الساحل الملتهب.. كيف تحولت مالي من "فرض السيادة" إلى صراع البقاء؟
الأحد 17/مايو/2026 - 11:13 ص
طباعة
حسام الحداد
تدخل جمهورية مالي نفقاً جيوسياسياً مظلماً يعيد رسم خارطة النفوذ والسيطرة في منطقة الساحل الإفريقي بأكملها، إثر زلزال ميداني غير مسبوق تتضافر فيه تكتيكات الحركات القومية الانفصالية مع استراتيجيات التمدد الجهادي العابر للحدود. فبين عشية وضحاها، تحول المشهد من محاولات فرض السلطة المركزية لباماكو إلى معركة وجودية شرسة؛ حيث يواجه المجلس العسكري الحاكم — المدعوم من "الفيلق الإفريقي" الروسي — خنقاً استراتيجياً طوّق العاصمة باماكو، وشلّ حركة الشرايين اللوجستية للبلاد، بعد سلسلة من الانتكاسات الميدانية الصادمة في الشمال والوسط، توجت باختراق المربع الأمني اللوجستي للعسكر واغتيال مهندس التحالف الروسي-المالي.
إن هذا التحول الدراماتيكي لا يمثل مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المسلح، بل يجسد التطبيق العملي والمدروس لأدبيات "إدارة التوحش والتمكين" التي تعتمدها الجماعات الجهادية، وعلى رأسها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين". فمن خلال نسج تحالفات هجينة ومؤقتة مع الطوارق، واللعب على أوتار المظلوميات العرقية والأزمات الإنسانية المتفاقمة، نجحت هذه التنظيمات في تحويل غارات سلاح الجو المالي والانكفاء الروسي نحو الجنوب إلى أدوات حشد وتجنيد هائلة. يضع هذا المشهد المعقد مالي أمام حافة "التجزئة الفعلية"، حيث باتت السلطة المركزية محاصرة داخل أسوار العاصمة، بينما يتحول الشمال والوسط إلى "إمارات أمر واقع" تدار بعيداً عن سيادة القانون وبندقية الدولة.
سلاح الجو المالي يشن غارات لاستعادة "كيدال"
تشهد الأجواء الشمالية لجمهورية مالي، وتحديداً المحور الاستراتيجي لمدينة كيدال، تصعيداً جوياً غير مسبوق تقوده المقاتلات المالية والمسيّرات الداعمة لها، بإشراف وتنسيق ميداني مباشر من عناصر "الفيلق الإفريقي" الروسي (المظلة الجديدة لمجموعات فاغنر). وتأتي هذه الغارات المكثفة كـ "رد فعل اضطراري" صاخب من قِبل المجلس العسكري الحاكم في باماكو، والذي يحاول عبر استراتيجية الأرض المحروقة واستخدام القوة الجوية المفرطة، لجم الاندفاعة المعنوية والميدانية الكبيرة التي حققها تحالف المتمردين الطوارق (جبهة تحرير أزواد FLA) بالتنسيق التكتيكي غير المسبوق مع تنظيم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التابع لتنظيم القاعدة.
من الناحية الجيوسياسية، لا تمثل هذه الضربات الجوية مجرد عملية عسكرية روتينية، بل هي محاولة مستميتة من النظام العسكري الحاكم لغسل عار "الصدمة الرمزية" والقاسية التي تجرعها في أواخر أبريل الماضي. إن انسحاب الجيش المالي وحلفائه الروس من كيدال — التي تُعد العاصمة الروحية والرمزية للحركات الانفصالية والجهادية في الشمال — شكّل ضربة قاصمة لسردية "السيادة الوطنية الكاملة" التي بنى عليها المجلس العسكري شرعيته السياسية منذ طرده للقوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة (مينوسما). لذا، فإن باماكو ترى في استعادة كيدال مسألة "حياة أو موت" سياسي للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ومنع انهيار الروح المعنوية للقوات البرية.
