كيف أعادت إيران صياغة دور الحوثيين في الصراع الإقليمي؟
السبت 11/أبريل/2026 - 02:23 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في ظل اتساع رقعة المواجهة الإقليمية، لم تعد الحرب محصورة بين دول، بل باتت تُدار عبر شبكات معقدة من الفاعلين غير الحكوميين الذين يتحركون على خطوط التماس الأكثر حساسية، من غزة إلى البحر الأحمر. ومع انتقال التوتر إلى الممرات البحرية وتهديد سلاسل الإمداد العالمية، تبرز جماعة الحوثيين كأحد أبرز أدوات هذا التصعيد، خصوصًا في ظل ارتباطها المتنامي بإيران، وفي هذا السياق، يقدم مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations قراءة تحليلية شاملة لطبيعة هذا التحالف، وحدوده، وانعكاساته على الأمن الإقليمي والتجارة الدولية.
يوضح المجلس أن الحوثيين تحولوا خلال السنوات الأخيرة من حركة تمرد محلية إلى أحد أكثر الفاعلين غير الحكوميين تأثيرًا في الشرق الأوسط، خاصة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية ضد حماس عام 2023. ويشير إلى أن الجماعة واصلت هجماتها في البحر الأحمر رغم الضربات الأمريكية، ما ساهم في رفع منسوب التوتر وتهديد الملاحة الدولية.
وبحسب التقرير، دخل الحوثيون مرحلة جديدة من التصعيد مع انخراطهم المباشر في الحرب المرتبطة بإيران، حيث أطلقوا أول صاروخ باليستي باتجاه إسرائيل في مارس، معلنين استمرار الهجمات حتى وقف ما وصفوه بـ"العدوان". ويرى المجلس أن هذه الخطوة تعكس انتقال الجماعة من دور داعم إلى طرف فاعل في الصراع الإقليمي.
التحول من التمرد المحلي إلى القوة الإقليمية
ويشرح التقرير طبيعة الحوثيين باعتبارهم حركة تسيطر حاليًا على ثلث أراضي اليمن وثلثي سكانه ، ويعود صعودهم إلى عام 2014 حين سيطروا على صنعاء. ورغم أنهم يُعرفون رسميًا باسم "أنصار الله"، فإن ارتباطهم القبلي والعقائدي منحهم هوية خاصة، تجمع بين البعد المحلي والتأثر بالنموذج الإيراني.
علاقة طهران وصنعاء: "شراكة غير رسمية" لا مجرد تبعية
فيما يتعلق بالعلاقة مع طهران، يوضح المجلس أن الدعم الإيراني لم يبدأ بشكل مفاجئ، بل تطور تدريجيًا منذ ما قبل سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية، ويشير إلى أن هذا التحالف لا يمكن اختزاله في مفهوم "الوكالة"، بل هو أقرب إلى شراكة غير رسمية تقوم على تقاطع المصالح والتقارب الأيديولوجي، مع احتفاظ الحوثيين بهامش من الاستقلالية.
الدعم العسكري: سلاح متطور وخبرات استخباراتية
يؤكد التقرير أن إيران تُعد الداعم العسكري الأبرز للجماعة، من خلال تزويدها بالأسلحة والتدريب والمعلومات الاستخباراتية، غالبًا عبر الحرس الثوري. وقد ساهم هذا الدعم في تطوير قدرات الحوثيين، خصوصًا في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما مكّنهم من توسيع نطاق عملياتهم إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ويلفت المجلس إلى أن هذه العلاقة تخدم الطرفين؛ فبينما يحصل الحوثيون على دعم يعزز نفوذهم، تستفيد إيران من قدرتهم على تهديد خصومها الإقليميين وتأمين مصالحها، بما في ذلك حماية سفنها وتشتيت الانتباه عن شبكاتها الاقتصادية. كما توفر لهم الساحة اليمنية بيئة لاختبار الأسلحة وتوسيع نطاق الردع.
