عز الدين الحداد: رحيل "مهندس الصمود" وشبح غزة الذي لا يُرى

الأحد 17/مايو/2026 - 10:33 ص
طباعة عز الدين الحداد: حسام الحداد
 
عز الدين الحداد:
في سجلات الحروب غير المتناظرة وحركات الإسلام السياسي، نادراً ما تبرز شخصية تجمع بين الغموض الاستراتيجي والكفاءة الميدانية الطاغية كما تجلت في عز الدين الحداد. يُعد الحداد، الملقب بـ "شبح الشمال"، المهندس الحقيقي لصلابة غزة في وجه واحدة من أعنف الحملات العسكرية في العصر الحديث. لم يكن مجرد رقم في التسلسل القيادي لكتائب القسام، بل كان يمثل "الحالة الارتدادية" للمقاومة؛ ففي الوقت الذي كان يظن فيه الخصم أنه أحكم قبضته على شمال القطاع، كان الحداد يُعيد حياكة النسيج العسكري من تحت الأنقاض، محولاً الركام إلى منصات انطلاق والمربعات السكنية إلى كمائن استراتيجية استنزفت قدرات جيش نظامي متفوق تكنولوجياً.
إن الإعلان عن استهداف الحداد في منتصف مايو 2026 لا يمثل مجرد حدث أمني عابر، بل هو انعطافة كبرى في مسار المواجهة الميدانية والسياسية. تكمن خطورة هذا الرجل في قدرته الفائقة على إدارة "المستحيل العملياتي"، حيث استطاع الحفاظ على وحدة القيادة والسيطرة في لواء غزة رغم تقطع الأوصال الجغرافية واستحالة التواصل التقليدي. بصفته عضواً في المجلس العسكري العام، كان الحداد يمثل العقل التنفيذي الذي يترجم الرؤى الأيديولوجية لحركة حماس إلى واقع قتالي مرن ومستدام، مما جعل منه الهدف الأكثر إلحاحاً في بنك أهداف الاستخبارات الإسرائيلية، ليس فقط لكسر القوة العسكرية، بل لضرب الرمزية المعنوية التي يمثلها كحارس لأحياء غزة التاريخية.
الهيكل التنظيمي والثقل القيادي: 
يتبوأ عز الدين الحداد موقعاً محورياً في الهرم القيادي لكتائب الشهيد عز الدين القسام، حيث يشغل قيادة "لواء غزة"، وهو التشكيل العسكري الأضخم والأكثر تعقيداً من حيث التسليح والانتشار الجغرافي. وبحكم هذا المنصب، يُعد الحداد ركناً ثابتاً في المجلس العسكري العام، وهي الدائرة الضيقة التي تُصاغ فيها الاستراتيجيات العليا للمواجهة وتُدار من خلالها عمليات التنسيق بين مختلف القواطع. لا تقتصر سلطته على الجانب الإداري، بل يُنظر إليه كأحد "صقور" التخطيط الذين يمتلكون القدرة على الربط بين الرؤية السياسية للحركة والواقع الميداني المتغير، مما جعله حلقة وصل لا غنى عنها في استمرارية القيادة والسيطرة وسط الظروف المعقدة.
أما على الصعيد الميداني، فقد برز الحداد بصفته "الرجل القوي في الشمال" والمحرك الفعلي لعمليات "الترميم العسكري" التي أذهلت المراقبين. فخلال مراحل الحرب الممتدة منذ أكتوبر 2023، تولى الحداد مسؤولية إعادة بناء الخلايا القتالية وتفعيل شبكات الاتصال والكمائن في مناطق شمال القطاع ومدينة غزة، خاصة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض التخوم. بفضل خبرته في حرب المدن، استطاع تحويل الأحياء المدمرة إلى "قلاع استنزاف"، معيداً هيكلة الوحدات المقاتلة تحت ضغط النيران، وهو ما منحه نفوذاً طاغياً كقائد ميداني قادر على إحياء القدرة الهجومية للحركة في أكثر المناطق تعرضاً للتدمير، مما جعله الهدف الأول لعمليات الاستهداف الساعية لكسر إرادة المقاومة في قلب الكتلة السكانية الكبرى للقطاع.

