هندسة العزلة.. كيف يوظف تنظيم داعش مفهوم "القابضين على الجمر" سياسياً؟
الأحد 12/أبريل/2026 - 10:36 ص
طباعة
تأتي افتتاحية صحيفة "النبأ" التي يصدرها تنظيم "داعش" في عددها (542) الصادر في 9 أبريل 2026، كوثيقة أيديولوجية بالغة الأهمية لفهم الكيفية التي يدير بها تنظيم "داعش" أزماته الوجودية في ظل تزايد الضغوط الأمنية وتراجع فاعلية السيطرة المكانية. المقال المعنون بـ "القابضون على الجمر" ليس مجرد نص وعظي تقليدي، بل هو "بيان سياسي مغلف بالميتافيزيقيا" يهدف إلى إعادة تعريف الهزيمة بوصفها صموداً، والانحسار بوصفه تمحيصاً إلهياً. ومن خلال استخدام لغة تراثية ذات رمزية عالية، يحاول التنظيم ترميم الشروخ النفسية في جسد قواعده التنظيمية، وتصدير سردية بديلة تقاوم الواقع الميداني المرير عبر الهروب نحو المطلق الأخروي.
إن التدقيق في توقيت وسياق هذه الافتتاحية يكشف عن رغبة القيادة المركزية في تفعيل آليات "الدفاع الأيديولوجي" لتعويض العجز العسكري. فبدلاً من تقديم جردة حساب سياسية أو عسكرية للنتائج، يرتد الخطاب إلى الجذور العقدية لفرض حالة من الانضباط القسري تحت مسمى "الثبات". يمثل هذا النص محاولة هندسية لبناء "قنطرة نفسية" تعبر بالأتباع من مرحلة "اليأس من التمكين الأرضي" إلى مرحلة "الاستمتاع بالمظلومية"، وهي استراتيجية تهدف في جوهرها إلى ضمان استمرار النواة الصلبة للتنظيم بعيداً عن أي مراجعات نقدية قد تفرضها حقائق الميدان وتوازنات القوى الدولية.
التوظيف الأيديولوجي لمفهوم "المظلومية والاستثناء"
يعتمد التنظيم في خطابه على "هندسة العزلة" من خلال استحضار صورة "القابض على الجمر"، وهي استعارة دينية تُستخدم هنا لانتزاع الشرعية من المجتمع والواقع المحيط ومنحها حصرياً للتنظيم. من خلال هذا التوظيف، يتم تحويل النص الديني من سياق الوعظ العام إلى "مانيفستو" سياسي يُقسم العالم إلى فسطاطين: أقلية مختارة تمتلك الحق المطلق، وأكثرية "هالكة" تائهة في الفتن. هذه النزعة الاستعلائية تهدف بالأساس إلى خلق رابطة عضوية متينة بين الفرد والتنظيم، حيث يشعر المقاتل أن "غربته" ليست دليلاً على انحراف مساره، بل هي التصديق الفعلي والوحيد على سلامة منهجه، مما يجعل الرفض الاجتماعي أو الإدانة الدولية بمثابة شهادة تزكية دينية بدلاً من أن تكون عامل ضغط للإصلاح أو المراجعة.
يمارس الخطاب نوعاً من "التعزيز النفسي الارتدادي"؛ فبدلاً من محاولة تبرير العزلة الاجتماعية الخانقة التي يعيشها أتباعه، يقوم بإعادة تدويرها وتصديرها كفيلة استحقاق ديني. إن إيهام الفرد بأنه جزء من "الفرقة الناجية" وسط عالم "جاهلي" يخلق حالة من الحصانة ضد التشكيك، حيث تُصبح كل محاولة لانتقاد التنظيم أو الضغط عليه دليلاً إضافياً لدى التابع على صدق النبوءة التي تتحدث عن معاداة الحق. هذا الانغلاق السيكولوجي يحول الفرد إلى أداة طيعة، إذ يتم قطع روابطه العاطفية والمنطقية مع مجتمعه الأصلي، واستبدالها بهوية بديلة تقوم على "الاستثناء" والمظلومية، مما يجعل العودة إلى الحياة المدنية الطبيعية أمراً مستحيلاً من الناحية العقدية في نظره.
يبرع التنظيم في صياغة ما يمكن تسميته بـ "لاهوت الصمود تحت وطأة الانكسار"، حيث يتم تقديم الهزائم الميدانية والخسائر البشرية لا كفشل في التخطيط أو ضعف في القوة، بل كقدر حتمي وسنة كونية مرتبطة بالحق. إن وصف "المكاره والصعاب" بأنها شرط لدخول الجنة يمثل وسيلة دفاعية ذكية تهدف إلى "امتصاص الصدمات" الميدانية؛ فالفشل العسكري يُعاد تدويره ليصبح "اختباراً إلهياً" لتمحيص الصفوف وطرد "المنافقين" أو "ضعاف القلوب". هذا التفسير القدرّي يُعفي القيادة من المساءلة عن سوء التدبير، ويمنح المقاتلين دافعاً للاستمرار رغم الانسداد الأمني والعسكري، تحت شعار أن النصر ليس مادياً بالضرورة، بل هو في "الثبات" على المبدأ مهما كانت كلفة الدماء أو ضياع الأرض.
