سوسيولوجيا "الابتزاز الروحي".. كيف يوظف "داعش" مأزق المهاجرين في سوريا؟
السبت 16/مايو/2026 - 07:11 م
طباعة
حسام الحداد
تتنزّل افتتاحية صحيفة "النبأ" (العدد 547) الصادرة في 14 مايو 2026، في لحظة تاريخية فارقة تشهد تحولات بنيوية عميقة في طبيعة الصراع على الأرض السورية، وهي لحظة "الحصاد المر" للقوى التي راهنت على موازنات "الدولة المدنية" و"التفاهمات الأمنية" العابرة للحدود. فمع تصاعد سياسة "الحسم" التي تتبعها القوى المهيمنة ميدانياً لتصفية تركة "الجهاد العالمي" وتحويل الفصائل المحلية إلى أجهزة ضبط أمنية تسعى لتثبيت "حسن الجوار" وتأمين الاعتراف الدولي، انكشفت الظهر الإيديولوجي والاجتماعي لآلاف المقاتلين الأجانب "المهاجرين" الذين وجدوا أنفسهم فجأة وقد تحولوا من "بيضة قبان" في الصراع إلى "أهداف أمنية" أو "أوراق مقايضة" معروضة على طاولات المفاوضات الإقليمية، مما خلق حالة من الانكشاف الوجودي والتيه الميداني.
في ظل هذا المشهد المعقد، تلتقط آلة التنظيم الإعلامية هذه التصدعات الميدانية لتمارس نوعاً من "الاستثمار في الفشل"، حيث لا تقدم الافتتاحية مجرد قراءة للأحداث، بل هي مناورة استقطابية ذكية تهدف إلى إعادة تدوير حالة اليأس التي يعيشها هؤلاء المقاتلون (خاصة الأوزبك والأعاجم) وتوظيفها لصالح مشروع التنظيم. إن الخطاب هنا يعتمد إستراتيجية "الشماتة الناصحة"، مستخدماً منطق "النبوءة التي تحققت" لإقناع المهاجر بأن كل الدروب التي سلكها بعيداً عن مركزية "الدولة الإسلامية" لم تكن سوى سراب دبلوماسي انتهى به إلى أن يكون "عبئاً" على حلفاء الأمس، و"غريباً" في الأرض التي ناصرها، و"وقوداً" لمشاريع حزبية باعته عند أول منعطف سياسي.
ثنائية (التابع والمتبوع)
يقوم الخطاب في افتتاحية "النبأ" على بنية عميقة من التقابلات الثنائية الحادة والمتعارضة، وهو ما يتجلى بوضوح منذ العتبة الأولى للنص (العنوان)، حيث يتم بناء عالم منقسم إيديولوجياً ولغوياً لا يقبل الحلول الوسطى. هذه البنية تهدف إلى خلق حالة من "الاستقطاب الوجداني" لدى القارئ، وتجريده من أي خيارات بديلة خارج الإطار الذي يرسمه التنظيم.
المركز مقابل الهامش (التنظيم والشتات): يعيد الخطاب إنتاج صورة التنظيم بوصفه "المركز الإيديولوجي" الوحيد والمرجع الثابت الذي لا يتغير بتغير الظروف السياسية. وفي المقابل، يتم تصوير "المهاجرين" الذين اختاروا الانضواء تحت فصائل أخرى بأنهم يعيشون في "الهامش"؛ أي في حالة من السيولة، والضياع، والتيه، نتيجة ارتهانهم لـ "شيوخ الفتنة". هذا التقابل يهدف إلى إقناع المهاجر بأن خروجه عن مركزية التنظيم هو خروج عن الاستقرار وسقوط في تيه التبعية العمياء.
الثبات الإيديولوجي مقابل التقلب النفعي: تبرز الافتتاحية ثنائية "الثبات مقابل التقلب" عبر تشريح مسار الفصائل المنافسة (مثل هيئة تحرير الشام)، حيث تصفها بأنها انتقلت جذرياً من كونها "وقود الثورة" إلى ممارسة دور "الطواغيت الجدد". ويستعرض الخطاب تحول هذه القوى من شعار "تحكيم الشريعة" إلى القبول بـ "سيادة القانون وحسن الجوار" والاتفاقات الدولية. وفي المقابل، يطرح التنظيم نفسه كصاحب مشروع "عالمي" يتجاوز مفاهيم الدولة الوطنية والحدود الجغرافية، معتبراً أن ثباته على هذه المبادئ الراديكالية هو دليل صحة منهجه مقابل "نفعية" الآخرين.
