قراءة نقدية في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026

الأربعاء 20/مايو/2026 - 11:27 ص
طباعة قراءة نقدية في الاستراتيجية حسام الحداد
 
تحمل وثيقة "الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026"، الصادرة مؤخرًا عن البيت الأبيض، دلالات سياسية وأمنية تتجاوز البُعد العسكري الاستخباراتي التقليدي؛ إذ تكشف في طياتها عن رغبة محمومة من قِبل الإدارة الحالية لإعادة هندسة الأولويات الجيوسياسية صعودًا وهبوطًا، متبعةً العقيدة السياسية الصارمة القائمة على مبدأ "السلام من خلال القوة". ولا تأتي هذه النسخة كدليل عملي مجرد لحماية الأمن القومي بقدر ما تبدو كمحاولة واضحة لتسييس المعايير الأمنية وتطويعها لتتماشى مع التوجهات الأيديولوجية والانتخابية الداخلية لوطن يمر بمرحلة استقطاب حاد وصراع حزبي مرير على هوية الدولة ومؤسساتها السيادية. هذا التحول البنيوي يعكس رغبة واشنطن في مغادرة الصراعات العسكرية المستنزفة وراء البحار، والانتقال نحو ساحة جديدة تُعرّف فيها المهددات بناءً على مدى مواءمتها لمعارك الإدارة السياسية والاقتصادية، سواء ضد الخصوم الأيديولوجيين في الداخل أو المنافسين الاستراتيجيين في الإقليم الدولي.
إن التدقيق التحليلي في هذه الوثيقة المقتضبة يوضح أنها لم تعد تكتفي بملاحقة الخلايا المسلحة العابرة للحدود، بل أحدثت انعطافًا فلسفيًا وقانونيًا حادًا يسعى إلى قضم الفواصل التقليدية بين الأفعال المادية المجرَّمة والمتبنيات الفكرية السلمية. ويتجلى هذا المنعطف في ثلاثة مسارات متوازية تبدأ من الاندفاع نحو محاصرة وتجريم ما وصفته بـ "الإسلام السياسي غير العنيف" وملاحقة شبكاته المالية والخيرية، مرارًا بالقفز فوق التهديدات الأمنية الموثقة لتيارات اليمين المتطرف محليًا لصالح تصفية الحسابات مع حركات اليسار الراديكالي، ووصولًا إلى عولمة الصراع مع إيران وتحويل ملف مكافحة الإرهاب إلى منصة ضغط جيوسياسية لحماية خطوط الملاحة وممرات الطاقة الدولية. وبذلك، تضع هذه الاستراتيجية المنظومة الدولية والعمل الأهلي الإنساني أمام مقاربة أمنية "مسيسة" وفضفاضة، قد تؤدي على المدى الطويل إلى تآكل مصداقية التقييمات الأمريكية، وجعل التعاون الأمني المشترك في مواجهة الإرهاب الحقيقي أكثر صعوبة وتعقيدًا.

تسييل المفاهيم وتوسيع الشباك
يمثل إصرار وثيقة الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 على إدراج "الإسلام السياسي غير العنيف" ضمن بنية الخطر المستهدف، تحولًا جذريًا وفلسفيًا في العقيدة الأمنية الحاكمة للبيت الأبيض. هذا المنعطف لا يعني مجرد إضافة مصطلح جديد إلى قاموس الأمن القومي، بل يعكس رغبة مبطنة في مغادرة التقييمات الأمنية التقليدية القائمة على ملاحقة الأفعال المادية، والولوج بدلًا من ذلك إلى مساحات النوايا والمتبنيات الأيديولوجية. إن هذا الدمج القسري لتيارات تشارك في العمل المدني أو السياسي السلمي مع تنظيمات العنف المسلح، يفتح الباب أمام قراءات نقدية قانونية وحقوقية معقدة، تُحذر من عواقب تسييس أدوات المكافحة وتحويلها إلى أدوات عقابية عابرة للحدود.
