محمود الإبياري.. صندوق لندن الأسود

الإثنين 25/مايو/2026 - 09:05 ص
طباعة  محمود الإبياري.. حسام الحداد
 
تضرب جذور محمود الإبياري في التربة المصرية؛ حيث نشأ وتلقى تكوينه الأولي وصيغت قناعاته الفكرية في سياق مشحون بالتحولات السياسية، ليجد نفسه مبكراً في قلب أدبيات جماعة الإخوان المسلمين. ومع انتقاله إلى أوروبا قبل عدة عقود واستقراره في العاصمة النمساوية فيينا، لم يكن مجرد مغترب يبحث عن أفق جديد، بل كان كادراً تنظيمياً يحمل مشروعاً امتدادياً؛ فنال الجنسية النمساوية، وتدرج في صمت داخل البنى التحتية للجاليات الإسلامية هناك، ليتحول مع مرور الوقت من مجرد وجه مهاجر إلى واحد من الرعيل القيادي التاريخي الذي وضع اللبنات الأولى لهيكلة وتوطيد وجود الجماعة في قلب القارة العجوز، وتحديداً بين النمسا وبريطانيا.
الآن، يقيم الإبياري في فيينا كشخصية محورية ومثيرة للجدل، يجمع في هويته المركبة بين خلفيته المصرية الملتزمة بالتنظيم الأم، وولائه الفكري العابر للحدود، وصفته الرسمية كمواطن نمساوي يتحرك في هوامش القوانين الأوروبية. ولم يعد يُنظر إليه في أوساط مراقبي حركات الإسلام السياسي كشخصية عابرة، بل كأحد مراكز الثقل التي تدير شبكات النفوذ المعقدة والمؤسسات الموازية؛ حيث نجح على مدار عقود في الموازنة بين الاندماج الظاهري في المجتمع الغربي وبين الحفاظ على أداء أدوار قيادية وإدارية بالغة الحساسية والأهمية في قمة الهرم التنظيمي للإخوان المسلمين في أوروبا.

 محمود الإبياري..
في التنظيم الدولي للإخوان
لعب محمود الإبياري أدواراً محورية وحرجة داخل هيكلية التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، حيث تولى لسنوات طويلة منصب الأمين العام المساعد للتنظيم. ومن خلال هذا الموقع القيادي الرفيع، لم يكن مجرد كادر إداري، بل تحول إلى أحد العقول المدبرة والمهندسين الأساسيين لشبكة العلاقات الخارجية للجماعة، ومسؤولاً عن تنسيق الرؤى الفكرية والسياسية بين القيادة المركزية والفروع المنتشرة حول العالم.
وقد تمثلت مهمته الأساسية في التموضع كحلقة وصل استراتيجية ومتعددة الأبعاد؛ فمن الناحية الإدارية والمالية والسياسية، قام بالربط بين القيادات التاريخية ومكتب الإرشاد في مصر —قبل التضييقات الأمنية الممتدة التي واجهتها الجماعة هناك— وبين مختلف الفروع والجمعيات والمؤسسات التابعة لها في القارة الأوروبية. هذا الدور منحه نفوذاً واسعاً في توجيه الدعم، وتأمين قنوات التواصل المستمرة، وإدارة الملفات الحساسة بعيداً عن الأعين خلف الكواليس.

النشاط في النمسا وأوروبا
على الساحة النمساوية والأوروبية، برز اسم محمود الإبياري كأحد الأركان المؤسسة والمحركة للعديد من الجمعيات والمراكز الإسلامية في العاصمة فيينا. ولم تكن هذه الأنشطة مجرد جهود محلية معزولة، بل أدرجتها العديد من التقارير الأمنية والدراسات البحثية الغربية المتخصصة في حركات الإسلام السياسي ضمن شبكة الكيانات والواجهات الموازية التي تتبنى فكر جماعة الإخوان المسلمين وتعمل على نشر أطروحاتها، حيث تشير تلك التقارير إلى أن هذه المؤسسات تُستغل لبناء نفوذ فكري واجتماعي تحت غطاء العمل الثقافي والاجتماعي الموجه للجاليات المسلمة.
وفي هذا السياق المؤسسي، أدى الإبياري دوراً قيادياً وتوجيهياً بارزاً في إدارة ملفات "رابطة المجتمع المسلم" في النمسا، وهي إحدى الأذرع الهامة التي تعنى بتمثيل قضايا المسلمين وتنظيم شؤونهم. وقد تركز حضوره بشكل مكثف على المستويين الإغاثي والدعوي؛ إذ تولى تنسيق العمليات التمويلية واللوجستية للحملات الإنسانية والتبرعات، إلى جانب الإشراف على البرامج الدعوية والتربوية، مما جعله صلة الوصل الرئيسية في توجيه وإدارة الموارد والأنشطة بما يخدم تعزيز واستدامة الوجود المؤسسي للجماعة في القارة الأوروبية.