بنية الوظيفية والاستغلال (الأداة واللاعب): تظهر البنية "الوظيفية" في الخطاب من خلال تصوير العلاقة بين المهاجرين والقوى الإقليمية والمحلية كعلاقة استغلال محضة. فالنظام السوري، والجولاني، وتركيا، يتم تقديمهم في النص كـ "لاعبين" يستخدمون المهاجر الأجنبي مجرد "أداة" أو "بندقية للإيجار" لتحقيق مكاسب مؤقتة. ويحذر الخطاب من أن هؤلاء المهاجرين سيتحولون حتماً إلى "ورقة مقايضة" يجري التخلص منها أو تسليمها عند أول عتبة سياسية أو تفاهم أمني، مما يعزز فكرة أن التنظيم هو "الملاذ" الوحيد الذي لا يغدر بتابعيه.
سوسيولوجيا الابتزاز الروحي
يعمد الخطاب في افتتاحية "النبأ" إلى توظيف آليات "نقد الخطاب الديني المضاد" كإستراتيجية محورية لشرعنة وجوده وتجريد خصومه من أي غطاء أخلاقي أو شرعي؛ حيث لا يكتفي التنظيم بالمواجهة العسكرية، بل يسعى جاهدًا لاختراق البنية النفسية للمقاتل وتفكيك مرجعياته الدينية التقليدية، مستبدلًا إياها بنموذج إقصائي يربط النجاة الأخروية حصريًا بالانضواء تحت رايته.
نزع الشرعية عن "الفقهاء" وقطع الجسور الروحية: يمارس الخطاب عملية هدم ممنهجة لصورة الرموز الدينية ومنظري الفصائل المنافسة، عبر وصمهم بعبارات قاسية مثل "فقهاء الضرار" و"السماسرة"، واتهامهم بـ "المتاجرة بلحوم المهاجرين". تهدف هذه اللغة "السوسيولوجية" الهجومية إلى تحطيم جدار الثقة بين المقاتل وبين قيادته الفكرية، وتصويرهم كموظفين لدى قوى دولية (الخارج) باعوا المبادئ مقابل مكاسب سياسية، مما يؤدي بالضرورة إلى قطع "الصلة الروحية" التي تشكل أساس الولاء التنظيمي.
التوظيف الأيديولوجي للنص القرآني والترهيب الأخروي: يتوج المقال خطابه بمناورة إيديولوجية خطيرة عبر توظيف آية سورة البقرة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا...﴾، لينتقل بالخلاف من سياقه السياسي والميداني المحدود إلى "مصير أخروي مرعب". هذا النوع من "الإرهاب الفكري" لا يكتفي بتخوين المهاجر سياسيًا، بل يربط "التوبة السياسية" (أي العودة لداعش) بـ "التوبة الدينية" والنجاة من العذاب، محولًا قادة الفصائل الأخرى إلى "أنداد" يضلون أتباعهم ويقودونهم إلى الهلاك الأبدي.
تفكيك مفهوم "الوطنية" لصالح الرابطة الإقصائية: يوجه الخطاب نقدًا لاذعًا للمفاهيم المدنية والوطنية، واصفًا "المشروع الثوري الوطني" بـ "القزم" الذي ينتج ولاءات ضيقة ومحدودة، ويضعه في تضاد حاد مع ما يسميه "المشروع العالمي". ومن منظور نقد الخطاب الديني، يرفض التنظيم أي رابطة اجتماعية أو سياسية (سواء كانت وطناً، أو قومية، أو حزباً)، معتبرًا إياها أوثانًا معاصرة، ومروجًا لرابطة "التوحيد" بمفهومها الإقصائي المتطرف، التي تلغي الآخر وتجعل من "الولاء والبراء" المقياس الوحيد للهوية والانتماء.
الابتزاز الروحي كأداة لإعادة التدوير: في نهاية المطاف، لا يستهدف هذا الخطاب سوى "إعادة تدوير" حالة الإحباط واليأس التي يعيشها المهاجرون الأجانب وتحويلها إلى قوة دفع جديدة للتنظيم؛ فمن خلال إشعار المقاتل بأنه فقد الدنيا (بملاحقة الفصائل له) وقد يفقد الآخرة (ببقاء ولائه لتلك الفصائل)، يضعه أمام خيار "العودة إلى الصف" كطوق نجاة وحيد. إنها عملية هندسة اجتماعية تعتمد على الفراغ الروحي والمادي الذي تركه "انكسار المشاريع الجاهلية" -حسب وصفه- لملء ذلك الفراغ بولاء راديكالي لا يقبل المراجعة.
تفكيك الرموز والدلالات
يكشف الخطاب في افتتاحية "النبأ" عن "براغماتية سوداء" ومنهجية تحليلية بارعة في توظيف المتغيرات الميدانية لخدمة أهداف التنظيم الإستراتيجية؛ حيث يعمد النص إلى تفكيك الرموز الجغرافية والسياسية الحالية لإعادة صياغتها في قالب يخدم روايته، محولاً الهزائم الميدانية أو التغيرات في خرائط السيطرة إلى أدلة قطعية تؤيد صحة تنبؤاته السابقة بشأن مصير الفصائل المسلحة.