تاريخيًا، استقرت استراتيجيات مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة والقانون الدولي على محددات مادية صارمة لتعريف المنظمات الإرهابية، تدور جميعها في فلك التدبير الفعلي للعنف، أو التحريض المباشر عليه، أو التورط في تمويل العمليات العسكرية. غير أن النسخة الحالية من الاستراتيجية أحدثت ما يمكن وصفه بـ "تسييل المعايير الجنائية"، عبر نقل مستهدفات الأمن القومي من محاربة الأفعال المادية المجرَّمة إلى محاربة الأفكار والأيديولوجيات. هذا التوجه يراه خبراء القانون الدولي منزلقًا رماديًا خطيرًا؛ إذ يقوض مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ويمنح الأجهزة الاستخباراتية والدوائر السياسية في واشنطن "مطاطية قانونية" وذريعة فضفاضة لتصنيف وملاحقة أي كيان سياسي، أو تيار معارض، أو جمعية خيرية في أي بقعة من العالم تحت لافتة "الارتباط الفكري" أو "التقارب الأيديولوجي"، حتى وإن كانت تلك الكيانات تعمل وفق القوانين المحلية للدول وتنبذ العنف صراحة.
إن الإشارة المباشرة والصريحة في الوثيقة إلى شبكات "جماعة الإخوان المسلمين"، وربطها الفوري بكيانات مصنفة بأنها أذرع داعمة لحركة حماس، يكشف عن رغبة الإدارة الأمريكية في تفعيل أقصى أدوات الضغط المالي عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية لوزارة الخزانة (OFAC). تهدف واشنطن من وراء ذلك إلى ضرب وتفكيك البنية التحتية التكافلية والمالية لهذه الجماعات على المستوى الدولي. ومع ذلك، فإن النقد البنيوي الموجه لهذا الاندفاع يكمن في خطورة وقوع الإدارة في فخ "الخلط التعميمي"؛ فبدلًا من استهداف قنوات التمويل العسكري بشكل دقيق ومثبت استخباراتيًا، تؤدي هذه المقاربة الشمولية إلى شل فاعلية مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية، مما يحرم ملايين المدنيين في مناطق النزاعات من المساعدات الأساسية، بذريعة الاشتباه في الهوية السياسية للجهات القائمة على التوزيع.
تتجلى التداعيات المباشرة لهذا التوسع في معايير الاستهداف الأمنية في وضع العمل الإغاثي والإنساني العالمي داخل مأزق "الشبهة التلقائية". فبموجب القواعد الجديدة، قد تمتد مقصلة العقوبات الأمريكية لتطال منظمات إنسانية، وحقوقية، وإغاثية مستقلة ونزيهة —سواء كانت تعمل في الشرق الأوسط أو داخل الدول الغربية نفسها— لمجرد وجود تداخل جرافي حتمي، أو تواصل لوجستي تفرضه طبيعة العمل الميداني في بيئات النزاع الساخنة. هذا التقييد الصارم يُفقد العمل الإنساني حصانته وحياديته المفترضة دوليًا، حيث يُصبح موظفو الإغاثة والمتطوعون مهددين بالملاحقة القانونية أو تجميد الأصول بتهمة "تقديم الدعم غير المباشر"، وهي تهمة باتت تُفسر أمريكيًا بمرونة مفرطة تخدم الأهداف السياسية للإدارة أكثر مما تخدم الاستقرار الأمني.
لا تتوقف خطورة هذه العقيدة المستحدثة عند حدود مناطق الشرق الأوسط، بل تمتد ارتداداتها السلبية لتضرب عمق المجتمعات الغربية، مهددة مسارات الاندماج السياسي والمدني للأقليات المسلمة. إن وسم "الإسلام السياسي غير العنيف" كمهدد أمني يمنح التيارات اليمينية والشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة غطاءً سياسيًا وشرعيةً دولية لممارسة التضييق على الجمعيات الإسلامية القانونية، والمراكز الثقافية، والمنظمات الحقوقية التي تمارس دورها عبر القنوات الديمقراطية الرسمية. هذا الحصار الفكري والمدني قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا لما تطمح إليه الاستراتيجية؛ فبدلًا من محاصرة التطرف، قد يساهم عزل هذه التيارات السلمية وإقصاؤها من الفضاء العام في تعزيز سرديات المجموعات الراديكالية العنيفة، والتي تروج دائمًا للفكرة القائلة بأن الغرب لا يقبل الشراكة المدنية مع أي توجه يحمل هوية إسلامية، مما يذكي نيران الاستقطاب والاضطراب الاجتماعي.