أما من منظور حركات الإسلام السياسي والجهادي الناشطة في المنطقة، فإن هذا القصف الجوي المكثف يُعيد صياغة "بروباجندا" التجنيد لصالح جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"؛ حيث تستغل الجماعة ومنابرُها الإعلامية هذه الغارات لترسيخ سردية "الدفاع عن المستضعفين" في مواجهة ما تصفه بـ "الغزو الروسي النصراني". هذا المناخ المتفجر يدفع باتجاه تعميق التحالف الميداني (الهجين) بين الطوارق القوميين والجهاديين؛ فالقوة الجوية ورغم قدرتها على إلحاق خسائر في البنية التحتية للمتمردين، إلا أنها عاجزة حتى الآن عن حسم المعركة على الأرض، ممّا قد يستدرج الجيش المالي وحلفاءه الروس إلى حرب استنزاف برية طويلة الأمد في عمق الصحراء الأزوادية، وهو السيناريو المفضل تاريخياً للجماعات الجهادية.
خناق وحصار "يخنق" العاصمة باماكو
تنتقل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) بالتحالف مع الحركات الأزوادية، عبر هذا الحصار المشدد، من استراتيجية "حرب العصابات" والكر والفر في الفيافي الشمالية، إلى استراتيجية "الخنق الاستراتيجي" وعزل مراكز الثقل السياسي. إن قطع خطوط الإمداد الرئيسية وشل حركة تدفق الوقود والسلع الأساسية نحو باماكو يمثل تطبيقاً كلاسيكياً لأدبيات إدارة التوحش والتمكين لدى الجماعات الجهادية، حيث يُراد من هذا الحصار إحداث حالة من الشلل الاقتصادي والاجتماعي التام، واختبار قدرة الحاضنة الشعبية للمجلس العسكري على الصمود، وتحويل العاصمة إلى جزيرة معزولة عاجزة عن إمداد القوات في الجبهات الأمامية.
وفي المقابل، تعكس الإجراءات الأمنية الصارمة داخل باماكو، من فرض لحظر التجول وموجات الاعتقال المتسارعة، حالة من "الارتباك الأمني" والخشية العميقين لدى النخبة الحاكمة من وجود "خلايا نائمة" أو اختراقات استخباراتية في أحياء العاصمة وحزامها الأمني. فالجماعات الإسلامية المسلحة باتت تمتلك شبكات معقدة من التجنيد والاستطلاع داخل الحواضر الإفريقية، وما الرواية الرسمية الصادرة عن المتحدث باسم الجيش، دجيبلا مايغا، بشأن إبقاء طريقين مفتوحين وزعم "تحييد" المئات من المسلحين، إلا محاولة تقليدية لرفع الروح المعنوية المنهارة، والحفاظ على التماسك النفسي للحاضنة الشعبية، والتقليل من حجم التهديد الوجودي الذي يتربص بالقصر الرئاسي.
منظوراً إلى هذا التطور بعيون خبراء الحركات المسلحة، فإن هذا الحصار لا يهدف بالضرورة إلى اقتحام باماكو عسكرياً في الوقت الراهن — لما يتطلبه ذلك من كلفة بشرية ولوجستية هائلة — بل يهدف بالأساس إلى "إنهاك واستنزاف" القدرات الدفاعية للجيش المالي وحلفائه من "الفيلق الإفريقي" الروسي. إن إجبار النظام على الانكفاء لحماية العاصمة يُفقد الجيش زمام المبادرة في الأقاليم الوسطى والشمالية، ويمنح الجماعات الجهادية وحلفاءها حرية الحركة والتمدد لترسيخ سلطتهم الأمر الواقع، مما يضع مالي أمام معضلة حقيقية: إما القبول بتسوية سياسية مذلة تُقسّم البلاد، أو مواجهة انهيار اقتصادي وأمني بطيء يعصف بكيان الدولة المركزية ككل.
تداعيات اغتيال وزير الدفاع
يمثل اغتيال العقيد ساديو كامارا في معقل دار القرار العسكري ببلدة "كاتي"، ذروة الاختراق الاستراتيجي والأمني الذي حققته الجماعات الجهادية، وتحديداً "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، التي غالباً ما تعتمد هذا الأسلوب الانتحاري النوعي (السيارات المفخخة VBIED) لضرب الرموز السيادية. إن كامارا لم يكن مجرد وزير دفاع في هيكلية النظام، بل كان "المهندس العرّاب" وميزان الحرارة للتحالف العسكري الاستراتيجي بين باماكو وموسكو، وهو الشخصية الأكثر ثقة لدى الكرملين و"الفيلق الإفريقي" (فاغنر سابقاً). وغيابه بهذا الشكل الصادم يُعد ضربة قاصمة لمركز ثقل النظام (Center of Gravity)، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن مظلة الحماية الروسية باتت عاجزة عن حماية رأس الحربة في المشروع الجديد.
