغتيال الرئيس إبراهيم رئيسي، وهو ما أثار موجة احتجاج واسعة من الإيرانيين الأمريكيين.
نموذج قابل للتكرار
ما يجعل هذا النموذج بالغ الخطورة في تقدير التقرير هو قابليته للتكرار، إذ يصفه بنموذج المدرسة والمسجد، حيث تنشأ مؤسسة دينية، تتولى استضافة رجل دين تلقى تعليمه في قم وتربطه صلات وثيقة بالقيادة في طهران، ثم تلحق بها مدرسة، وبرامج للشباب، وخدمات مجتمعية يومية.
وكما يصفه أحد محللي السياسات في التقرير: "المقاربة ذكية وصبورة، يمكن لمركز أن يستضيف رجل دين، ويمكن لرجل الدين أن يشكل جيلا. ويمكن للمدرسة أن ترسخ رؤية للعالم، ويمكن لجماعة شبابية أن توفر الانتماء والهوية والأطر الأيديولوجية قبل وقت طويل من دخول السياسة في الحوار."
وهنا يكمن جوهر المسألة، ليس الإكراه هو الأداة، بل التثقيف. وهذا ما يجعل هذه الشبكة مستدامة بطريقة لا يمكن معالجتها بملاحقات قانونية محدودة المدى.
ماناساس: حين تتقاطع الأيديولوجيا مع الدم
لعل أشد فقرات التقرير قتامة تلك المتعلقة بمسجد ماناساس في ولاية فرجينيا، إذ يربط التقرير مؤسس المسجد بأبو الفضل بهرام ناهيديان، ناشط خميني قديم تمتد سيرته إلى احتلال المركز الإسلامي في واشنطن عام 1981، وتتقاطع، وفق ما يستشهد به التقرير من تقارير صحفية واستخباراتية، مع اغتيال علي أكبر طباطبائي في بيثيسدا عام 1980.
طباطبائي دبلوماسي إيراني سابق ومنتقد صريح للخميني، اغتيل في منزله على يد منفذ فر إلى إيران ولا يزال هناك حتى اليوم. ويشير التقرير إلى تداخل عالم ناهيديان مع عالم المنفذ في الفترة السابقة للجريمة، وأن ناهيديان أعرب لاحقا عن ارتياح لمقتل طباطبائي.
الأمر اللافت بحسب التقرير ليس فقط وجود هذا التاريخ، بل ما أعقبه، لم يأت الاختفاء، بل أتت إعادة الاختراع المؤسسي. أسس ناهيديان فيما بعد مسجد ماناساس الذي تلقى تمويلا من مؤسسة علوي في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة.
ويشير التقرير إلى نمط طويل من الخطاب المتشدد في المسجد، شمل الثناء العلني على قاسم سليماني، ودعم حماس عقب السابع من أكتوبر 2023، وتعاز عبر وسائل التواصل الاجتماعي لعلي خامنئي إثر الإعلان عن وفاته في غارات أمريكية إسرائيلية مشتركة في مارس 2026.
ديربورن: النموذج في أكثل حالاته اكتمالا
تصف منظمة NUFDI ميشيغان، وتحديدا ديربورن ذات الأغلبية المسلمة، بأنها المكان الذي اقترب فيه النموذج من اكتماله على الأراضي الأمريكية، فالمساجد والمدارس والسلالات الدينية وبرامج الشباب والمبادرات الإعلامية تعزز بعضها بعضا بحيث تصبح الروايات المتحالفة مع طهران جزءا عضويا من الحياة المجتمعية العادية.
ويستشهد في هذا السياق بدار الحكمة الإسلامية التي أسسها محمد علي إلهي، الذي وصف بأنه قريب من النظام الإيراني لفترة طويلة، غير أنه نجح في الوقت ذاته في نسج علاقات مع كبار السياسيين الأمريكيين والظهور في الأوساط السياسية الرئيسية.
وهذا يجسد بحسب التقرير واحدا من أعظم نجاحات طهران في أمريكا، ليس بناء خلايا سرية، بل تطبيع الوسطاء، جعل شخصيات ومؤسسات قادرة على التنقل بين مدارات قريبة من النظام والحياة العامة المحترمة مع حد أدنى من التدقيق.
الثغرة التي أدركتها طهران
تكمن في هذا التقرير رؤية تتجاوز إيران نحو بنية أعمق في المجتمع الأمريكي نفسه. أمريكا مصممة للقبض على الجواسيس، لكنها أقل كفاءة في مواجهة شبكات تتحدث بلغة المجتمع المدني والدين والتعليم والنشاط الحقوقي، بينما تخدم في الوقت ذاته مصالح دولة أجنبية استبدادية.
هذه ليست ثغرة إيرانية حصرية. استغلتها روسيا والصين وقطر وتركيا وجماعة الإخوان المسلمين، لكن النسخة الإيرانية تتسم بطابع خاص، فهي لاهوتية وثورية في آن معا، مما منحها قدرة على التموه داخل أوساط تحظى بحماية قانونية ودستورية راسخة، وجعل محاولة مواجهتها تبدو كأنها اعتداء على الحرية الدينية نفسها.
في زمن الحرب: أهمية متجددة
يكتسب هذا التقرير راهنيته في سياق الصراع المسلح المفتوح بين الولايات المتحدة وإيران، بعد سنوات من الحروب بالوكالة ومحاولات الاغتيال والتصعيد الإقليمي، بات ينظر إلى الجمهورية الإسلامية ليس كمشكلة بعيدة بل كدولة يمتد صراعها إلى داخل الأراضي الأمريكية بأشكال متعددة.
والمفارقة الكبرى التي يشير إليها التقرير: النظام الذي يحتقر الغرب علنا، يستغله سرا، ويتغلغل فيه هيكليا، إيران التي تسجن النساء بسبب شعرهن، وتعلق المتظاهرين من الرافعات، وتمول الميليشيات في أنحاء الشرق الأوسط، هي النظام ذاته الذي يتقن بناء المؤسسات الناعمة في قلب المجتمعات الديمقراطية.
رجا الدين لم يصلوا إلى السلطة عبر الحشود وحدها، ولا عبر الجواسيس وحدهم، صلت أيضا عبر المدارس والخطب والمنظمات والشبكات وقاعات المؤتمرات، هذا بالضبط ما ينبغي لواشنطن، وفق ما يستنتجه التقرير، أن تدركه وتواجهه بعيون مفتوحة.