تراجع "الجهادية العالمية" لصالح الجبهة الداخلية واللاتينية
تكشف البنية الهيكلية لـ "الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026" —والتي صيغت في مساحة مقتضبة لا تتجاوز 16 صفحة— عن إعادة ترتيب راديكالية ومفاجئة لأولويات الأمن القومي الأمريكي. هذا الاختصار غير المعتاد في حجم الوثيقة يعكس رغبة واشنطن في الابتعاد عن السرديات الإستراتيجية الفضفاضة، والتركيز بدلاً من ذلك على صياغة "دليل عملي" حاسم يواكب التوجهات السياسية للإدارة الحالية. إن التدقيق في هندسة التقرير يوضح أن مفهوم "المهددات الأمنية" قد تمت إعادة صياغته ليتجاوز النمط التقليدي الذي هيمن على واشنطن منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث تراجعت قضايا "مكافحة الجهادية العالمية" من صدارة الأولويات، لتفسح المجال أمام مهددات جديدة ترتبط بالاستقرار الداخلي والجوار الجغرافي المباشر للولايات المتحدة.
تظهر ملامح هذا التحول الجذري بشكل جلي عند النظر إلى التراتبية الثلاثية التي اعتمدتها الاستراتيجية لتصنيف الأخطار؛ إذ قسّمت الوثيقة ساحة المواجهة إلى ثلاثة مسارات متباينة: أولها "الجماعات التقليدية الموروثة (Legacy)" وتمثلت في تنظيم القاعدة (خاصة في شبه الجزيرة العربية AQAP وتنظيم داعش كمركز فكري، وثانيها "الكيانات الناشئة والمصنفة حديثًا" والتي شملت كارتيلات الجريمة المنظمة والمخدرات العابرة للحدود وجماعات اليسار الراديكالي المحلي (Antifa ، وثالثها "الأدوات والآليات المستحدثة" التي ركزت على تفعيل الهجمات السيبرانية الهجومية (Offensive Cyber وتتبع سلاسل التوريد والخطوط اللوجستية؛ وهو ما يوضح أن الإدارة الأمريكية باتت تنظر إلى التنظيمات الإسلامية المسلحة باعتبارها خطرًا موروثًا تم احتواؤه، بينما نقلت حالة الاستنفار الأمني القصوى لمواجهة كارتيلات الجوار وحركات الاحتجاج الداخلي.هذا التباين يوضح أن الإدارة الأمريكية باتت تنظر إلى التنظيمات الإسلامية المسلحة باعتبارها خطرًا "موروثًا" تم تقويضه واحتواؤه، بينما نُقلت حالة الاستنفار الأمني القصوى لمواجهة كارتيلات أمريكا اللاتينية وحركات الاحتجاج الداخلي المصنفة سياسيًّا ضد توجهات البيت الأبيض.
رغم أن الاستراتيجية وضعت هدف "تدمير أعلى 5 جماعات إسلامية تمتلك القدرة على توجيه ضربات خارجية" في المرتبة الثانية من جدول أعمالها، إلا أن التوصيف النقدي الأبرز يكمن في تسمية هذه التنظيمات بـ "الجهادية الموروثة " هذا المصطلحي الجديد يترجم قناعة استخباراتية أمريكية راسخة بأن خطر هذه الجماعات (مثل تنظيم القاعدة أو داعش) قد انكمش هيكليًّا وبات مجرد "أزمات إقليمية محصورة جرافيًّا" في نطاقات بعيدة كالساحل الأفريقي أو أجزاء من وسط وجنوب آسيا، ولم يعد يمثل تهديدًا وجوديًّا عابرًا للقارات يمتلك القدرة على اختراق العمق الأمريكي. وبناءً على هذا التصنيف المعرفي، تبرر واشنطن تراجع انخراطها العسكري المباشر، وتسعى بوضوح إلى نقل "عبء الكلفة والمواجهة العسكرية" بالكامل إلى الشركاء المحليين والقوى الإقليمية، مكتفية بتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي عن بُعد.
