التاريخ الإسلامي في المدرسة التاريخية الكويتية ..المنهج والنماذج
الإثنين 18/مايو/2026 - 12:25 م
طباعة
للكويت دور مهم في الإسهام الثقافي العربي، ولا يمكن لمثقف عربي أن يتغافل عن الإصدارات الثقافية العظيمة مثل عالم المعرفة، ومجلة العربي وغيرها من المطبوعات التي كانت خير سفير معرفي للكويت، وقد صدر مؤخرًا عن دار روافد للنشر والتوزيع كتاب للدكتور يوسف راشد رشدان المطيري بعنوان " المدرسة التاريخية الكويتية في التاريخ الإسلامي" والكتاب فريد في رؤيته ومنهجه، حيث قام المؤلف بجمع أمثلة عديدة ودالة من الاسهامات العلمية الكويتية في دراسة التاريخ الإسلامي وقام باستعراضها وتحليلها ومن خلال ذلك أمكنه تحديد ملامح عامة للمنهج التاريخي للمدرسة التاريخية الكويتية وحددها على النحو التالي: " مدرسة تاريخية رصينة جادة منضبطة منهجياً ولها خصائص أبرزها: الجدية، وصدق الاستنتاج، ودقة الملاحظة، فضلاً عن التنوع في الموضوعات والقضايا، وفتح الباب لدراسة إشكاليات جديدة، بالإضافة لطبيعة النص المختلفة والموضوعات المتفردة، وإعمال فلسفة التاريخ، والتأريخ النقدي وطرح التساؤلات وتوظيف المناهج العلمية والعلوم المساعدة ، وكذا المنهج التاريخي بأدواته المتنوعة، ونحت خط سير حداثي تجديدي لا يؤمن بتسريح العقل وتقديس النقل ولكنه منهج حداثي واعٍ مستنير".
لقد كان واضحًا قدرة الكاتب على استقراء ما بين السطور والأحداث، حتى أن مقدمة كتابه أوضحت هذه القدرة فقال : " التاريخ هو جزء أصيل من هُوية الأمة، فحيث لا يوجد تاريخ لا يوجد أصالة ولا انتماء ولا رسوخ حضاري ... وحيث لا يوجد تاريخ تنعدم القيمة؛ والكويت تدرك جيداً أهمية التاريخ، تدرك قيمة الأحداث والقيم والتحديات التي شكلت روح هذه الأمة، كما أنها تُدرك قيمة المؤرخين، وقيمة الفهم التاريخي في بناء أجيال واعية تأخذ بأسباب التطور والحداثة دون أن تُغفل أو تتغافل عن الأصالة والقيم المستمدة من التاريخ، فالكويت دولة التراث ودولة الحداثة، وما كان لها أن تتناول الحداثة دون انجراف غير واعٍ بدون تمسكها بالقيمة والمعنى المستمدين من تاريخ هذه الأمة ومن نضالاتها"
هذا وقد أوضح الكاتب إطاره المنهجي في تناول الكتاب، فقد ذكر أن الكتاب : " ينطلق هذا الكتاب إذن من مجموعة من المحددات، المحدد الأول: هو البحث في ما يمكن تسميته المدرسة التاريخية الكويتية، فلا يمكن التغافل أبداً على أن كُتاب التاريخ في الكويت بما قدموه من منتج فكري وأكاديمي شكلوا معالم مدرسة منهجية متكاملة الأركان في كافة تخصصات التاريخ، القديم، والوسيط، والحديث، والمعاصر.
أما المحدد الثاني فهو: أن كاتب هذه السطور باحث كويتي متخصص في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ولذلك فقد كان العمل على هذا الكتاب له خصوصيته الكبرى للباحث الذي شهد ويشهد على تطور منهجي وأكاديمي رفيع المستوى، في تخصص التاريخ بصفة عامة وتخصص التاريخ الإسلامي بصفة خاصة".
هذا وقد تناول المؤلف الكتاب من خلال عدة نماذج بحثية رصينة " تخير الباحث لمناقشة ملامح المدرسة التاريخية الكويتية في التاريخ الإسلامي نماذج مختارة من الأساتذة وهم الأستاذ الدكتور نايف السهيل، والأستاذة الدكتورة حياة ناصر الحجي، والأستاذ الدكتور راكان المطيري، والأستاذ الدكتور نواف الجحمة، والمرحوم الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العبد الغني رحمه الله، والأستاذ الدكتور نايف الشمروخ، مع استعراض جهود بحثية أخرى في التخصص مثل الأستاذ الدكتور عبد الهادي العجمي، فضلاً عن الإسهامات العلمية الجادة لباحثي التاريخ الإسلامي الكويتيين الذين نالوا أعلى الدرجات العلمية في التخصص ونُشرت أبحاثهم في دوريات العالم العربي بأكمله" .
