من التجارة البريئة إلى "التيثر".. كيف تفلت المصارف الإيرانية الموازية من عقوبات الغرب؟

الخميس 21/مايو/2026 - 10:36 م
طباعة من التجارة البريئة علي رجب
 
في الوقت الذي يطبق فيه المجتمع الدولي حصاره الاقتصادي على طهران لتقويض طموحاتها العسكرية، كشف تقرير استقصائي نشره موقع "نتسيف" الإخباري العبري، اليوم الخميس 21 مايو 2026، عن تفاصيل أمنية ومالية بالغ الحساسية، تميط اللثام عن اعتماد النظام الإيراني على شبكة عنكبوتية واسعة من الشخصيات ذوي النفوذ العائلي والمالي المتمركزين في عدة دول أوروبية. 
وتهدف هذه الشبكة السرية إلى تدشين ما يعرف بـ "المصارف الموازية"، وهي منظومة مالية ظلية متكاملة تتيح لطهران الالتفاف الكامل على العقوبات الدولية المرهقة، ومواصلة تصدير النفط والغاز، وغسل مليارات الدولارات بعيدا عن الرقابة، وصولا إلى استغلال تلك التدفقات في تمويل برنامجها النووي ودعم أذرعها العسكرية الإقليمية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها جماعة الحوثي في اليمن وحزب الله في لبنان.
الأوليغارشية العائلية: الدولة العميقة لطهران في الغرب
ووفقا للمعلومات التي أوردها الموقع العبري، فإن هذه المصارف الإيرانية الموازية لا تدار عبر قنوات حكومية مرئية، بل تشرف عليها شبكة متشعبة من المقاولين السريين ورجال الأعمال الذين يعملون في الخفاء. وتضم هذه الشبكة في معظمها عائلات نافذة وثرية يطلق عليها في العلوم السياسية والاقتصادية اسم "الأوليغارشية"، وهو مصطلح يجسد المفهوم الحقيقي لـ "الدولة العميقة"، حيث تتمركز السلطة والقرار والنفوذ المالي في يد فئة قليلة وصغيرة ومترابطة من المجتمع.
وتستمد هذه النخبة العائلية قوتها ونفوذها العابر للحدود من عناصر محددة ومدروسة، أبرزها الثروة المالية الفاحشة المودعة في ملاذات آمنة، أو النسب العائلي والمصاهرة السياسية، أو النفوذ العسكري والاستخباراتي الممتد، وصولا إلى السيطرة المطلقة على الموارد الحيوية للدولة.
 وبحسب تقارير رسمية لوزارة الخزانة الأمريكية وشبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية (FinCEN)، نجحت هذه الشبكة الموالية لحكومة طهران والمتغلغلة في أوروبا، في تمرير ونقل مليارات الدولارات عبر حسابات مصرفية غربية شرعية وقانونية، دون أن تتمكن الأنظمة الرقابية الأوروبية أو الأمريكية من تحديد المصدر الحقيقي والأصلي لتلك الأموال الضخمة.
صراع "الغضب الاقتصادي" وطبقات التمويه اللامركزية
وتخوض العواصم الغربية بقيادة وزارة الخزانة الأمريكية صراعا تقنيا واستخباراتيا متواصلا، عبر حزم من العقوبات الموجهة وحملات الملاحقة الدولية الشرسة، مثل حملة "الغضب الاقتصادي"، في محاولة مستميتة لحظر وتجميد هذه الحسابات الوهمية والشركات الرديفة. 
ومع ذلك، يورد التقرير أن الشبكة الإيرانية تتمتع بمرونة تنظيمية مذهلة وقدرة على التلون السريع؛ إذ تعمد إلى فتح شركات جديدة وتغيير أسماء واجهاتها التجارية بوتيرة سريعة للغاية، مما يضمن لها البقاء متقدمة بخطوة زمنية واحدة على الأقل أمام الجهات التنظيمية والقانونية الدولية.
وتعمل هذه الشبكة المعقدة في إطار عدة طبقات "لامركزية" من التمويه المالي، ويأتي على رأسها سلاح "الشركات الوهمية"؛ حيث أنشأت إيران آلاف الشركات التجارية المسجلة قانونيا في دول أوروبية وآسيوية خارج حدودها الجغرافية. 
وفيما تظهر هذه الشركات في سجلات التجارة الدولية بنشاط بريء تماما، مثل تجارة المواد الغذائية الأساسية، أو السلع الاستهلاكية، أو مستحضرات التجميل، إلا أنها تستخدم في الواقع كقناة التفافية مغلقة لتحويل مئات الملايين من الدولارات إلى شركات النفط والغاز الإيرانية المملوكة للدولة وللحرس الثوري الإيراني.
من حسابات المراسلة إلى الـ "تيثر" الرقمي
بالتوازي مع ذلك، تدير شبكات محترفة من الصرافين التقليديين داخل إيران وخارجها تدفق الأموال النقدية عبر أنظمة مقاصة تقليدية وعريقة مثل "الحوالة". وفي هذا النظام، لا تعبر الأموال النقدية الحدود السياسية بشكل مباشر، مما يزيد من استحالة تتبعها أو رصدها رقميا من قبل الأنظمة المصرفية الحديثة. 
وعلاوة على ذلك، تعمد تلك الشركات الوهمية إلى فتح حسابات جارية في بنوك تجارية محلية صغيرة في دول مختلفة، وتمتلك هذه البنوك بدورها "حسابات مراسلة" (Correspondent Accounts) في بنوك استثمارية كبرى في قلب العواصم المالية للغرب (مثل نيويورك، ولندن، وزيورخ). وبهذه الطريقة الهندسية، يتم غسل الأموال الإيرانية الملوثة وتمريرها في صلب وشرايين النظام المالي العالمي تحت ستار التجارة الدولية الشرعية وبموافقة القانون.
وأخيرا، لم يتوقف الابتكار المالي الإيراني عند الأساليب التقليدية؛ إذ كشف الموقع العبري عن استغلال طهران لبنية تحتية تكنولوجية واسعة النطاق في قطاع العملات المشفرة، بما يشمل عمليات تعدين عملة "البيتكوين" (Bitcoin) محليا باستخدام الطاقة الرخيصة، والاعتماد المكثف على العملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالدولار مثل عملة "تيثر" (USDT). 
وتسخر هذه العملات المشفرة لدفع مستحقات الموردين الأجانب وشراء المعدات الحساسة، متجاوزة بذلك بالكامل نظام "سويفت" (SWIFT) العالمي للمقاصة الدولية، مما يمنح طهران شريان حياة مالي مستدام يبقي اقتصادها العسكري على قيد الحياة رغم التهديدات.

شارك