من منظور سيكولوجية الحركات المسلحة، فإن اختيار بلدة "كاتي" العسكرية — وهي الرحم الفعلي الذي وُلدت منه الانقلابات العسكرية الأخيرة في مالي — يحمل دلالات رمزية بالغة الخطورة؛ إذ يهدف إلى تقويض "صورة القوة والسيطرة" التي يحاول رئيس المجلس العسكري، عاصمي غويتا، تصديرها للداخل والخارج. إن نجاح عملية انتحارية في اختراق المربع الأمني الأكثر تحصيناً يُحدث فجوة عميقة من عدم الثقة البينية بين أركان المجلس العسكري، ويخلق حالة من "البارانويا الأمنية" والشكوك حول وجود اختراقات وتواطؤ من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، مما يجعل محاولات غويتا لإظهار التماسك والصلابة مجرد قشرة خارجية لإخفاء تصدعات داخلية صامتة.
أخيراً، فإن الفراغ القيادي الذي خلّفه كامارا سيضع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" وحلفاءها في موقع الهجوم السياسي عبر استغلال حالة التخبط المتوقعة في باماكو؛ فالجماعات الجهادية في الساحل تدرك أن غياب شخصية كاريزمية ومحورية كوزير الدفاع سيعقّد عمليات التنسيق اللوجستي والعملياتي المعقد أصلاً مع الجانب الروسي، وقد يفتح الباب أمام صراعات أجنحة خفية داخل المجلس العسكري حول من يخلفه في إدارة هذا الملف الحساس. هذا الإرباك سيعطي الجماعات المسلحة هامشاً أوسع للمناورة، والضغط ميدانياً، مستغلةً التموجات والارتدادات الارتجاجية لهذا الاغتيال لدفع النظام نحو حافة الانكفاء الكامل.
تراجع وتمركز القوات الروسية
يمثل اضطرار مقاتلي "الفيلق الإفريقي" الروسي (المظلة الرسمية لبقايا فاغنر) للانسحاب من القواعد الحيوية في الشمال والشرق مثل "كيدال"، "أجيلهوك"، و"تيساليت"، تحولاً دراماتيكياً في ميزان القوى لصالح الحركات المسلحة، وتحديداً "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة بالتحالف مع الحركات الأزوادية. إن قبول القوات الروسية بتسليم أسلحتها ومعداتها العسكرية الثقيلة للمتمردين مقابل الحصول على "ممر آمن" عبر تفاوض ميداني مباشر، يعد اعترافاً واقعياً بانتهاء أسطورة "المُنقذ الأجنبي الحاسم" في الصحراء الكبرى، ويكشف عن براغماتية شديدة لدى الروس الذين فضلوا التضحية بالعتاد والهيبة العسكرية لتفادي مجازر بشرية شبيهة بتلك التي تجرعوها في معركة "تنزواتين" الشهيرة.
من منظور التكتيك الجهادي، فإن هذا الانسحاب الروسي يمنح الجماعات الإسلامية المسلحة وحلفاءها ما يُعرف في أدبياتهم بـ "التمكين الميداني الكامل" في المحاور الشمالية والشرقية المحاذية للحدود الجزائرية والنيجرية. إن استحواذ هذه الجماعات على مخازن الأسلحة والمعدات الروسية المتروكة لا يمثل مجرد غنيمة عسكرية عابرة، بل هو حقن لوجستي استراتيجي سيعيدون توجيهه لتعزيز قدراتهم الهجومية، مما يحول مدن الشمال إلى مراكز قيادة وسيطرة آمنة (Safe Havens) ومنطلقاً لتوسيع رقعة العمليات نحو مناطق الوسط والجنوب، بعد تفكيك خطوط الدفاع المتقدمة للجيش المالي.