لغة الحشد النفسي وصناعة "الإنسان الصامد"
يعتمد الخطاب استراتيجية "التجييش العاطفي" عبر توظيف مفردات ذات حمولة شعورية مكثفة (مثل: وجلت القلوب، ذرفت العيون، تجرع الغصص)؛ وهي كلمات مستقاة من التراث الوعظي لتهيئة الفرد لحالة من الاستنفار الوجداني الدائم. الهدف من هذا الشحن ليس مجرد التأثير العابر، بل بناء "جدار صد" سيكولوجي يحمي المقاتل من التشكك أو الرغبة في التراجع عند مواجهة الأزمات. إن تحويل الصبر من حالة نفسية إلى "جمرة" ملموسة تُقبض باليد يجعل من المعاناة الجسدية والنفسية طقساً تعبدياً، مما يمنح الفرد شعوراً بالاستعلاء على الألم، ويحول مظاهر الضعف البشري الطبيعي إلى دلالات على "القوة الإيمانية"، وهو ما يمنع التآكل الداخلي للروح القتالية تحت الضغط الأمني والعسكري.
يرسخ النص ثنائية فكرية حادة تربط بين (الراحة والباطل) من جهة، وبين (المشقة والحق) من جهة أخرى، مقيماً علاقة طردية مشوهة تجعل من حجم "المعاناة" دليلاً وحيداً على "صحة المسار". في هذا المنطق الصوري، يُصبح الرفض الكوني والضغوط العسكرية والملاحقة الأمنية "براهين قطعية" على أن التنظيم هو الطرف المحق، بينما تُفسر السكينة أو الاستقرار الاجتماعي لخصومهم كدليل على "الركون إلى الدنيا" واتباع الباطل. هذه الآلية تحول "المكابدة" من وسيلة لتحقيق هدف سياسي أو عسكري إلى غاية في حد ذاتها، حيث يتم استلاب وعي التابع بحيث لا يبحث عن نتائج ملموسة لأفعاله، بل يكتفي بـ "حجم الألم" الذي يشعر به كمؤشر على رضاء الله وصوابية المنهج.
ينحو الخطاب نحو ما يمكن تسميته "جماليات الغربة"، عبر استخدام استعارات أدبية رفيعة مثل "تتوسد أشواك الغربة" و"جمر الخاطر"، لإضفاء طابع رومانسي ملحمي على واقع مرير يتسم بالعزلة والمطاردة. هذا النوع من "لاهوت الأزمة" يسعى لإعادة تدوير الآلام وتحويلها إلى وقود للاستمرار؛ فبدلاً من رؤية الواقع كبؤس أو هزيمة، يتم تصويره كرحلة بطولية تتماهى مع قصص الزهاد والمبتلين في التاريخ الإسلامي. إن "تقديس الكرب" بهذه الطريقة ينقل المعركة من الميدان الواقعي الذي يخسر فيه التنظيم الأرض، إلى ميدان "المجاهدة النفسية" التي لا يمكن هزيمتها إحصائياً، مما يضمن للتنظيم ولاءً انتحارياً يتغذى على المأساة بدلاً من الانكسار أمامها.
تفكيك الخطاب الديني (الانتقائية المنهجية)
يمارس النص عملية "هندسة مفاهيمية" شديدة الخطورة، حيث يعمد إلى انتزاع مصطلح "السنة" من رحابته التعبدية والتشريعية والأخلاقية الشاملة، ليحشره في زاوية ضيقة تخدم أغراضه الصدامية (التوحيد القتالي، الولاء والبراء الحركي). من خلال هذا الاختزال، يمرر التنظيم مفهوم "الاستعلاء الإيماني"، حيث يُسقط الشرعية الدينية عن جمهور المسلمين الذين يتمسكون بالسنن التعبدية والأخلاقية لكنهم يرفضون منهج التنظيم العنيف. بهذا، تتحول "السنة" في خطابهم من مسلك للرحمة والاتباع العام إلى "معيار سياسي" وقسيمٍ للولاء التنظيمي، مما يجعل المخالفة في الرأي السياسي أو الحركي بمثابة خروج عن جوهر الدين ونبذٍ للسنة النبوية في نظر أتباعهم.
يعتمد الخطاب آلية "الربط العضوي بين الفعل القتالي وسلامة المعتقد"، حيث يجعل من "القبض على الجمر" (أي الانخراط في القتال والمكابدة الأمنية) هو الدليل الوحيد على صحة التوحيد. هذا الربط الممنهج يحول العقيدة من إطار فكري وإيماني واسع إلى "أداة حشد ميداني"؛ فالتراخي في القتال أو التشكيك في جدوى العمليات العسكرية لا يُصنف كخطأ استراتيجي أو ضعف بشري، بل يتم تصويره فوراً كـ "فساد في العقيدة" أو "ركون للظالمين". هذه الاستراتيجية تهدف إلى محاصرة الضمير الفردي للمقاتل، بجعل تراجعه عن الميدان مرادفاً لارتداده عن الإيمان، مما يرفع كلفة الانسحاب من التنظيم لتصبح خسارة للدين والدنيا معاً.