وقد استعرض المؤلف نقاشات فلسفية هامة منها القضية التي ناقشها المؤرخ نايف السهيل حول الإباضية، حيث أعاد تقديم قراءة ورؤية مختلفة بشأنها ويستعرض وجهة نظر نايف السهيل حول ما أصاب التأريخ لها من ترويج لمختلف الاتهامات التي ألصقت بهم وفي مقدمتها نسبتهم إلى الخوارج ، وإضافتهم إلى من ضل من فرق المسلمين، رغم أن الحركة الإباضية كان لها حضورها في التاريخ الإسلامي، هذا الحضور الذي لم يظهر بحجمه في مختلف كتب التراث الإسلامي، وما ظهر منه إما جاء مشوها أو نادر المعلومات وقليل الحقائق، وحسب السهيل فالمشكلة أن هذه الفرقة تعرضت إلى التباس كبير أحاط بمذهبهم وأهله طوال القرون التي انقضت من التاريخ الإسلامي، فهم خرجوا فعلاً على الإمام على ولكنهم يبرأون من الخوارج، ، وهم دائما جزء من الواقع الجغرافي الإسلامي لكنهم أسقطوا من الحسبان عندما دون التاريخ الإسلامي، فضلاً عن رصد نماذج من الاعتدال الإباضي مثل المدرسة النزوانية قد اتخذت شكل الاعتدال وعدم التطرف والمرونة " وبذلك استعرض هذه الأقوال للمؤرخ نايف السهيل وعلق عليها بوعي ومقدرة تاريخية على التحليل والرصد التاريخي الواعي والمدقق.
وتوصل الكاتب يوسف راشد المطيري لمجموعة من النتائج المهمة تتمحور في أن ما تم استعراضه من ملامح تاريخية رصينة جادة منضبطة منهجياً ولها خصائص أبرزها الجدية، وصدق الاستنتاج، ودقة الملاحظة ، فضلاً عن التنوع في الموضوعات والقضايا وفتح الباب لدراسة إشكاليات جديدة، بالإضافة لطبيعة النص المختلفة والموضوعات المتفردة، وإعمال فلسفة التاريخ، والتأريخ النقدي وطرح التساؤلات وتوظيف المناهج العلمية والعلوم المساعدة ، وكذا المنهج التاريخي بأدواته المتنوعة، ونحت خط تأريخي حداثي غير نمطي .
وحسب المؤلف فقد تميزت المدرسة الكويتية في التاريخ الإسلامي بإشكالية الطرح والرؤية واختيار موضوعات غير نمطية وخصوصية الموضوع والطرح الإشكالي، كما تميزت المدرسة التاريخية الكويتية في التاريخ الإسلامي بطبيعة خاصة في النص المكتوب، سواء من حيث المنهج أو طبيعة النص أوطريقة العرض.
بالإضافة لذلك فقد تميز النص التاريخي في المدرسة بأنه نص يتماهى مع التأريخ الحضاري، فكافة النماذج التاريخية التي عرضنا لها في هذه الدراسة قدمت منتجًا أو أكثر يؤرخ للحضارة الإسلامية بشكل واضح ومكثف ودقيق .
كما تميزت المدرسة التاريخية الكويتية برصانتها في التعامل مع المصادر الأصلية، فأعلامها لا يكلون ولايملون في استقاء المادة من مظانها، واتضح من سياق الكتاب أن أعلام المدرسة التاريخية الكويتية لم يقنعوا بالتفسيرات المباشرة التي قد تنم في بعض الأحيان عن سذاجة في القراءة، فالنماذج المختارة في هذه الدراسة دأبوا على الغوص فيما وراء النص والبحث عن تفسيرات غير نمطية وخفية وإن كانت حقيقية في ذات الوقت، فضلاً عن ممارسة وإعمال النقد التاريخى.
واتضح أن السمت العام للمدرسة التاريخية الكويتية في التاريخ الإسلامي هو الإلتزام بخلق مساراً حداثي تجديدي يمكن من خلاله أن نصنف المنتج التاريخي الكويتي في التاريخ الإسلامي أن يساير ركب التطور والحداثة لدى المدارس التاريخية الكبرى في العالم .
أما المحور الأهم فكان استعراضه بالاهتمام المؤسسي والتربوي المدفوع من الدولة ولازال هو واسطة عقد المدرسة الكويتية في التاريخ الإسلامي والدافع الأبرز لتطوير ملامح هذه المدرسة والتأهيل الدائم والتشجيع والدعم والرعاية لإنتاج علمي جاد مستمر رصين في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية.
وأخيراً وحسب الكاتب فقد أسس المؤرخون الكويتيون المعاصرون لرؤية جديدة في التاريخ، ولمنهجية تتميز بالجدية والحسم في التعاطي الأكاديمي وقدموا لنمط من الكتابة فيه الكثير من القواعد الأكاديمية الرصينة، والرؤية المتعمقة، وكتابة الحدث كتابة ليست سردية وإنما تحليلية، فاحصة للماضي قارئة للمستقبل" .