أخيراً، فإن إعادة تمركز وتركز القوات الروسية في العاصمة باماكو لحماية "النواة الصلبة" للنظام الحاكم ورئيس المجلس العسكري عاصمي غويتا، يعكس انتقالاً استراتيجياً من عقيدة "الهجوم والتطهير" إلى عقيدة "الدفاع الانكفائي وحفظ البقاء". وتدرك الحركات الإسلامية أن هذا الانكماش الروسي داخل حزام العاصمة يختصر أهدافهم القادمة؛ حيث باتت موسكو معنية فقط بحماية البنية السياسية التي تضمن مصالحها الجيوسياسية ومناجم الذهب في الجنوب، تاركةً الأقاليم الشاسعة في الوسط والشمال لمصيرها، وهو ما يعزز سردية الحركات المسلحة بأن النظام في باماكو أضحى "سلطة معزولة" تحتمي بالمرتزقة داخل أسوار العاصمة بينما تفقد سيادتها الفعلية على جغرافيا البلاد.
أزمة إنسانية متفاقمة وتحذيرات دولية
تدرك الجماعات الإسلامية المسلحة، وفي مقدمتها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، أن توظيف "الأزمة الإنسانية" وسيلةٌ لا تقل أهمية عن البندقية في حسم المعارك؛ لذا فإن التحذيرات الأممية الصارمة التي أطلقها أنطونيو غوتيريش حول انزلاق الساحل نحو طوارئ إنسانية حادة، هي نتاج قراءة دقيقة لواقع تفرضه هذه الجماعات على الأرض. إن سياسة "الحصار الاقتصادي" وشل حركة السلع والوقود التي تمارسها الحركات المسلحة حول الحواضر الكبرى، تهدف بالأساس إلى صناعة حالة من الانعدام الحاد في الأمن الغذائي، ليس فقط لإنهاك الحواشي العسكرية للنظام، بل لدفع الحواضن الشعبية إلى الكفر بقدرة الدولة المركزية على حمايتها أو إطعامها، مما يمهد الطريق لفرض قوانين "إمارة الأمر الواقع" كبديل وحيد ومتاح للاستقرار.
وفيما يخص موجات النزوح الواسعة للمدنيين وسقوط مئات الضحايا — لا سيما في منطقة "موبتي" الوسطى التي تعد خط التماس العرقي والميداني الأكثر التهاباً — فإن هذا التموج الديموغرافي يخدم بشكل مباشر استراتيجية "التجنيد والفرز" التي تعتمدها الجماعات الجهادية. ففي ظل غياب الحماية الحكومية والانتهاكات الواسعة التي ترافق العمليات العسكرية للجيش المالي وحلفائه الروس، تجد المجموعات السكنية الهاربة (خاصة من إثنيات معينة كالفولاني) نفسها مضطرة للاحتماء بالجماعات المسلحة طلباً للأمن أو الثأر؛ وهو ما يحول أزمة النزوح من مجرد مأساة إنسانية إلى "خزان بشري متجدد" يمد التنظيمات الجهادية بمقاتلين جدد عقيدتهم مدفوعة بالمظلومية والاضطهاد.
أخيراً، فإن هذه المعاناة الإنسانية المتفاقمة تسحب البساط الأخلاقي والسياسي من تحت أقدام المجلس العسكري في باماكو على الساحة الدولية؛ فالأمم المتحدة والقوى الإقليمية باتت ترى في مالي "ثقباً أسود" يهدد بتصدير اللجوء والإرهاب إلى دول الجوار (كالمحيط الأطلسي ودول غرب إفريقيا). هذا الضغط الدولي المتزايد، المتزامن مع العجز اللوجستي للحكومة عن إغاثة مواطنيها، يمنح الجماعات الإسلامية فرصة لتقديم نفسها — عبر أذرعها الدعوية والمحلية — كجهة وحيدة قادرة على إدارة شؤون السكان وتوزيع الموارد الشحيحة في المناطق التي انحسرت عنها سلطة القانون، مما يعمق شرعيتها المحلية ويجعل من تفكيك بنيتها أمراً غاية في التعقيد يتجاوز مجرد الحلول العسكرية.
خلاصة المشهد: تُجمع الصحف العالمية على أن مالي تواجه خطر "التجزئة الفعلي" وتآكل سلطة الدولة المركزية، حيث يرى محللون عسكريون أن الاعتماد على الخيارات العسكرية والشركاء الدوليين الجدد لم ينجح وحده في تأمين البلاد، مما قد يدفع المجلس العسكري لتنويع تحالفاته مستقبلاً أو إعادة فتح قنوات اتصال دبلوماسية إقليمية لتفادي انهيار اقتصادي وأمني أعمق.
