سؤال الرشد في الفكر الإسلامي: قراءة في كتاب الحاكمية لحاج حمد

الأحد 24/مايو/2026 - 03:07 م
طباعة سؤال الرشد في الفكر حسام الحداد
 
لأنني في حالة مراجعة مستمرة لبعض الكتب التي قرأتها في فترات سابقة، أكتشف فيها في كل مرة ما هو جديد ومدهش، مما يؤكد حاجتنا الملحة لإعادة قراءة هذه الكتب مرة أخرى، واستنطاق مضامينها برؤى متجددة تتجاوز القراءات الأولية.
ومن بين هذه الكتب، يعد كتاب "الحاكمية" للمفكر محمد أبو القاسم حاج حمد علامة فارقة في الدراسات الإسلامية المعاصرة، إذ يمثل محاولة طموحة وجريئة لإعادة قراءة المصطلحات التأسيسية التي هيمنت على الخطاب السياسي والديني في العصر الحديث. لا يكتفي الكتاب بكونه طرحاً فكرياً عابراً، بل يمثل تفكيكاً بنيوياً لمفهوم "الحاكمية" الذي تحول في الفكر الحركي السائد إلى أداة لترسيخ الصدام بين النص والواقع، متجاوزاً بذلك القراءات التسطيحية التي حبست الفكر الإسلامي في قوالب جامدة وأغلقت أبواب الاجتهاد أمام آليات العصر.
تتجلى أهمية هذا التحليل النقدي في كونه يضع الكتاب في سياقه المعرفي والتاريخي الصحيح، مستنطقاً المنهجيات التي اعتمدها المؤلف في إعادة ترتيب فهم الوحي ومقاماته. ومن خلال تفكيك ثنائيات الربوبية والألوهية، يسعى حاج حمد لفتح آفاقٍ جديدة تؤسس لمفهوم "استخلاف الإنسان" كفاعل حضاري مسؤول. تهدف هذه القراءة النقدية إلى إضاءة مكامن القوة في مشروع حاج حمد المعرفي، مع الكشف في الوقت ذاته عن التحديات المنهجية والفجوات التأويلية التي تثير جدلاً واسعاً حول إمكانية التوفيق بين ثبات النص وضرورات الحداثة السياسية.

المقاربة البنيوية والأسلوبية
تتجلى البنية الهيكلية لكتاب "الحاكمية" في نسق حجاجي استدلالي محكم، لا يسعى لعرض الأفكار عرضاً تقريرياً، بل يهدف إلى تفكيك المفهوم الشائع للحاكمية الذي هيمن على الخطاب الإسلامي المعاصر. ينطلق المؤلف من "تصدير" دقيق يؤطر الإشكالية الجوهرية، وهي تلك المواجهة المفتعلة أو القسرية التي وُضعت بين مفهوم "الحاكمية الإلهية" ونظم "الديمقراطية" المعاصرة، محاولاً استكشاف الجذور الفكرية لهذا الصدام (ص. 7).
ينتظم الكتاب في هيكل تصاعدي يعتمد على التدرج المنطقي، حيث ينتقل المؤلف بالقارئ من الإطار النظري إلى التفكيك المفاهيمي. يبدأ الكتاب بفصولٍ ترسم معالم التمييز بين مستويات الربوبية والألوهية، وصولاً إلى استشراف "حاكمية الإنسان" في الأرض. هذا التسلسل المعرفي يهدف إلى إعادة بناء التصورات حول دور الإنسان كخليفة، متجاوزاً الانحباس في ثنائيات قديمة لم تعد قادرة على استيعاب تعقيدات الواقع الحضاري (ص. 5).
على المستوى الأسلوبي، يتسم أسلوب محمد أبو القاسم حاج حمد بالجرأة الفائقة في التعامل مع النص القرآني، حيث يتجاوز القراءات التراثية الموروثة التي حجبت الدلالات العميقة عن السياق المعاصر. يتبنى المؤلف منهجية تُعلي من شأن العقل التحليلي، مؤكداً أن النص القرآني يحتوي في جوهره على "مُعادلات موضوعية" تفسر حركية الوجود، مما يُخرج لغة الكتاب من إطارها البلاغي التزييني المعتاد إلى آفاق المعرفة العلمية الرصينة (ص. 3).
إن هذا التحول في الأسلوب يتزامن مع إعادة صياغة المفاهيم لتتحول من دلالاتها العرفية إلى "مصطلحات" ذات حمولة معرفية تقنية. فالمؤلف لا يستخدم اللغة كوعاء للأفكار فحسب، بل يوظفها كأداة تشريحية للنص، مما يسمح له بتفكيك "الحاكمية" وإعادة تركيبها ضمن مفهوم "الاستخلاف" و"حاكمية الكتاب البشرية"، وهو ما يمنح الخطاب قوة إقناعية تعتمد على الربط الجدلي بين الآية الكونية والآية التشريعية (ص. 5-6).

