"مواجهة التغلغل".. البرلمان الأوروبي يعلن بداية مرحلة حاسمة ضد نفوذ الإخوان
الخميس 21/مايو/2026 - 12:33 م
طباعة
حسام الحداد
في منعطفٍ سياسيٍّ لافت يعكس تصاعد القلق الأوروبي تجاه أنشطة الإسلام السياسي، استضاف مقر البرلمان الأوروبي في بروكسل يوم الثلاثاء 19 مايو 2026، مؤتمراً دولياً رفيع المستوى حمل عنوان "حماية أوروبا: كشف التهديد المتنامي لجماعة الإخوان". لم يكن هذا الحدث مجرد سلسلة من الجلسات الحوارية، بل شكّل منصةً استراتيجيةً كشفت عن تغلغل الجماعة في مفاصل المجتمعات الديمقراطية عبر استراتيجيات "التغلغل الناعم"، بعيداً عن أساليب المواجهة التقليدية. وقد جمع المؤتمر بين صُناع القرار، والخبراء الأمنيين، والأكاديميين، ليقرعوا ناقوس الخطر حول كيفية استغلال الجماعة لفضاءات الحرية والحقوق في القارة العجوز لخدمة أجندات سياسية عابرة للحدود.
وقد سلط المؤتمر الضوء على أبعادٍ تتجاوز التهديدات الأمنية المباشرة، متعمقاً في تفكيك "هندسة التأثير" التي تعتمدها الجماعة، بدءاً من الهيمنة على المؤسسات التعليمية والأكاديمية، ووصولاً إلى توظيف "سلاح القانون" لإسكات الأصوات النقدية عبر استغلال مفاهيم حقوقية مثل "الإسلاموفوبيا". وفي ظل حضورٍ فكريٍّ وازن، دعت النقاشات إلى تبني نهجٍ أوروبيٍّ حازمٍ يقوم على مراجعة التمويلات العامة الموجهة لمنظمات الواجهة، وفرض رقابة صارمة على الأنشطة التي تهدد الأسس الليبرالية. يضع هذا التقرير النقاط على الحروف فيما يتعلق بنتائج المؤتمر، دلالاته السياسية، وآفاق المواجهة التشريعية المرتقبة بين المؤسسات الأوروبية وشبكات النفوذ الإخواني.
سياق الانعقاد: قلق أوروبي يتجاوز الأمن
يأتي انعقاد هذا المؤتمر في ظل مناخ سياسي أوروبي بالغ الاضطراب، حيث باتت قضايا الاندماج والهوية الوطنية في قلب النقاشات العامة داخل دول الاتحاد الأوروبي. لم يعد القلق مقتصرًا على التحديات الأمنية المباشرة أو التهديدات المتصلة بالتطرف العنيف، بل امتد ليشمل تساؤلات جوهرية حول "مشروعية" وتمثيل المؤسسات المدنية التي تنصب نفسها متحدثًا رسميًا باسم الجاليات المسلمة. وتعيش العواصم الأوروبية حالة من المراجعة الشاملة لسياساتها تجاه هذه الكيانات، مدفوعة برغبة متزايدة في حماية النسيج الاجتماعي من التأثيرات الخارجية التي تهدد القيم الديمقراطية.
وتتركز جوهر هذه المراجعة على كشف الروابط العميقة بين بعض المنظمات المدنية والأجندات الأيديولوجية المتجذرة في فكر جماعة الإخوان المسلمين. ويرى المراقبون أن تلك المنظمات استغلت على مدار سنوات طويلة فضاءات الحرية والعمل المدني الأوروبي لترسيخ نفوذها، متخفية خلف أقنعة العمل الخيري، والحوار بين الأديان، والدفاع عن حقوق المهاجرين. وقد كشف المؤتمر أن الهدف الحقيقي لهذه التحركات هو خلق حاضنة اجتماعية وسياسية موازية، تسعى إلى فرض تفسيرات أيديولوجية خاصة تتناقض في كثير من جوانبها مع مبادئ العلمانية والمواطنة الغربية.
ويعد هذا التحرك السياسي والتشريعي تتويجاً لمسار تراكمي بدأ منذ فترة، تغذى خلاله القلق الأوروبي من خلال سلسلة من التحقيقات الصحفية الاستقصائية والتقارير الاستخباراتية التي وثقت بدقة آليات العمل الخفي لهذه التنظيمات. هذه الأدلة التي وضعت صانع القرار الأوروبي أمام حقائق دامغة حول حجم الاختراق، تحولت اليوم إلى ضغوط سياسية ملموسة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي. ولم يعد الأمر مجرد نقاش فكري أو تحليلي، بل انتقل إلى مرحلة "المواجهة القانونية"، حيث يسعى الاتحاد إلى صياغة استراتيجيات شاملة لقطع شريان التمويل والتأثير عن هذه الشبكات، وضمان عدم استغلال المؤسسات الأوروبية لخدمة أجندات سياسية عابرة للحدود.