شق "لندن" والصراع الداخلي
عقب الهزات السياسية والأمنية العنيفة التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين بعد عام 2013، شهدت الجماعة حالة غير مسبوقة من التشرذم والانقسامات الداخلية الحادة حول الشرعية والقيادة وإدارة الموارد. وفي خضم هذا الصراع التنظيمي المعقد، انحاز محمود الإبياري بشكل قاطع وحاسم إلى ما عُرف بـ "جبهة لندن"، والتي كانت تحت قيادة القائم بأعمال المرشد العام آنذاك، الراحل إبراهيم منير؛ حيث وظف الإبياري ثقله التنظيمي وخبرته الطويلة في شبكات أوروبا لدعم هذا الشق ومحاولة تثبيت أركانه في مواجهة الانشقاق المقابل.
ولم يقتصر دور الإبياري في هذا النزاع الداخلي على الدعم الصامت، بل تولى أدواراً توجيهية وإعلامية محورية للدفاع عن شرعية "جبهة لندن" ومكتسباتها في مواجهة "جبهة إسطنبول" الشرسة التي كان يتزعمها محمود حسين. فقد عمل خلف الكواليس ومن خلال منصات الجماعة ومؤسساتها التابعة في أوروبا على تفنيد رواية الطرف الآخر، وإقناع القواعد التنظيمية والجاليات المسلمة بأحقية جبهته في تمثيل القيادة التاريخية والرسمية للإخوان، مستغلاً في ذلك شبكة علاقاته الواسعة لضمان استمرار الولاء المالي والسياسي لمركز القرار في العاصمة البريطانية.

الملاحقات والجدل القانوني
تحول محمود الإبياري في السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الأسماء تردداً ومادة دسمة في التقارير الاستخباراتية والأمنية، فضلاً عن التحقيقات الإعلامية في النمسا وعموم القارة الأوروبية. فقد ركزت الأجهزة الأمنية الغربية ومراكز الأبحاث المتخصصة في الإسلام السياسي الضوء على تحركاته ونشاطاته، معتبرة إياه أحد المحركين الرئيسيين لشبكات النفوذ التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، مما جعله في قلب الجدل القانوني والسياسي المحيط بملف "الإسلام السياسي" ومدى تأثيره على الأمن القومي الأوروبي.
وقد بلغت هذه الملاحقات ذروتها في نوفمبر من عام 2020، عندما نفذت السلطات الأمنية النمساوية حملة أمنية وقضائية واسعة النطاق وغير مسبوقة عُرفت باسم "عملية الأقصر" (Operation Luxor). استهدفت هذه العملية مداهمة عشرات المنازل، والمقار السكنية، والمؤسسات التابعة لأشخاص وجمعيات يُشتبه في ارتباطهم الوثيق بجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس الفلسطينية، في محاولة من الحكومة النمساوية لتفكيك ما وصفته بالبنية التحتية والمالية لهذه التنظيمات على أراضيها.
وكان محمود الإبياري أحد الأهداف الرئيسية والشخصيات الأبرز المستهدفة في هذه الحملة؛ حيث اقتحمت قوات الشرطة النمساوية منزله في العاصمة فيينا، وقامت بعمليات تفتيش دقيقة ومطولة. وأسفرت هذه المداهمة عن مصادرة كميات كبيرة من الوثائق والأوراق التنظيمية، بالإضافة إلى حجز أجهزته الإلكترونية وهواتفه المحمولة، في إطار البحث عن أدلة تثبت الشبهات والاتهامات الثقيلة التي وجهت إليه، والتي دارت حول تمويل الإرهاب، وتأسيس وتشكيل تنظيم إجرامي، والقيام بأنشطة تخريبية ومعادية لمؤسسات الدولة النمساوية.
أما على صعيد الوضع الحالي والمآل القانوني، فقد واجهت "عملية الأقصر" ككل انتقادات قانونية وحقوقية لاذعة داخل النمسا، وصدرت أحكام قضائية لاحقة من محاكم النمسا العليا اعتبرت أن العديد من تلك المداهمات لم تستند إلى أدلة كافية أو مبررات قانونية صلبة تدين الأفراد المتهمين بالضلوع في الإرهاب المباشر. وبناءً على ذلك، لم تصدر أي إدانة قضائية نهائية بحق الإبياري تتعلق بالقيام بأعمال عنف أو تمويل مباشر للإرهاب، وهو ما أتاح له الاستمرار في ممارسة حياته الطبيعية داخل النمسا، وإن كان لا يزال يخضع حتى اليوم لرقابة لصيقة ومتابعة دقيقة من الأجهزة الأمنية باعتباره قيادياً فكرياً وتنظيمياً مؤثراً.
في المحصلة، يُمثّل محمود الإبياري النموذج الكلاسيكي لـ "رجل التنظيم" وثقله الدبلوماسي الذي يفضل العمل تحت الرادار؛ فهو ليس خطيباً جماهيرياً يستقطب الحشود، بل عقل إداري من طراز رفيع يتقن المناورة خلف الكواليس لإدارة وتوجيه العلاقات الدولية لجماعة الإخوان المسلمين، وتأمين غطائها المؤسسي في القارة الأوروبية. ورغم العواصف السياسية والملاحقات الأمنية التي وضعت نشاطه تحت مجهر القضاء الأوروبي، إلا أن قدرته على الصمود القانوني والتحرك في المساحات الرمادية داخل النمسا تجعله رقماً صعباً في معادلة الإسلام السياسي في الغرب، وشاهداً حياً على صراع الأجنحة والولاءات داخل تنظيم يصارع للحفاظ على بقائه الإقليمي والدولي.

شارك