السياق التاريخي والاجتماعي 
يأتي كتاب "الحاكمية" كاستجابة فكرية عميقة لأزمة الفكر الإسلامي المعاصر، التي اتسمت بالارتباك في توصيف العلاقة الجدلية بين النص الديني والواقع السياسي المتغير. ففي ظل تصاعد الخطاب الذي جعل من "الحاكمية" شعاراً سياسياً صدامياً، يسعى حاج حمد إلى تقديم قراءة نقدية تعيد وضع المفاهيم في سياقها التاريخي الصحيح، متجاوزاً محاولات حصر الإرادة الإلهية في نماذج سياسية ضيقة لا تستوعب التحولات التاريخية (ص. 7).
في مواجهة "أيديولوجيا الحاكمية" التي تبنتها حركات الإسلام السياسي، والتي وضعت الشريعة في حالة تناقض حتمي مع آليات العمل الديمقراطي والبرلماني، يتبنى الكتاب موقفاً تحريرياً. فهو يرى أن هذا الصدام ليس قدرياً، بل هو نتيجة لقراءة قاصرة للنسق القرآني، حيث يتحدى المؤلف هذه الأيديولوجيا عبر تفكيك المرتكزات التي قام عليها خطاب التكفير والرفض للممارسة السياسية البشرية، واصفاً إياها بأنها محاولة للعودة إلى أنماط تشريعية تجاوزها التطور الحضاري (ص. 37).
يستند المؤلف في نقد هذا الخطاب إلى منهجية "التاريخانية" في قراءة النص، مستشهداً بنموذج "بني إسرائيل" كحالة دراسية في التاريخ الديني. يوضح الكتاب أن "الحاكمية التشريعية الإلهية" المباشرة كانت مرتبطة بمرحلة تاريخية خاصة وبمقام "الربوبية"، حيث كان التدخل الإلهي مباشراً ومقترناً بالمعجزات لضبط مسار الجماعة. ومن هذا المنطلق، يخلص المؤلف إلى أن ذلك النمط من الحاكمية كان استثنائياً ومؤقتاً في سياقه الزماني والمكاني (ص. 61).
بناءً على ذلك، يؤكد الكتاب أن الرسالة المحمدية جاءت لتضع حداً لهذا النمط من "الوصاية التشريعية" المباشرة، معلنةً عن عصر "الرشد الإنساني". وبحسب أطروحة حاج حمد، فإن الخاتمية تعني انتقال البشرية إلى مرحلة "حاكمية الإنسان" المستخلف، حيث يُمارس الإنسان دوره التشريعي في إطار القيم الكلية للوحي، دون أن يكون ذلك خروجاً عن الحاكمية الإلهية بل تحقيقاً لغاية الاستخلاف، وهو ما يغير جذرياً طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة (ص. 83).

