الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.. تصعيد يهدد أمن الطاقة ويعيد تشكيل الشرق الأوسط
السبت 23/مايو/2026 - 12:27 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر مراحل التصعيد العسكري والسياسي في تاريخها الحديث، مع اتساع دائرة المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في صراع امتدت تداعياته من البرنامج النووي الإيراني إلى أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
ويأتي هذا التصعيد في ظل تزايد المخاوف العالمية من انهيار الاستقرار الإقليمي وتهديد إمدادات الطاقة العالمية، خاصة بعد انخراط حلفاء إيران الإقليميين، وفي مقدمتهم الحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان، في المواجهة العسكرية، كما أعادت الحرب فتح ملفات النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، ومستقبل الاتفاق النووي، وحدود التدخل الأمريكي في المنطقة.
وفي هذا السياق، نشر Council on Foreign Relations تقريرًا تحليليًا تناول تطورات الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وانعكاساتها على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية، إلى جانب تأثيرها على مستقبل البرنامج النووي الإيراني ومحور المقاومة المدعوم من طهران.
وبحسب التقرير، بدأت المواجهة الكبرى في 28 فبراير عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات واسعة استهدفت منشآت عسكرية إيرانية وقيادات بارزة في الجمهورية الإسلامية، ما أدى إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، قبل أن يعين مجلس خبراء القيادة نجله مجتبى خامنئي خلفاً له.
وردت إيران عبر استهداف قواعد أمريكية ومنشآت حيوية في المنطقة، إلى جانب إطلاق هجمات ضد إسرائيل، بينما انخرط حلفاء طهران الإقليميون، ومن بينهم الحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان، في التصعيد العسكري ضمن ما يعرف بمحور المقاومة.
الحرب الإقليمية وتداعياتها على الطاقة العالمية
أدى التصعيد العسكري إلى اندلاع حرب إقليمية واسعة أثرت بشكل مباشر على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة العالمية، خاصة بعد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قبل إيران، وهو ما تسبب في اضطرابات كبيرة بأسواق النفط العالمية.
وأشار التقرير إلى أن المواجهات أسفرت عن سقوط أكثر من 1500 قتيل مدني داخل إيران، إضافة إلى نزوح ملايين الأشخاص، فيما قتل عدد من الجنود الأمريكيين خلال الهجمات المتبادلة.
ورغم التوصل إلى هدنة مؤقتة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في أبريل، فإن المفاوضات السياسية لا تزال متعثرة، وسط مخاوف من انهيار وقف إطلاق النار وتجدد المواجهة العسكرية.
جذور البرنامج النووي الإيراني
استعرض التقرير تاريخ البرنامج النووي الإيراني، موضحًا أن طهران بدأت تطويره منذ خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى مشروع ذي أبعاد عسكرية خلال الحرب العراقية الإيرانية.
وفي عام 2002، كشفت جماعات معارضة إيرانية عن منشآت نووية سرية، ما فتح الباب أمام ضغوط دولية وعقوبات قادها مجلس الأمن الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما تناول التقرير الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) الموقع عام 2015، والذي نص على تقييد أنشطة إيران النووية مقابل رفع تدريجي للعقوبات.
إلا أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، معتبرة أن الاتفاق تجاهل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي، ما أعاد التوترات إلى الواجهة.
وكلاء إيران ودور محور المقاومة
أكد التقرير أن النفوذ الإيراني الإقليمي اعتمد بشكل أساسي على شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة المنتشرة في عدة دول، بإشراف ودعم من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
وشمل هذا الدعم حركات وجماعات مثل حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، إضافة إلى ميليشيات شيعية في العراق وسوريا.
ووفق التقرير استخدمت إيران هذه الشبكات لتعزيز نفوذها الإقليمي وممارسة الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تعتبر واشنطن طهران أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم بسبب دعمها المالي والعسكري لتلك الجماعات.
المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل
انتقلت المواجهة بين إيران وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة من حرب غير مباشرة عبر الوكلاء إلى صدام عسكري مباشر، خاصة بعد اندلاع الحرب في غزة عام 2023.
وتبادل الطرفان الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة، فيما شنت إسرائيل عمليات استهدفت قيادات بارزة في حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني.
كما نفذت الولايات المتحدة في يونيو ضربات مباشرة استهدفت مواقع نووية إيرانية في فوردو وأصفهان ونطنز، في أول تدخل عسكري أمريكي مباشر ضد البرنامج النووي الإيراني.
وردت إيران باستهداف قاعدة العديد الأمريكية في قطر، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، رغم استمرار التوترات المتبادلة.
البحر الأحمر والحوثيون في قلب الصراع
سلط التقرير الضوء على الدور المتزايد للحوثيين في الحرب الإقليمية، حيث أطلقت الجماعة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، كما هددت الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وأشار التقرير إلى أن أزمة البحر الأحمر كشفت حدود التدخلات العسكرية الأمريكية قصيرة المدى، إذ لم تنجح العمليات البحرية في إنهاء تهديد الحوثيين بشكل كامل، بل ساهمت في تعزيز صورة الجماعة داخل محور المقاومة.
كما ربط التقرير بين تجربة البحر الأحمر والتصعيد الحالي في مضيق هرمز، معتبرًا أن طهران تسعى لاستغلال الضغوط الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة لتعزيز موقفها التفاوضي والسياسي.
ويرى المراقبون أن الحرب الأخيرة كشفت تحول الصراع بين إيران وإسرائيل من مرحلة المواجهة غير المباشرة إلى صدام إقليمي مفتوح تتداخل فيه ملفات البرنامج النووي وأمن الطاقة والنفوذ الإقليمي.
كما يشيرون إلى أن استمرار النفوذ الإيراني عبر الحلفاء الإقليميين، رغم الضربات العسكرية والاغتيالات، يعكس قدرة طهران على الحفاظ على تماسك بنيتها السياسية والعسكرية.
ويؤكد مراقبون أن أزمات البحر الأحمر ومضيق هرمز أظهرت هشاشة أمن الملاحة والطاقة العالمية، ما يجعل أي تصعيد جديد مرشحًا لإحداث تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