دلالة "الخط الأصفر" وحتمية الحصار الجغرافي: يستغل الخطاب التقارير الميدانية التي تشير إلى تمدد القوات الإسرائيلية وسيطرتها على مساحات واسعة من القطاع أو توسيع المناطق العازلة (الخط الأصفر)، لإقناع المقاتل بأن الأرض تضيق به فعلياً. ومن خلال الربط بين "الجار اليهودي" وتفاهمات القوى الدولية، يحاول التنظيم ترسيخ فكرة أن النظام الدولي لن يقبل بوجود هؤلاء المقاتلين إلا كأداة مؤقتة (بندقية للإيجار)، وأن مصيرهم النهائي هو التصفية أو التسليم بمجرد انتهاء صلاحيتهم الوظيفية لدى القوى الإقليمية.
خطاب "المظلومية" ودغدغة العواطف القومية للأعاجم: يركز المقال بشكل لافت على "مظلومية المهاجرين" وبخاصة الأوزبك والأعاجم، واصفاً إياهم بأنهم باتوا "أغراباً على سوريا" بعد أن كانوا "وقوداً لثورتها". هذا التركيز ليس عفوياً، بل هو استغلال لواقع فقدان هؤلاء المقاتلين للغطاء الاجتماعي والسياسي في بيئتهم المحلية؛ حيث يحاول التنظيم "دغدغة" مشاعر العزلة والاغتراب لديهم، وتقديم نفسه كـ "الوطن البديل" والوحيد الذي لا يفرق بين أعجمي وعربي إلا بمنطق "الولاء والبراء" الراديكالي.
تحليل "التآمر" وتبسيط المشهد المعقد: يعتمد الخطاب على "نظرية المؤامرة" كأداة تحليلية لتبسيط التعقيدات السياسية للمقاتل البسيط، حيث يضع الجولاني، وتركيا، وأمريكا، وإسرائيل في "خندق واحد" ضد المشروع الجهادي. هذا الربط التعسفي يهدف إلى خلق صورة "عدو متجانس" متآمر، مما يجعل خيار "الدولة الإسلامية" يبرز كخيار "نقي" وحيد ومنطقي وسط ركام من الخيانات المزعومة. إنها عملية حصر للخيارات المتاحة أمام المقاتل، بحيث لا يرى مخرجاً من "سراديب التآمر" إلا بالارتماء مجدداً في أحضان التنظيم.
براجماتية التوظيف الأمني والسياسي: يذهب المنهج التحليلي في الافتتاحية إلى أبعد من ذلك، بالتحذير من أن بقاء المقاتلين في "سوريا الجديدة" مرهون بحاجة النظام السوري المؤقتة لشراستهم في "حروب بالوكالة". ويحلل النص هذا الواقع بوصفه عملية "ضرب عصفورين بحجر واحد"؛ حيث يتم إرضاء "الوكيل الدولي" والتخلص من "الدخيل المهاجر" في آن واحد. هذا التحليل يهدف إلى زعزعة أي شعور بالأمان قد يراود المقاتلين المنضوين تحت لواء الفصائل الأخرى، وإقناعهم بأن كل تنازل يقدمونه للأنظمة هو خطوة نحو حتفهم.
أخيرا، إن قراءة افتتاحية "النبأ" (547) تفضي بنا إلى نتيجة حتمية مفادها أن التنظيم لا يزال يمتلك قدرة فائقة على هندسة "الابتزاز الروحي" والميداني، مستغلاً الفراغ الذي تتركه البراغماتية السياسية للفصائل الأخرى. فالنص في جوهره هو إعلان عن نهاية "زمن الفصائلية" وبداية "زمن الانكشاف"، حيث يتم حشر المقاتل في زاوية ضيقة لا خيار فيها إلا بين "الفناء الصامت" في سراديب التآمر الدولي، أو "البعث التنظيمي" تحت راية التنظيم. وبذلك، تظل هذه الوثيقة الإعلامية نموذجاً فجاً للخطاب الذي يقتات على جراح أتباعه السابقين، محولاً معاناتهم الإنسانية واغترابهم المكاني إلى "برهان شرعي" يعزز به مركزية ذاته المتضخمة، ويشرعن من خلاله سياسة الإقصاء التي يمارسها ضد العالم أجمع.
الرسالة الضمنية: "المنفى أو السجن أو القتل" هي مصائركم الحتمية مع غيرنا، و "العزة والتمكين" (حتى لو كانت وهماً) هي وعودنا لكم. وبذلك، تظل الافتتاحية تدور في فلك "تأليه الذات التنظيمية" وشيطنة كل ما سواها.