أجندة المؤتمر: من التغلغل إلى "سلاح القانون"
ترأس المؤتمر النائبان في البرلمان الأوروبي، بيرت-يان رويسن وتوماس زدخوفسكي، اللذان وضعا خارطة طريق لنقاشاتٍ اتسمت بالعمق والجرأة. وقد انصبت المداولات على تفكيك "هندسة التأثير" التي تعتمدها جماعة الإخوان المسلمين في القارة العجوز، حيث جرى التركيز على محورين حيويين يكشفان عن تغلغل الجماعة في مفاصل المجتمعات الديمقراطية، وكيفية تحويلها للأدوات القانونية والحقوقية إلى وسائل لخدمة أهدافها السياسية الخاصة.
في المحور الأول، ناقش الخبراء، وعلى رأسهم الباحثة الفرنسية البارزة فلورنس بيرجو-بلاكلييه، استراتيجية "الاختراق التدريجي" (Entryism) التي تعد جوهر عمل الجماعة في أوروبا. وأكدت المناقشات أن الإخوان لم يعودوا يعتمدون على أساليب المواجهة المباشرة، بل عمدوا إلى استغلال فضاءات الحرية الأكاديمية والسياسية المتاحة، لترسيخ نفوذهم في مراكز صنع القرار. وقد قدم تقرير "كشف جماعة الإخوان" الذي عُرض في المؤتمر أدلة دامغة على محاولات مدروسة للهيمنة على المؤسسات التعليمية ومراكز الأبحاث المرموقة، بهدف احتكار صياغة السرديات المتعلقة بالإسلام والمسلمين في الغرب، وتوجيهها لخدمة أجندات الجماعة التنظيمية.
أما المحور الثاني، فقد ركز على ما وصفه المشاركون بـ "سلاح القانون" (Lawfare)، حيث استعرض المتحدثون كيف تقوم الجماعة بتوظيف مفاهيم نبيلة مثل "مكافحة التمييز" و"الإسلاموفوبيا" لتحويلها إلى أدوات قمعية. وأشار الخبراء إلى أن الجماعة نجحت في خلق حالة من "الترهيب الأخلاقي" عبر وصم أي باحث أو سياسي – بل حتى الشخصيات المسلمة الإصلاحية – ينتقد فكرها أو يكشف ممارساتها بتهمة "العنصرية" أو "العداء للمسلمين". هذا التكتيك أثبت فاعليته في إسكات الأصوات النقدية التي تحاول فتح ملفات التمويل المشبوه أو الارتباطات التنظيمية.
وخلصت النقاشات في هذا السياق إلى أن استغلال "المظلومية" ليس مجرد أداة دعائية، بل هو استراتيجية متكاملة لتقويض حرية التعبير داخل المؤسسات الأوروبية. فمن خلال دفع هذه الشخصيات والمؤسسات إلى "الرقابة الذاتية" خوفاً من الملاحقة القانونية أو الهجوم الإعلامي، استطاعت الجماعة تأمين غطاء آمن لأنشطتها. وقد طالب المشاركون في المؤتمر بضرورة تفعيل آليات قانونية جديدة تحمي الباحثين والمؤسسات، وتفصل بوضوح بين النقد المشروع للأيديولوجيات السياسية وبين التحريض على الكراهية، وذلك لضمان عدم استغلال الحقوق والحريات لتقويض الديمقراطية من داخلها.
مداخلة الإمام توحيدي: "أم الإرهاب الجهادي"
مثلت مداخلة الإمام محمد توحيدي، المعروف بلقب "إمام السلام"، نقطة تحول جوهرية في أعمال المؤتمر؛ حيث اتسم خطابه بلغة مباشرة وجريئة كسرت حدة التحفظ الدبلوماسي المعتاد في المحافل البرلمانية. لم يكتفِ توحيدي في كلمته بطرح المخاوف الأمنية التقليدية، بل اختار نقل المعركة إلى الميدان الفكري العقدي، واصفاً جماعة الإخوان المسلمين بأنها "الأم الروحية والمنبع الأيديولوجي" للإرهاب الجهادي الحديث. وبحسب رؤيته، فإن الجماعة نجحت عبر عقود في وضع "النظام التشغيلي" الذي تتغذى عليه تنظيمات راديكالية مثل القاعدة وداعش، مما يجعلها خطراً هيكلياً يتجاوز التهديدات الميدانية المباشرة.
