انفراد| مواد أعدّها علماء الكنائس خارج قانون الأحوال الشخصية.. تفاصيل المقترحات المرفوضة

الثلاثاء 19/مايو/2026 - 11:38 ص
طباعة انفراد| مواد أعدّها روبير الفارس
 


في آثار  الجدال الدائر حول مشروع  قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين في مصر، سادت حالة من الرضا الرسمي داخل الكنائس الست الكبرى التي شاركت في إعداده، وارتفعت التصريحات مؤكدة أن «ليس في الإمكان أفضل مما كان». غير أن مراجعة النقاشات الكنسية والأكاديمية السابقة تكشف أن مقترحات جوهرية طُرحت على مدى سنوات — وبعضها دُرس داخل أروقة الكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية — لم تجد طريقها إلى النص المطروح.

أبرز هذه القضايا: تغيّر الملة أو الطائفة، والتبني.

أولًا: تغيّر الملة… من «استبدال طائفة» إلى حظر مطلق

من بين أبرز الأصوات القانونية التي تناولت هذه المسألة المستشار الدكتور عوني برسوم، رئيس محكمة استئناف القاهرة الأسبق، وأستاذ القانون بالجامعة الأمريكية، ورئيس قسم القانون الكنسي بالكلية الإكليريكية.

في مؤلفاته حول «التقنين الكنسي» و«الزيجة في المفهوم الروحي الكنسي»، دافع برسوم عن فكرة أن انتقال أحد الزوجين من كنيسة إلى أخرى لا يُعد تغييرًا في الدين أو العقيدة، بل استبدالًا للطائفة داخل الإيمان المسيحي الواحد.

جوهر طرح برسوم:

* العقيدة المسيحية — بحسب طرحه — واحدة بين جميع الكنائس، والاختلاف طقسي أو إداري لا يمس جوهر الإيمان.
* انتقال أحد الزوجين من الأرثوذكسية إلى الكاثوليكية أو البروتستانتية لا يعني تبدلًا في الإيمان بالمسيح أو بالكتاب المقدس.
* استبدال الطائفة لا يؤثر في الحقوق والالتزامات التي نشأت وقت إبرام عقد الزواج.
* الحقوق المكتسبة تبقى قائمة تطبيقًا لمبدأ «شريعة العقد».

بل ذهب أبعد من ذلك، فاعتبر أن تغيير الديانة بقصد التحايل للحصول على حكم بفسخ الزواج يُعد تلاعبًا يجب أن يُقابل برفض الدعوى، حمايةً لمبدأ الأمانة القضائية ومنعًا للتحايل.

 ماذا فعل القانون الجديد؟

القانون الجديد أغلق الباب أمام الاعتداد بتغيير الملة أو الطائفة كسبب لتغيير الاختصاص أو ترتيب آثار قانونية على الزواج القائم. وبذلك انتقل من مساحة اجتهادية كانت مطروحة داخل الدوائر الكنسية إلى صياغة أكثر حسمًا تقطع الطريق أمام أي استخدام قانوني لتبديل الطائفة.

والمفارقة أن ما كان يُناقش داخل المؤسسات الكنسية بوصفه اجتهادًا فقهيًا معتبرًا، لم يُستوعب في النص التشريعي النهائي.

 ثانيًا: التبني… بين الرابطة الاجتماعية والفراغ التشريعي

القضية الثانية التي غابت عن القانون الجديد هي التبني، رغم وجود معالجة فقهية له داخل التراث الكنسي والدراسات اللاهوتية.

من بين من تناولوا الموضوع الباحث نادر أندراوس، مدرس القانون والدراسات اللاهوتية، في مذكراته لطلبة الدراسات اللاهوتية بمطرانية أخميم وساقلته.

تعريف التبني في الطرح الكنسي: هو قيام زوجين بتربية طفل ليس ابنهما بدافع الشفقة والتكافل الاجتماعي.
لا يرتب حقوق البنوة الطبيعية من حيث الميراث أو النفقة أو المعاش. هو رابطة اجتماعية لا تُنشئ نسبًا قانونيًا.

 مقارنة بالشريعة الإسلامية

تنص المادة (345) من قانون الأحوال الشخصية المستمد من الفقه الإسلامي على أن «الدعي ليس ابنًا حقيقيًا»، ولا تترتب على التبني أحكام البنوة الطبيعية.

أما الطرح الكنسي الأرثوذكسي — كما ورد في بعض المراجع التراثية مثل كتاب «الدسقولية» الذي يعني تعاليم الرسل  — فلا يمنح التبني صفة البنوة الكاملة أيضًا، لكنه يجيز كفالة الأيتام وضمهم إلى الأسرة بدافع الرحمة، مع عدم ترتيب آثار النسب.

وفي «الدسقولية» ما يفيد جواز أن يأخذ من لا ولد له طفلًا يتيمًا ليجعله في منزلة الأبناء، في سياق تشجيع فعل الرحمة، دون إقرار صريح لمفهوم البنوة القانونية الكاملة.

ماذا فعل القانون الجديد؟

القانون الجديد لم ينص على التبني كنظام قانوني مستقل، ولم يُدرجه ضمن أبوابه، مكتفيًا بالإطار العام المنظم للزواج والبطلان والانفصال. وهكذا ظل التبني خارج المعالجة التشريعية، رغم وجود أساس رعوي واجتماعي له في التراث.