يسعى النص من خلال التحذير الصارم من "التراخي" و"الركون" إلى خلق حالة من "الإرهاب الفكري" داخل الصف التنظيمي، حيث يغلق باب المراجعة أو التساؤل النقدي تماماً. فبمجرد وسم التساؤل أو التفكير في عواقب الأفعال بأنه نوع من "التفريط في الاستقامة" أو "الركون إلى الذين ظلموا"، يتم تحصين الأيديولوجيا ضد أي منطق واقعي. هذا "الانسداد المعرفي" يمنع الأتباع من رؤية التناقضات أو الفشل، ويحول أي محاولة للمراجعة الفكرية إلى "وسواس شيطاني" أو "نفاق مبطن". وبذلك، يضمن التنظيم بقاء أتباعه داخل فقرة فكرية مغلقة، حيث يُعتبر العمى عن الواقع ذروة الثبات، ويُعتبر النقد العقلي أولى خطوات الردة.
البعد السياسي والعملياتي (رسائل مبطنة)
خلف الغلاف الوعظي الكثيف، يبعث النص برسالة سياسية واضحة تتعلق بـ "الصبر الاستراتيجي"، وهي لغة تستخدمها التنظيمات عادةً عندما تمر بمرحلة انكسار ميداني أو انحسار جغرافي. إن التشديد على "طول أمد الصراع" وضرورة "تجرع غصص الصبر" يعكس اعترافاً ضمنياً بفقدان المبادرة العسكرية في الوقت الراهن، ومحاولة لتهيئة القواعد التنظيمية لمرحلة طويلة من "الكمون" وإعادة التموضع. يهدف هذا الخطاب إلى امتصاص حماس الأتباع المندفعين الذين قد يصابون باليأس نتيجة غياب "الانتصارات الخاطفة"، وتحويل هذا اليأس إلى نوع من "العبادة الانتظارية" التي تبرر العجز الحالي وتصوره كضرورة مرحلية تسبق التمكين.
يمثل التأكيد المكثف على مفهوم "الولاء والبراء" في نهاية الافتتاحية أداة عملياتية لتعميق الجدار العازل بين الأتباع ومجتمعاتهم المحلية. من منظور خبير، هذه ليست مجرد دعوة عقدية، بل هي استراتيجية أمنية تهدف إلى منع "السيولة الفكرية" أو الانصهار مجدداً في النسيج الاجتماعي الطبيعي. يسعى التنظيم من خلالها إلى ضمان "النقاء التنظيمي" ومنع حدوث انشقاقات، حيث يصور أي تواصل أو تعاون مع المحيط "المدني أو الأمني" كخيانة عظمى وناقض من نواقض الإيمان. هذه القطيعة الممنهجة تضع التابع في حالة من "اللاعودة"، مما يجعله أكثر طواعية للقيادة وأقل عرضة للاختراق أو التوبة.
يعمل النص كآلية لـ "ضبط الجودة النفسية" للموارد البشرية المتبقية لدى التنظيم؛ فمن خلال ربط "المكابدة" بـ "النجاة"، يحاول القادة ضمان عدم تسرب العناصر تحت وطأة الملاحقة الأمنية. إن الإشارة إلى أن "أكثر الناس بل كلهم لائم لهم" هي محاولة استباقية لتحصين المقاتل ضد "اللوم الاجتماعي" أو النصائح الأسرية أو النداءات الوطنية التي قد تحثه على إلقاء السلاح. هذا الخطاب يحول "العزلة" من نقطة ضعف أمنية وعسكرية إلى نقطة قوة "روحية"، مما يضمن بقاء النواة الصلبة للتنظيم متماسكة فكرياً، حتى في ظل انعدام الموارد المادية أو الهزيمة الجيوسياسية.
الخاتمة
ختاماً، يمكن القول إن مقال "القابضون على الجمر" يمثل ذروة التوظيف النفعي للنصوص الدينية لخدمة البقاء التنظيمي؛ حيث نجح الخطاب في تحويل "العزلة" من مأزق أمني إلى استحقاق إيماني، وتحويل "الفشل الميداني" من خطأ بشري إلى قدرٍ إلهي لا مفر منه. إن الخطورة الحقيقية لهذا النوع من الخطابات لا تكمن في قدرتها على جذب عناصر جديدة بقدر ما تكمن في قدرتها على "تجميد الوعي" لدى العناصر الحالية، ومنعهم من التوبة أو الانخراط في أي مسارات للمراجعة الفكرية. إن التنظيم، عبر هذا العدد من صحيفة النبأ، يقرّ ضمناً بدخوله نفقاً مظلماً من "الكمون الاستراتيجي"، لكنه يحاول ببراعة أن يقنع أتباعه بأن هذا الظلام هو "نور الغربة" الموعود، مما يجعل من المواجهة الفكرية وتفكيك هذه السرديات الرومانسية الملحمية ضرورة لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية والأمنية.