وقد وضع توحيدي الحضور أمام ضرورة ملحة للتمييز الحاد والقطعي بين "الإسلام كعقيدة إيمانية" و"الإسلام السياسي كأداة براغماتية للسيطرة". وأكد في طرحه أن الخلط المتعمد بين المفهومين هو الفخ الذي تقع فيه العديد من المؤسسات الغربية، مما يمنح الإخوان غطاءً شرعياً لأنشطتهم السياسية تحت شعار "التمثيل الديني". وشدد على أن تفكيك هذا الارتباط هو المدخل الوحيد لحماية المسلمين المعتدلين في أوروبا من التهميش، وللحفاظ على استقلالية القرار الوطني للدول الأوروبية بعيداً عن ضغوط الأجندات الحزبية المتسترة بالدين.
وفي خاتمة مداخلته، أطلق توحيدي دعوة صريحة ومباشرة للحكومات الغربية بضرورة تبني مواقف حازمة، مطالباً بتصنيف جماعة الإخوان رسمياً كـ "أيديولوجيا تهدد القيم الديمقراطية"، وليس مجرد كيان سياسي أو اجتماعي. ورأى أن سياسة "المهادنة" أو "الحوار غير المشروط" التي اتبعتها بعض العواصم الأوروبية لسنوات، قد منحت الجماعة مساحة واسعة للتمدد والتوغل في مفاصل الدولة. وأكد أن المواجهة الفكرية والقانونية مع هذا المشروع أصبحت استحقاقاً وجودياً لا يقبل التأجيل لحماية المجتمعات الحرة من الانزلاق نحو التفتيت الأيديولوجي.
دلالات المؤتمر: ما وراء السطور
يمثل هذا المؤتمر منعطفاً استراتيجياً في كيفية تعامل المؤسسات الأوروبية مع ملف الإسلام السياسي، حيث تبرز الدلالة الأولى في "تغيير السردية" المتبعة. لقد نجح المؤتمر في نقل النقاش من التعميمات الفضفاضة حول "الإسلام" كدين أو ثقافة، إلى الاستهداف الدقيق والمركز للتنظيمات السياسية ذات الأجندة الأيديولوجية. هذا التحول النوعي في لغة الخطاب يمنح صانعي القرار الأوروبيين غطاءً سياسياً وقانونياً قوياً، مما يمكنهم من اتخاذ إجراءات حاسمة ضد كيانات محددة دون الوقوع في أفخاخ الاتهام بالتمييز العنصري أو استهداف الجاليات المسلمة ككل، وهو ما يرفع الحرج السياسي الذي كان يعيق اتخاذ قرارات حازمة في الماضي.
أما الدلالة الثانية فتتمثل في كسر "حاجز الصمت" حول قضية التمويل العام، حيث برز إجماع واسع بين المشاركين على ضرورة مراجعة جذرية للمنح المالية والمخصصات الحكومية التي تتدفق إلى منظمات واجهة ترتبط في جوهرها بتنظيم الإخوان. إن هذه المطالبة ليست مجرد إجراء إداري، بل تعد ضربة استراتيجية في مقتل؛ إذ كشفت النقاشات أن هذه الشبكات، ومن بينها "مجلس المسلمين الأوروبيين"، قد بنت نموذجها التشغيلي ونفوذها المتغلغل في مفاصل المجتمع المدني اعتماداً شبه كلي على الدعم المالي الرسمي أو شبه الرسمي من دول الاتحاد الأوروبي.
وبناءً على ذلك، يمثل هذا التوجه تهديداً وجودياً لهذه الشبكات التي تعتمد على التمويل الرسمي كرافعة رئيسية لأنشطتها. فعندما يتم تجفيف منابع التمويل العام، تفقد هذه التنظيمات القدرة على الاستمرار في تنفيذ برامجها "الناعمة"، وتتضح هشاشة قاعدتها الشعبية بعيداً عن الغطاء المالي والمؤسسي الذي كانت تتمتع به. هذا التحرك يعني عملياً سحب "الشرعية المؤسسية" التي كانت تتلطى خلفها هذه التنظيمات، وهو ما سيجبرها على الانكفاء أو الكشف عن حقيقتها الحزبية الضيقة بعيداً عن عباءة العمل العام.