الكاريزما الميدانية وعقيدة "المواجهة الصفرية"
تتبلور العقيدة العسكرية لعز الدين الحداد حول مفهوم "القيادة العضوية" التي ترفض الفصل بين المخطط والمنفذ؛ فهو ينتمي للمدرسة القتالية التي تؤمن بأن شرعية القائد تُستمد من وجوده في خطوط التماس الأولى، وهو ما يُعرف بـ "القيادة من المسافة صفر". لم يكن الحداد مجرد "عقل استراتيجي" يقبع في غرف العمليات المحصنة تحت الأرض، بل عُرف عنه نزوله الميداني للإشراف المباشر على توزيع المهام القتالية وتفقد الثغرات الجبهوية. هذه السمات الشخصية خلقت حالة من التماهي بينه وبين مقاتليه، حيث ساهم وجوده الفعلي في تعزيز الروح القتالية وضمان تنفيذ الخطط العملياتية بدقة متناهية، محولاً الأوامر العسكرية من نصوص جافة إلى واقع ميداني يُدار بمرونة فائقة وقدرة عالية على اتخاذ القرار اللحظي تحت وطأة النيران.
على الصعيد العملياتي، يُعتبر الحداد المهندس الأول لتكتيك "اللامركزية القتالية"، حيث ابتكر نظام "المجموعات الصغيرة المستقلة" التي تعمل كخلايا عنقودية مكتفية ذاتياً. هذا التكتيك سمح لكتائب القسام بمواصلة استنزاف القوات الإسرائيلية في مناطق جغرافية أعلن الجيش الإسرائيلي مراراً عن "تطهيرها" عسكرياً، إذ تعتمد هذه المجموعات على المباغتة والاختفاء السريع دون الحاجة لانتظار أوامر من قيادة مركزية قد تكون مقطوعة الاتصال. يواكب هذه العبقرية العسكرية زهد إعلامي حاد وغموض مقصود؛ فخلافاً لكثير من القيادات التي قد تظهر في إصدارات مرئية، اختار الحداد البقاء "ظلاً لا يُرى"، محيطاً تحركاته وتفاصيل حياته بسرية مطلقة. هذا التخفي الاستراتيجي لم يكن مجرد إجراء أمني لحماية نفسه من الاغتيال، بل كان سلاحاً سيكولوجياً أربك أجهزة الاستخبارات لسنوات، وجعل من شخصيته لغزاً يصعب فك شفرته حتى لحظة الإعلان عن استهدافه.

زلزال القيادة وأزمة الفراغ العملياتي في "الشمال"
تتجاوز أهمية اغتيال عز الدين الحداد كونها مجرد تصفية لقائد عسكري، لتصل إلى إحداث حالة من "الإرباك البنيوي" في منظومة القيادة والسيطرة داخل قطاع غزة. فباعتباره مهندس الصمود في المناطق الشمالية، يمثل غيابه فقدان "الذاكرة الميدانية" والقدرة الفائقة على الربط بين التكتيكات الدفاعية وحرب العصابات المعقدة. هذا الغياب سيؤدي بالضرورة إلى فجوة مؤقتة في اتخاذ القرار السريع وتنسيق المهام بين الخلايا المستقلة التي كان يشرف عليها مباشرة، مما قد يضعف التماسك العملياتي لـ "لواء غزة". ومن الناحية السيكولوجية، يمثل الحداد رمزاً معنوياً للمقاتلين والحاضنة الشعبية في الشمال، واستهدافه في هذا التوقيت يهدف إلى كسر "أسطورة الصمود" وزرع الشك في قدرة الحركة على حماية كادرها القيادي من الصف الأول بعد سنوات من المطاردة.
على المقلب الآخر، يمثل هذا الإعلان لنتنياهو والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية "رأس مال سياسي" ثميناً يتم استثماره لترميم صورة الردع المتآكلة. ففي ظل الضغوط الداخلية المتزايدة والمطالبات بإنهاء الحرب، يأتي اغتيال "شبح الشمال" ليقدم للجمهور الإسرائيلي دليلاً ملموساً على نجاعة استراتيجية "الضغط العسكري المستمر"، وتسويقها كـ "صورة نصر" حاسمة قادرة على تغيير مجرى التفاوض. سياسياً، يطمح الجانب الإسرائيلي من خلال هذه العملية إلى إضعاف الموقف التفاوضي لحماس، عبر إشعار قيادتها بأن "العمق العسكري" بات مكشوفاً تماماً، وأن استمرار التصلب في المواقف سيؤدي إلى تآكل ما تبقى من الهيكل القيادي، مما يضع الحركة أمام خيارين أحلاهما مر: إما التصعيد الانتقامي غير مضمون النتائج، أو تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الهدنة وتبادل الأسرى.

