مجموعة الأزمات: 3 خطوات لإنقاذ مالي من السقوط في فوضى "الساحل" الشاملة

الأربعاء 13/مايو/2026 - 06:38 م
طباعة مجموعة الأزمات: 3 علي رجب
 
حذرت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير تحليلي واسع، من أن جمهورية مالي تقترب من "فخ تصعيد عسكري" قد يحول أزمتها الممتدة منذ عقد إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات، في ظل سيطرة جبهة تحرير أزواد على غالبية من شمال مالي أو ما يعرف بإقليم أزواد" وحصار جماعة نصرة الإسلام والمسلمين للعاصمة بماكو.,
 واعتبرت المنظمة أنالحل الأمني الخالص الذي تبناه النظام العسكري في باماكو لم ينجح في احتواء الجماعات المسلحة، بل أدى إلى دخول البلاد مرحلة هي الأكثر تعقيدا وخطورة منذ عام 2012.

زلزال 25 أبريل: تنسيق غير مسبوق واستهداف لقلب النظام
كان يوم 25 أبريل 2026 نقطة تحول فارقة، حيث شهدت مالي سلسلة هجمات متزامنة وواسعة النطاق أظهرت قدرة عالية على التنسيق بين الجماعات المسلحة، ففي العاصمة باماكو، وصل مقاتلو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) إلى حامية مدينة كاتي الاستراتيجية، وهي المعقل الذي يقيم فيه كبار قادة النظام العسكري.

وأسفر الهجوم عن مقتل الرجل الثاني في النظام، وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، إثر تفجير مركبة استهدفت مقر إقامته. 
كما طالت الاشتباكات القاعدة العسكرية في كاتي، حيث يقع مقر إقامة رئيس الدولة، الجنرال أسيمي غويتا، في سابقة عسكرية هزت أركان السلطة الانتقالية.

ولم تتوقف الهجمات عند العاصمة؛ ففي وسط مالي، اندفعت الجماعة نحو مدينة موبتي وسيطرت مؤقتا على أجزاء منسيفاري قبل انسحابها.
 أما في الشمال، فقد هاجمت الجماعة مدينة جاو بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد (FLA)، مستهدفة المعقل التاريخي في كيدال الذي كانت القوات الحكومية والروس قد استعادته في نوفمبر 2023.

تحالف الضرورة: الجهاديون والانفصاليون في جبهة واحدة
يسلط التقرير الضوء على تقارب ميداني مثير للقلق بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد، ورغم اختلاف الأهداف الأيديولوجية، حيث يسعى الانفصاليون للاستقلال بينما يسعى الجهاديون لتطبيق الشريعة، إلا أن الطرفين وجدا في القوات المسلحة المالية وقوات الفيلق الأفريقي الروسي عدوا مشتركا.

هذا التحالف العملي سمح للجماعات المسلحة بفرض ضغط لوجستي خانق؛ حيث أعلنت الجماعة في 28 أبريل عن حصار شامل لمدينة باماكو، مما أدى إلى أزمة وقود حادة وتفاقم انقطاعات الكهرباء، وهو ما وصفته الحركة في بيان باللغة الفرنسية بأنه "نجاح حاسم" كشف "هشاشة النظام".

رد السلطة: غياب غويتا وعودة القمع
بعد صمت دام ثلاثة أيام، ظهر الجنرال عاصمي غويتا في 28 أبريل ليعلن الحداد الوطني ويندد بـ خطة واسعة لزعزعة الاستقرار مدعومة من أطراف خارجية. وأتبع ذلك بحملة اعتقالات طالت عسكريين وسياسيين بتهمة التواطؤ، وصولا إلى إقالة وزير الدفاع (المتوفى) وتفكيك خلايا تابعة لرئاسة الدولة في 4 مايو، مما يعكس حالة من عدم اليقين داخل الجهاز الأمني.

وتشير مجموعة الأزمات إلى أن السلطات في باماكو، رغم امتلاكها أسرابا من الطائرات المسيرة، باتت تعتمد بشكل مفرط على الفيلق الأفريقي الروسي (بديل فاغنر)، الذي يحتجز أكثر من 2000 جندي في مالي. 
ورغم تأكيدات موسكو استمرار الدعم، إلا أن المكاسب الميدانية غالبا ما تقابلها خسائر في صفوف المدنيين، مما يغذي نقمة السكان ويمنح الجماعات المتشددة فرصا ذهبية للتجنيد.

انهيار الوساطات الإقليمية: مأزق الجزائر وتحالف الساحل
يعد انهيار اتفاق الجزائر لعام 2015 وتدهور العلاقات بين باماكو والجزائر أحد أخطر عوامل التصعيد. فالجزائر، التي كانت وسيطا تاريخيا، وجدت نفسها مستبعدة بعد اتخاذ باماكو مواقف سياسية معادية وتوجهها نحو التحالف مع موسكو.

أما تحالف دول الساحل (AES) الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، فقد أثبتت أحداث أبريل حدوده؛ حيث لم يتدخل حلفاء باماكو عسكريا خلال الساعات الحرجة للهجوم، مما يضع جدوى هذا التحالف الدفاعي تحت المجهر في مواجهة تهديدات تتجاوز الحدود الوطنية.

المخرج الوحيد: ضرورة الحوار السياسي
تخلص مجموعة الأزمات الدولية إلى أن النظام المالي، رغم محاولاته تعزيز شرعيته عبر "خطاب السيادة"، يواجه تآكلا تدريجيا بسبب تدهور المناخ الأمني والاقتصادي. وتؤكد المنظمة أن "الحل العسكري وحده لن ينهي الأزمة"، بل قد يؤدي إلى استنزاف القوات الحكومية وإسقاط المدن الكبرى في فوضى مستدامة.

وأوى التقرير ضرورة التخلي عن منطق "القمع السياسي" والبدء في حوار جاد مع الحركات المسلحة، استنادا إلى توصيات "الحوار بين الماليين" لعام 2024.

كما طالب التقرير تقليل الاعتماد على الحلول "الخشنة" التي تستهدف المدنيين، والتركيز على استعادة الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة لكسب "القلوب والعقول".

وكذلك إعادة الانخراط مع الجزائر كقناة وساطة لا غنى عنها لاحتواء التصعيد في الشمال، وتفعيل التعاون العملي مع دول الجوار بعيدا عن المناكفات الدبلوماسية.

وري التقرير أن مالي اليوم أمام خيارين: إما الاستمرار في نهج "التصعيد الشامل" الذي قد ينتهي بانهيار الدولة، أو الشروع في "انتقال سياسي مسؤول وشامل" يضع حدا لنزيف الدماء ويستعيد الاستقرار الإقليمي لمنطقة الساحل.

شارك