 بين الفقه والتشريع: لماذا غابت هذه المواد؟

تكشف المقارنة بين المقترحات السابقة والنص الجديد عن ثلاثة اتجاهات واضحة:

اولا تغليب الحسم على الاجتهاد: يميل النص الجديد إلى سد الثغرات التي كانت تُستغل في النزاعات القضائية، خصوصًا في مسألة تغيير الطائفة.
ثانيا . التحفظ في القضايا الحساسة اجتماعيًا: فالتبني يلامس إشكاليات قانونية أوسع تتعلق بالنسب والميراث، وربما فضّلت الكنائس تركه خارج القانون الموحد.
ثالثا  الانتقال من التنوع الاجتهادي إلى وحدة الصياغة: جاء القانون الجديد نتاج توافق بين عدة كنائس، ما قد يكون دفع إلى استبعاد المسائل الخلافية
تكشف مراجعة الطروحات القانونية واللاهوتية السابقة أن مسألتي تغيّر الملة والتبني لم تكونا غائبتين عن الفكر الكنسي، بل كانتا حاضرتين في مؤلفات فقهاء وقانونيين مسيحيين بارزين، ودُرستا داخل مؤسسات تعليمية كنسية.

غير أن الصياغة النهائية لقانون الأحوال الشخصية الجديد اختارت مسارًا أكثر تحفظًا، فاستبعدت هذه المواد، مفضلة إغلاق أبواب الجدل القانوني على حساب إبقاء مساحة للاجتهاد.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل كان الهدف تحقيق الاستقرار التشريعي فحسب، أم أن القانون الجديد أغلق باب النقاش؟
ويقول الدكتور القس عيد صلاح، راعي الكنيسة الإنجيلية بعين شمس، الذي شارك في وضع مواد قانون الأحوال الشخصية عن الطائفة الإنجيلية ثم خرج من اللجنة معترضًا على عدد من المواد، ومنها غياب إقرار التبني
 يكشف هذا الطرح عن فجوة واضحة بين الفقه الكنسي بوصفه مساحة للاجتهاد والحوار والتنوع، وبين النص التشريعي الذي انتهى إلى صياغة أكثر تحفظًا وانغلاقًا. فالنقاشات التي دارت داخل المؤسسات الكنسية والأكاديمية لم تكن فقيرة أو سطحية، بل طرحت رؤى قانونية ولاهوتية عميقة حاولت التعامل مع الإشكالات الواقعية بمنطق أكثر مرونة، سواء في مسألة تغيّر الملة أو في قضية التبني. غير أن القانون النهائي بدا وكأنه انحاز إلى فكرة غلق الأبواب أكثر من انحيازه إلى تطوير حلول جديدة، فانتقل من مرحلة الاجتهاد إلى مرحلة التحصين التشريعي.

ويضيف القس صلاح قائلا  في قضية تغيّر الملة تحديدًا تبدو المفارقة لافتة؛ إذ إن بعض أبرز القانونيين الكنسيين لم ينظروا إلى الانتقال بين الكنائس باعتباره تغييرًا في الدين أو العقيدة، بل اختلافًا داخل الإيمان المسيحي الواحد، وهي رؤية كانت تفتح الباب أمام فهم أكثر مدنية ومرونة للعلاقة الزوجية وللحقوق المكتسبة وقت إبرام العقد. لكن القانون الجديد اختار الحسم الكامل وغلق الباب أمام أي أثر قانوني لتغيير الطائفة، ليس فقط لمواجهة التحايل القضائي، بل أيضًا لإنهاء مرحلة طويلة من الجدل والاجتهاد. وهنا يبدو التشريع وكأنه انتقل من معالجة سوء استخدام بعض الحالات إلى إلغاء المبدأ نفسه.

ويتابع: أما في قضية التبني، فإن غياب النص لا يعني غياب الفكرة عن التراث المسيحي أو الدراسات اللاهوتية، بل يكشف عن تردد تشريعي تجاه ملف شديد الحساسية يرتبط بالمجتمع والدستور والمواريث والنسب. والمثير أن بعض الطروحات الكنسية لم تكن تتحدث عن تبنٍّ بالمعنى الغربي الكامل الذي ينشئ نسبًا قانونيًا، بل عن صيغة اجتماعية رعوية تقوم على الرعاية والكفالة دون آثار البنوة الكاملة، وهي صيغة كان يمكن أن تفتح بابًا لحل إنساني واجتماعي متوازن، خاصة للأطفال مجهولي النسب أو المحرومين من الرعاية الأسرية. لكن استبعاد هذا الملف يعكس أن منطق تجنب الصدام كان أقوى من منطق التطوير التشريعي.

ويختتم القس عيد صلاح قائلًا: في المجمل، يبدو أن القانون الجديد اختار الاستقرار المؤسسي على حساب الحيوية الفكرية والاجتهادية التي كانت موجودة داخل بعض الدوائر الكنسية والأكاديمية. فهو لم يخرج من رحم توافق فكري كامل، بل من تسوية كنسية هدفت إلى إنتاج نص موحد بأقل قدر ممكن من الخلافات المفتوحة. ولذلك يمكن القول إن القانون لم يُنهِ الجدل بقدر ما جمّده تشريعيًا، بينما ستظل الأسئلة التي أُقصيت من النص قائمة داخل الواقع الاجتماعي والكنسي، وربما تعود للظهور مستقبلًا بصورة أكثر إلحاحًا.

شارك