أزمة دبلوماسية بين موريتانيا ومالي وسط اتهامات بدعم الجماعات المسلحة في الساحل
السبت 23/مايو/2026 - 10:55 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
تشهد العلاقات بين موريتانيا ومالي تصعيداً متزايداً على خلفية التوترات الأمنية المتفاقمة في منطقة الساحل، في وقت تواجه فيه مالي تحديات ميدانية متصاعدة مع الجماعات المسلحة والانفصاليين شمال البلاد، وأعادت التطورات الأخيرة فتح ملف الخلافات الحدودية والانتهاكات الأمنية بين البلدين، بعدما تحولت الأزمة من نطاق أمني محدود إلى أزمة سياسية ودبلوماسية مفتوحة تهدد بتعقيد المشهد الإقليمي في غرب أفريقيا.
وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية وتصريحات رسمية، فقد استدعت موريتانيا سفير مالي لدى نواكشوط، باكاري دومبيا، احتجاجاً على ما وصفته بـ"انتهاك حرمة" سفارتها في العاصمة المالية باماكو، وسط تصاعد التحركات الشعبية المعادية لموريتانيا داخل مالي.
موريتانيا تحتج على انتهاكات قرب سفارتها في باماكو
أكدت وزارة الخارجية الموريتانية أن الوزير محمد سالم ولد مرزوك أبلغ السفير المالي احتجاجاً شديد اللهجة، مشدداً على أن حماية البعثة الدبلوماسية الموريتانية وطاقمها والمواطنين الموريتانيين داخل مالي مسؤولية تقع على عاتق السلطات المالية وفق القوانين والأعراف الدولية.
وطالبت نواكشوط الحكومة المالية باتخاذ إجراءات عاجلة لمنع تكرار ما حدث قرب السفارة، بعدما شهد محيطها تجمعات ووقفات احتجاجية حملت شعارات معادية لموريتانيا، في مؤشر على ارتفاع مستوى الاحتقان الشعبي والسياسي بين البلدين.
وجاءت هذه التحركات بعد انتشار اتهامات داخل مالي تتحدث عن تساهل موريتانيا مع عبور عناصر مسلحة عبر الحدود المشتركة، وهي اتهامات ترفضها نواكشوط وتعتبرها محاولة لتحميلها مسؤولية التدهور الأمني الذي تعانيه مالي منذ سنوات.
احتجاجات في باماكو وتهديدات للمصالح الموريتانية
شهدت العاصمة المالية باماكو وقفة احتجاجية نظمها ناشطون موالون للمجلس العسكري الحاكم بقيادة الجنرال عاصمي جويتا، أمام مبنى السفارة الموريتانية، بدعوة من حراك يعرف باسم "تجمع خمس سنوات وأكثر"، المؤيد لاستمرار الحكم العسكري.
ورفع المحتجون شعارات تتهم موريتانيا بعدم التعاون الكافي لمنع استهداف خطوط الإمداد المؤدية إلى باماكو، خاصة بعد الهجمات التي تنفذها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة.
كما لوح بعض الناشطين بإجراءات تصعيدية ضد المصالح التجارية الموريتانية داخل مالي، مهددين باستهداف متاجر التجار الموريتانيين رداً على أي هجمات تتعرض لها شاحنات نقل البضائع والمؤن المتجهة إلى العاصمة المالية.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس تصاعد الخطاب القومي داخل مالي، ومحاولة المجلس العسكري توجيه الغضب الشعبي نحو أطراف خارجية في ظل استمرار التدهور الأمني والاقتصادي.
الحدود المشتركة تعيد الخلافات الأمنية إلى الواجهة
أعادت الأزمة الحالية ملف الانتهاكات الأمنية قرب الحدود الموريتانية المالية إلى الواجهة، خصوصاً مع تكرار اتهامات موريتانية للجيش المالي وحلفائه الروس بتنفيذ عمليات داخل المناطق الحدودية أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين موريتانيين.
وكانت أزمة مشابهة قد اندلعت في أبريل 2024 بعد اتهامات بتوغلات نفذتها قوات الجيش المالي وعناصر مجموعة فاغنر الروسية داخل مناطق حدودية موريتانية، ما دفع نواكشوط حينها إلى تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد.
ووفقاً لما نقلته صحيفة "لوموند" الفرنسية استناداً إلى بيانات منظمة "ACLED"، فإن ما لا يقل عن 43 مدنياً موريتانياً قتلوا منذ عام 2022 في حوادث نُسبت إلى القوات المالية وحلفائها الروس، شملت عمليات إطلاق نار واعتقالات وتدمير ممتلكات قرب الحدود.
كما تحدثت تقارير حقوقية عن انتهاكات واسعة ارتكبتها القوات المالية ومجموعة فاغنر ضد المدنيين داخل مالي، تضمنت إعدامات واعتقالات تعسفية وإخفاءات قسرية، الأمر الذي تسبب في زيادة أعداد اللاجئين الفارين نحو الأراضي الموريتانية.
غارات على كيدال وتصعيد عسكري شمال مالي
بالتزامن مع الأزمة الدبلوماسية، واصل الجيش المالي عملياته العسكرية شمال البلاد، حيث نفذ غارات جوية على مدينة كيدال باستخدام مقاتلات من طراز "ميغ"، وفق مصادر محلية.
واستهدفت الضربات عدة مواقع داخل المدينة، بينها مبنى "بيت الشباب" وفندق كان يُستخدم سابقاً مقراً للشرطة، إضافة إلى مقر الولاية ومعسكر بعثة الأمم المتحدة السابقة في مالي.
وأثارت الغارات حالة من التوتر بين السكان، في وقت لم تعلن فيه السلطات المالية حصيلة رسمية للخسائر البشرية أو الأضرار الناتجة عن القصف.
وفي السياق نفسه، أعلن "فيلق أفريقيا" الروسي أن قواته نفذت بالتعاون مع الجيش المالي غارة جوية على ما وصفه بـ"قاعدة إرهابية" في منطقة كوليكورو، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة في عدة مناطق من البلاد.
الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد
ويرى المراقبون أن التوتر المتصاعد بين موريتانيا ومالي يعكس هشاشة الوضع الأمني والسياسي في منطقة الساحل، خاصة مع فشل السلطات المالية حتى الآن في احتواء نفوذ الجماعات المسلحة رغم الدعم الروسي المتزايد.
ويشير المراقبون إلى أن انتقال الأزمة من الاشتباكات الحدودية إلى الاحتجاجات أمام السفارات والتهديدات الاقتصادية يمثل تحولاً خطيراً قد يؤثر على العلاقات الثنائية وحركة التجارة واللاجئين بين البلدين.
كما يحذر محللون من أن استمرار التصعيد السياسي والعسكري، بالتزامن مع توسع عمليات الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، قد يدفع منطقة الساحل نحو مرحلة أكثر اضطراباً، خصوصاً في ظل غياب حلول سياسية إقليمية قادرة على معالجة جذور الأزمة الأمنية المتفاقمة في مالي.