إرادة المعرفة وتفكيك مركزية النص التراثي
يكشف خطاب محمد أبو القاسم حاج حمد في هذا الكتاب عن "إرادة معرفة" قوية، ترمي إلى إعادة تعريف العلاقة بين الوحي والعقل البشري. إن الهدف الأسمى للمؤلف يكمن في نزع القداسة التي أُحيطت بها القراءات الأصولية والتقليدية للنص، تلك القراءات التي يرى المؤلف أنها مارست نوعاً من "التعطيل" المنهجي للعقل الإنساني في مجال التشريع، مما أدى إلى تجميد الفكر الإسلامي وعزله عن معطيات العصر (ص. 37).
يتمحور بناء النص حول مفهوم "الخاتمية"، ليس باعتبارها نهاية للتشريع الإلهي فحسب، بل بوصفها إيذاناً بـ "رشد الإنسان" ومسؤوليته التاريخية. يجادل حاج حمد بأن الانتقال إلى مرحلة الخاتمية يضع العقل البشري أمام استحقاق التشريع الذاتي في إطار المبادئ الكلية للوحي، مما يجعل الكتاب يمارس نوعاً من "المركزية" حول فكرة تحرير الإرادة الإنسانية من سطوة التفسيرات التراثية التي احتكرت سلطة التأويل لقرون طويلة (ص. 61).
في المقابل، يمارس الخطاب نوعاً من الإقصاء المنهجي للقراءات التقليدية، لا سيما "السلفية" منها، حيث يضعها في خانة "قصور العقل" التاريخي. يرى المؤلف أن هذه القراءات قد حولت النص إلى قيود تمنع الإنسان من ممارسة دوره كخليفة، مؤكداً أن هذا الخطاب التقليدي بات يشكل عائقاً معرفياً يحول دون فهم جوهر الرسالة المحمدية، التي جاءت في نظره لتحرر الإنسان لا لتكبيله بمصطلحات مستوردة من سياقات تاريخية منقضية (ص. 78).
ختاماً، يتوجه الكتاب بخطابه إلى العقل المسلم المعاصر ليتحرر من "تبعية الموروث" الذي أرسى قواعد تضع الخيار التشريعي البشري في مواجهة الإيمان، بل وتصل أحياناً إلى حد وصمه بـ "الكفر". يسعى حاج حمد عبر تفكيك هذه المقولات إلى خلق فضاء معرفي جديد، يستطيع فيه الإنسان المسلم أن يمارس حقه في التأسيس الحضاري والتشريعي دون الشعور بـ "الخطيئة" أو الانفصال عن مرجعيته الدينية الأصيلة (ص. 83).

أفق التأويل ومسؤولية القارئ في سد الثغرات المعرفية
يحتل كتاب "الحاكمية" موقعاً مركزياً في المشهد الفكري المعاصر، إذ يأتي كاستجابة معرفية طموحة تسعى لسد "فجوة" حقيقية في فهم العلاقة الإشكالية بين الوحي كمرجعية عليا والواقع التشريعي المتحرك. إن الأثر الذي يتركه الكتاب يكمن في قدرته على تفكيك حالة "الجمود" الفكري، محاولاً رفع الحرج النفسي والشرعي عن المسلم المعاصر، وإخراجه من دائرة الحيرة تجاه تبني الآليات الديمقراطية، معتبراً إياها أداة تنظيمية لا تتعارض مع جوهر العقيدة (ص. 7).
ينفتح النص على آفاق تأويلية رحبة، لكنه في الوقت ذاته يترك للقارئ فجوات (Gaps) معرفية مقصودة؛ إذ لا يقدم الكتاب وصفة جاهزة أو حلولاً قطعية، بل يضع لبنات منهجية حول كيفية الانتقال من دلالة "النص" إلى "تطبيق الآليات التشريعية" في الواقع. تبرز هذه الفجوات بوضوح عند محاولة إسقاط الأطروحة على مجتمعات لا تزال تعاني من أزمة مرجعية حادة، مما يضع القارئ أمام مسؤولية إكمال المسيرة التحليلية (ص. 115).
إن هذه الفجوات لا تعكس ضعفاً في البناء، بل تُعد "دعوة مفتوحة" للمتلقي للمشاركة الفاعلة في عملية التأويل؛ فالمؤلف يرى أن النص لا يكتمل إلا بتفاعل القارئ مع السياق الحضاري الذي يعيشه. بهذا المعنى، تتحول القراءة من مجرد استهلاك معرفي إلى "ممارسة حضارية"، حيث يُدعى القارئ إلى استنطاق النص واستخراج مضامين قادرة على معالجة قضايا العصر دون السقوط في فخ التقليد الأعمى (ص. 129).
ختاماً، يمكن القول إن كتاب "الحاكمية" يؤسس لمرحلة جديدة في التلقي، حيث يُنظر للوحي كمحفز للنهضة لا كمجرد نصوص جامدة. إن التحدي الحقيقي الذي يطرحه الكتاب أمام القراء هو القدرة على الانتقال من "تلقي الموروث" إلى "تخليق المعرفة"، وهو ما يضع الأمة أمام مسؤوليتها التاريخية لإعادة بناء حضارتها على أسس الجمع بين أصالة النص وفاعلية العقل التشريعي البشري (ص. 145).