في نهاية المطاف، تعكس دلالات المؤتمر رغبة أوروبية متنامية في استعادة السيادة على الفضاءات المجتمعية التي تضررت من نفوذ الإسلام السياسي. إن الإصرار على الشفافية المالية وتحديد طبيعة هذه التنظيمات قانونياً يمهد الطريق لسياسات جديدة قائمة على "المساءلة" بدلاً من "الاحتواء". ويشير هذا التحرك إلى أن القارة الأوروبية باتت تدرك أن الحفاظ على قيمها الديمقراطية يتطلب شجاعة سياسية لمواجهة الأطراف التي تستغل هذه القيم ذاتها لتقويض دعائم الدولة الوطنية من الداخل.
النتائج المتوقعة والآفاق المستقبلية
من المرجح أن يتجاوز صدى هذا المؤتمر أروقة البرلمان الأوروبي ليتحول إلى حراك تشريعي ملموس على مستوى دول الاتحاد. فالمؤتمر وضع حجر الأساس لدفع اللجان البرلمانية المختصة نحو صياغة أطر قانونية جديدة، تهدف إلى فرض رقابة مالية وإدارية مشددة على المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المدنية. ومن المتوقع أن تستهدف هذه التشريعات الكيانات التي يثبت ارتباطها بأيديولوجيات تحريضية، مما سيجعل من "الشفافية في مصادر التمويل" شرطاً أساسياً لاستمرار أي منظمة في تلقي الدعم أو الحصول على تصاريح العمل في الفضاء العام الأوروبي.
على صعيد آخر، يفتح المؤتمر الباب أمام استراتيجية "تعزيز الشراكات البديلة"، حيث يطمح المشرعون الأوروبيون إلى خلق توازن جديد في تمثيل المسلمين في القارة. إن الرغبة في فتح قنوات اتصال رسمية مع الشخصيات المسلمة المعتدلة، والمفكرين الذين يعارضون علانيةً أجندات الإسلام السياسي، تشكل تحولاً جوهرياً في المقاربة الأوروبية. فبدلاً من الاعتماد على "الوسطاء التقليديين" المرتبطين بتيارات أيديولوجية، يتجه الاتحاد نحو دعم "صوت بديل" أكثر انسجاماً مع قيم المواطنة، مما يوفر منصات حوار حقيقية تعبر عن تطلعات الجاليات المسلمة بعيداً عن صراعات الإسلام السياسي.
كما يُنتظر أن يمارس هذا المؤتمر ضغوطاً تصاعدية على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خاصة تلك التي تُعد مراكز ثقل لنشاط هذه التنظيمات. فمن خلال البيانات الرسمية والتقارير التي خلص إليها المؤتمر، ستجد العواصم الوطنية نفسها أمام مطالب ملحة لمراجعة الأوضاع القانونية للمراكز والجمعيات التابعة للتنظيم دولياً. هذا الضغط قد يدفع هذه الدول إلى إجراء عمليات تدقيق واسعة النطاق لمراجعة تراخيص هذه الجمعيات، وفحص روابطها الخارجية، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إغلاق أو تقييد أنشطة الكيانات التي يثبت تورطها في تقويض السلم الاجتماعي أو الترويج لأجندات خارجية.
ختاماً، تشير هذه المؤشرات إلى أن المؤتمر لم يكن مجرد حدث عابر، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة تتسم بالصرامة في حماية الأمن الفكري والسياسي لأوروبا. إن التنسيق المرتقب بين أجهزة الأمن، والمشرعين، ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، سيعمل على محاصرة "شبكات النفوذ" التي تمددت لسنوات تحت غطاء العمل الحقوقي. ومع تزايد القناعة بأن التحدي وجودي، يبدو أن الأسابيع والشهور المقبلة ستشهد سباقاً بين سرعة الإجراءات التشريعية الأوروبية، وبين محاولات التنظيم للتكيف مع واقع جديد لم يعد يتسامح مع اختراقاته المؤسسية.
خلاصة:
لقد وضع مؤتمر "كشف التهديد المتنامي" جماعة الإخوان في الزاوية، معلناً بداية مرحلة جديدة من "المواجهة القانونية والفكرية". ومع تزايد القناعة الأوروبية بأن التهديد لا يقتصر على العنف المباشر بل يمتد إلى تقويض الأسس الليبرالية من الداخل، يبدو أن الأسابيع المقبلة ستشهد تضييقاً خانقاً على شبكات التغلغل الإخواني في القارة.