عملية "الفارس الخشن" وما بعدها
في سياق الحرب بين إسرائيل وحماس، يوضح التقرير أن الحوثيين استهدفوا سفنًا مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، ما أدى إلى اضطراب حركة التجارة الدولية، ورغم عدم وضوح الجهة التي أصدرت أوامر الهجمات الأولى، فإن إيران دعمت هذه العمليات سياسيًا، ويُعتقد أنها ساعدت في تنفيذها.
ويرصد المجلس ردود الفعل الدولية رداً على الهجمات الأولى للجماعة عام 2023، حيث تعاونت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس جو بايدن، مع المملكة المتحدة لشن حملة عسكرية مشتركة ضد أهداف الحوثيين في اليمن، بينما قامت بعثات بحرية أمريكية وأوروبية بحماية السفن في البحر الأحمر، وشنت إسرائيل غارات جوية على اليمن عام 2024، استهدفت في المقام الأول البنية التحتية الحيوية.
وفي مارس 2025، شنت إدارة ترامب هجوماً جديداً على أهداف عسكرية واستراتيجية تابعة للحوثيين في اليمن، أُطلق عليه اسم عملية "الفارس الخشن"، وأعلن الجيش الأمريكي أن الحملة استهدفت أكثر من 800 هدف، من بينها أنظمة رادار، وأنظمة دفاع جوي، ومواقع إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، يستخدمها الحوثيون لمهاجمة السفن التجارية والبحرية في البحر الأحمر وخليج عدن.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أن هذه الضربات، رغم تأثيرها، لم تُنهِ قدرات الحوثيين، الذين نجحوا في إعادة بناء جزء من ترسانتهم.
ويشير التقرير إلى أن الجماعة باتت تمتلك قدرات عسكرية متقدمة نسبيًا، مكنتها من الصمود، بل والاستمرار في توسيع نطاق عملياتها، كما أن اعتمادها على التضاريس الجبلية في اليمن ساعدها على حماية جزء كبير من مخزونها العسكري.
باب المندب أداة للضغط العالمي
وفي ما يتعلق بالممرات البحرية، يحذر المجلس من أن الحوثيين يمتلكون القدرة على تهديد مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ويؤكد أن أي تعطيل لهذا الممر ستكون له تداعيات فورية على تدفقات الطاقة والتجارة، خاصة إذا تزامن مع توترات في مضيق هرمز.
كما ينقل التقرير تحذيرات متصاعدة من قيادات حوثية وإيرانية بشأن إمكانية إغلاق المضيق، في حال تصاعدت المواجهة، وهو ما يعكس اتجاهاً نحو استخدام الممرات البحرية كأدوات ضغط استراتيجية في الصراع.
وكان نائب وزير الإعلام الحوثي، محمد منصور، حذّر في مارس 2026، من أن "إغلاق مضيق باب المندب خيارٌ يمني" في حال تصاعدت حدة الأعمال العدائية ضد إيران ولبنان، أو في حال تدخّلت دول الخليج بشكل مباشر نيابةً عن الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبعد أيام، وجّه علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري المرشد الأعلى الإيراني، تحذيراً مماثلاً، قائلاً إن إيران تتطلع إلى باب المندب ليكون هرمز الجديد. وكتب ولايتي على مواقع التواصل الاجتماعي: "إذا تجرّأ البيت الأبيض على تكرار أخطائه الحمقاء، فسيدرك سريعاً أن تدفق الطاقة والتجارة العالميين يمكن تعطيله بخطوة واحدة".
ويرى المراقبون أن تقرير مجلس العلاقات الخارجية يعكس تحولًا نوعيًا في فهم طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط، حيث لم تعد المواجهة تقاس فقط بقدرات الدول، بل بمدى قدرتها على توظيف فاعلين غير حكوميين في ساحات حساسة كالممرات البحرية. ويبدو أن الحوثيين، بدعم إيراني، باتوا جزءًا من معادلة ردع أوسع، تتجاوز اليمن إلى التأثير المباشر على التجارة العالمية وأمن الطاقة. وفي ضوء هذا التحول، فإن أي تصعيد جديد لن يظل محصورًا في الجغرافيا، بل سيمتد أثره سريعًا إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