جدلية التجديد والمنهج: 
يمثل كتاب "الحاكمية" إضافة معرفية نوعية في المكتبة الإسلامية المعاصرة، إذ يبرز كأطروحة جريئة تسعى لتجاوز ثنائية "التعارض" الصدامي بين الدين والديمقراطية. يرتكز هذا الطرح على استراتيجية معرفية تعتمد على "إعادة قراءة مقام الربوبية" وتفكيكه تمييزاً عن مقام "الألوهية"، مما يفتح مساحة شرعية للإرادة الإنسانية في التشريع، وهو ما يعد قفزة نوعية في محاولة جسر الفجوة بين النص الديني وآليات الحكم المعاصر (ص. 61).
ومع ذلك، لا تخلو هذه الأطروحة من انتقادات جوهرية؛ إذ يرى تيار واسع من النقاد والمفكرين المحافظين أن منهجية حاج حمد تمثل "انزلاقاً" نحو التأويل الحداثي الراديكالي. وتكمن الثغرة المنطقية هنا، من وجهة نظرهم، في أن هذه المقاربة قد تؤدي إلى تفكيك قدسية النص لصالح سيادة "العقل الإنساني"، مما يُعتبر في نظر التيارات التقليدية تقويضاً للأسس التي قامت عليها الشريعة، وتهديداً لمرجعية النص الثابتة (ص. 83).
على الصعيد المنهجي، يواجه الكتاب إشكالية تتعلق بآلية تعامله مع ترتيب النص القرآني؛ حيث يعتمد المؤلف في بنائه المعرفي على إعادة ترتيب "نزول" الآيات وفق منطق تأويلي خاص يخدم أطروحته. هذا الاعتماد الكلي على منطق "إعادة الترتيب" يثير إشكاليات منهجية حادة حول شرعية التعامل مع ثبات النص التاريخي، ويثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا الترتيب الاستنباطي يُضعف من "وحدة النص" التقليدية المتفق عليها (ص. 115).
ختاماً، يظل كتاب "الحاكمية" نصاً سجالياً بامتياز، فهو لا يكتفي بطرح رؤية تجديدية، بل يضع القارئ أمام تناقضات داخلية تفرض مراجعة أدوات البحث في التراث الإسلامي. إن القيمة الحقيقية لهذا النقد التحليلي لا تكمن في قبول أطروحة حاج حمد أو رفضها بالكامل، بل في قدرتها على إثارة حوار فكري نقدي حول حدود المنهج، وإمكانية المزاوجة بين ثوابت العقيدة وضرورات التحديث السياسي (ص. 129).
ختاماً، يظل كتاب "الحاكمية" نصاً سجالياً بامتياز، فهو لا يكتفي بطرح رؤية تجديدية، بل يضع القارئ والباحث أمام تناقضات داخلية تفرض مراجعة جذرية لأدوات البحث في التراث الإسلامي. إن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في التسليم المطلق بأطروحة حاج حمد أو رفضها بالكامل، بل في قدرتها الفائقة على إثارة حوار فكري نقدي حول حدود المنهج، وإمكانية المزاوجة بين ثوابت العقيدة وضرورات التحديث السياسي، مما يجعله وثيقةً أساسية لكل من يسعى لفهم أزمة الفكر الإسلامي المعاصر وتطلعاته نحو نهضة حضارية شاملة.

شارك