يتجسد التطور الأخير في هذه الاستراتيجية في نوعية "الأدوات المستحدثة" التي أقرتها واشنطن كبديل للتدخلات العسكرية البرية واسعة النطاق. فقد ركزت الوثيقة على تفعيل "الحرب السيبرانية الهجومية" كأداة رئيسية لتفكيك البنية الرقمية للحركات المسلحة، وشل منصاتها الدعائية، واختراق شبكات اتصالها المشفرة قبل تحولها إلى أفعال على الأرض. يتوازى هذا الردع الرقمي مع صرامة تكنولوجية واقتصادية حادة ترتكز على "تتبع خطوط الإمداد وسلاسل التوريد"؛ حيث تسعى الولايات المتحدة عبر الذكاء الاصطناعي والرقابة المالية اللحظية إلى خنق قنوات التمويل اللوجستي، والتحويلات عبر العملات المشفرة، وطرق تهريب السلاح. هذه المقاربة التكنولوجية تعكس رغبة الإدارة في إدارة صراعاتها الدولية بأقل كلفة بشرية ممكنة، وتحويل التكنولوجيا الفائقة إلى سلاح الردع الأول في مواجهة خصومها بشتى تصنيفاتهم.

التوظيف السياسي الداخلي والمفارقة الأمنية
لا يمكن قراءة الوثيقة الرسمية للاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 بمعزل عن سياق الاستقطاب الحزبي الحاد والصراع المحموم على السلطة داخل واشنطن. لقد تحولت الوثيقة، في الكثير من مفاصلها، من مخطط أمني مجرد لحماية الأمن القومي إلى "بيان سياسي" يحمل البصمة الأيديولوجية للإدارة الحالية، حيث تُهاجم بوضوح إرث "سنوات بايدن" وتتهم الإدارة السابقة بتسييس مجتمع الاستخبارات. هذا التوظيف السياسي أدى إلى إحداث دمج غير مسبوق في العقيدة الأمنية الأمريكية، حيث وُضعت جماعات الجريمة المنظمة وكارتيلات المخدرات في أمريكا اللاتينية، وحركات اليسار الراديكالي المحلي، في ذات السلة الأمنية مع تنظيمات "الجهادية العالمية"؛ مما أوقع الاستراتيجية في مفارقات أمنية بنيوية مزدوجة تُفقدها تجردها المهني.
تتجلى أولى ملامح التوظيف السياسي في الهجوم الضمني والصريح الذي تشنه الوثيقة على الإدارة الديمقراطية السابقة؛ إذ وظفت الإدارة الحالية هذا التقرير الأمني لتصفية حسابات سياسية داخلية عبر انتقاد سياسات "الحدود المفتوحة" لسنوات بايدن، والادعاء بأن المنظومة الاستخباراتية تم توجيهها سابقًا لخدمة أجندات حزبية. وبناءً على هذه الرؤية، قدمت الاستراتيجية بديلًا أمنيًّا يتماشى تمامًا مع الخطاب الانتخابي للمحافظين، حيث جرى دمج كارتيلات المخدرات عبر الحدود وجماعات اليسار المتطرف محليًّا مثل حركة "أنتيفا" (Antifa) كمهددات إرهابية رئيسية، وهي خطوة تهدف إلى إضفاء طابع "الإرهاب" على الحركات الاحتجاجية والمنظمات التقدمية المعارضة لسياسات البيت الأبيض.