في قلب "بنك الأهداف": المطلوب الرقمي والعملياتي الأول
احتل عز الدين الحداد مرتبة متقدمة جداً في قوائم الاغتيال التي أعدها جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) وجهاز الاستخبارات العسكرية (أمان)، حيث صُنّف ضمن "النواة الصلبة" التي تُدير الصراع، جنباً إلى جنب مع يحيى السنوار ومحمد الضيف. لم يكن هذا الاستهداف وليد المصادفة، بل جاء نتيجة لقناعة استخباراتية راسخة بأن الحداد هو "العقل التنفيذي" الذي يربط بين الخطط الموضوعة في الأنفاق العميقة والواقع المشتعل فوق الأرض. بالنسبة لإسرائيل، كان الحداد يمثل "العقبة الكأداء" أمام حسم المعركة في مدينة غزة وشمالها، إذ اعتُبر المسؤول المباشر عن استنزاف القوات البرية وتحويل كل زقاق في الشجاعية أو الزيتون إلى شرك أمني مدروس، مما جعله "شخصية وجودية" في معادلة الصمود الفلسطيني التي سعت إسرائيل لتفكيكها بكل الوسائل التكنولوجية والاستخباراتية.
تجاوزت خطورة الحداد دوره كقائد عسكري لتشمل إشرافه المباشر على هندسة وتطوير شبكة الأنفاق الدفاعية والهجومية الأكثر تعقيداً في القطاع، وهي الشبكة التي تربط أحياء شرق غزة (مثل الشجاعية والزيتون) بمخيم جباليا ومعاقل الشمال. إسرائيل كانت تعتبره "المؤتمن" على أسرار غزة السفلى والمحرك الفعلي لحرب العصابات الحضرية التي أفشلت محاولات فرض السيطرة العملياتية الكاملة. وبوصفه "حارس المربعات الأمنية"، تمكن الحداد من إدارة الموارد العسكرية المحدودة بكفاءة عالية، متبعاً أسلوباً يعتمد على الكمائن المركبة واصطياد الآليات، وهو ما جعل من اغتياله، من وجهة النظر الاستخباراتية الإسرائيلية، ضرورة لا غنى عنها لتقويض بنية المقاومة التحتية وإنهاء حالة "الدولة داخل الدولة" التي نجح في الحفاظ عليها داخل أحياء غزة المدمرة.
في نهاية المطاف، يبقى اغتيال عز الدين الحداد بمثابة "اختبار قسوة" لبنية حماس العسكرية وقدرتها على امتصاص الضربات الكبرى. ورغم أن فقدانه يمثل خسارة فادحة لخبرة ميدانية وتاريخية تراكمت عبر عقود، إلا أن أدبيات حركات الإسلام السياسي العسكرية تقوم على مبدأ "توالد القيادات"، حيث تُصمم المنظومات القتالية لتتجاوز غياب الأفراد مهما علا شأنهم. رحل "شبح الشمال" مخلفاً وراءه مدرسة في حرب العصابات الحضرية وتكتيكات "المجموعات المستقلة"، لكن التحدي الأكبر الآن يقع على عاتق "القيادة البديلة" في الحفاظ على هذا الإرث العملياتي في ظل واقع سياسي وعسكري يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

شارك