تتمثل المفارقة الأمنية الأولى والأكثر فجاجة في هذه الاستراتيجية في غياب وتجاهل خطر جماعات "اليمين المتطرف" وحركات "التفوق الأبيض" بالكامل من نص الوثيقة. هذا التغافل يأتي في وقت أكدت فيه تقارير دورية متواترة صادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووزارة الأمن الداخلي (DHS) أن الإرهاب المحلي المدفوع بأيديولوجيا التفوق الأبيض واليمين المتطرف يمثل التهديد الداخلي الأكبر والأكثر دموية في العمق الأمريكي. إن قفز الوثيقة فوق هذه الحقائق الأمنية الموثقة، والتركيز بالمقابل على تصنيف الخصوم السياسيين للإدارة من تيار اليسار والمنظمات الحقوقية والبيئية كتهديدات إرهابية، يثبت أن المعيار الأمني قد تم إخضاعه للحسابات الانتخابية، تجنبًا لإغضاب القواعد الانتخابية الصلبة للرئيس.
أما المفارقة البنيوية الثانية فتمثلت في محورية الملف الإيراني داخل الاستراتيجية، حيث وضعت الوثيقة طهران باعتبارها "المحرك الأساسي والراعي الأول" لتهديد خطوط الملاحة الدولية في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، فضلاً عن دعمها للإسلام الحركي بشقيه. هذا الربط يوضح أن وثيقة مكافحة الإرهاب لعام 2026 قد تم تجييرها بالكامل لتتحول إلى "أداة جيوسياسية" وذراع دبلوماسية خشنة تخدم معركة الإدارة الحالية المباشرة —العسكرية والاقتصادية— مع إيران. لقد غادرت الاستراتيجية هنا مربعها التقليدي كخطة لحماية المدنيين من الهجمات العشوائية، لتصبح مسوغًا قانونيًا وسياسيًا يبرر التصعيد العسكري لحماية تدفقات الطاقة العالمية وحصار الخصوم الإقليميين تحت لافتة الحرب على الإرهاب.
إن هذا التوظيف المزدوج للاستراتيجية —سواء عبر ملاحقة الخصوم الأيديولوجيين في الداخل أو تصفية الحسابات الجيوسياسية في الخارج— يحمل تداعيات خطيرة على المدى الطويل. فهو يؤدي إلى "قضم مصداقية" التقييمات الأمنية الصادرة عن واشنطن، ويجعل المجتمع الدولي ينظر إلى قوائم الإرهاب الأمريكية باعتبارها قوائم سياسية متغيرة بتغير الإدارة في البيت الأبيض وليست مبنية على أدلة جنائية صلبة. علاوة على ذلك، فإن توجيه بوصلة الأمن القومي لملاحقة حركات الاحتجاج المدني الداخلي والمنظمات التقدمية يهدد الحريات الدستورية داخل الولايات المتحدة، ويقحم أجهزة إنفاذ القانون في صراعات حزبية ضيقة، مما قد يؤدي في النهاية إلى تشتيت الجهود الاستخباراتية عن مواجهة الأخطار الإرهابية الحقيقية والداهمة.
وفي النهاية تُثبت استراتيجية واشنطن 2026 أن مفهوم "مكافحة الإرهاب" لم يعد أداة عسكرية لملاحقة الخلايا المسلحة في الكهوف والجبال، بل تحول إلى "مظلة سياسية فضفاضة" توظفها الإدارة الأمريكية لضرب ثلاثة أهداف بحجر واحد:
حصار أعدائها الإقليميين (إيران وأذرعها).
تجفيف منابع التيارات الإسلامية سياسيًا وماليًا عبر ربط الأيديولوجيا بالإرهاب.
تصفية الحسابات السياسية المحلية ضد تيارات اليسار ومنظمات المجتمع المدني التي تعارض توجهات البيت الأبيض.
هذه المقاربة "المسيسة" للأمن قد تؤدي، على المدى الطويل، إلى إضعاف مصداقية تقييمات التهديد الأمريكية، وتجعل التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب الحقيقي أكثر صعوبة وتعقيدًا.

استراتيجية أمريكا 2026 تجاه الاسلام السياسي

شارك