قمة أسترالية تعيد حلم «الإقليم الآشوري» إلى الواجهة في العراق
الثلاثاء 26/مايو/2026 - 09:39 ص
طباعة
روبيرالفارس
عاد ملف الآشوريين في العراق إلى دائرة الاهتمام الدولي مجددًا، بعد الإعلان عن استضافة البرلمان الفيدرالي الأسترالي في الأول من يوليو المقبل قمة سياسية رفيعة المستوى بعنوان «مستقبل سهل نينوى»، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة جديدة لإحياء مشروع إقامة إقليم آشوري في مناطقهم التاريخية شمال العراق.
القمة، التي ينظمها المجلس الوطني الآشوري ومنظمة «الآشوريون الشباب»، تأتي وسط تصاعد المخاوف من استمرار تراجع الوجود المسيحي والآشوري في العراق، نتيجة عقود من الحروب والتهجير والتغيرات الديموغرافية، إضافة إلى ما يعتبره أبناء المكون «تهميشًا سياسيًا وثقافيًا» مستمرًا منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
ويشارك في القمة عدد من صناع القرار والأكاديميين وقادة منظمات المجتمع المدني، لبحث مستقبل الوجود الآشوري في سهل نينوى، وسبل تفعيل المادة 125 من الدستور العراقي، التي تنص على ضمان الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة، بما يفتح الباب قانونيًا أمام إنشاء إدارة ذاتية أو إقليم خاص بالآشوريين في مناطقهم التاريخية.
أقدم شعوب المنطقة
يُعد الآشوريون من أقدم شعوب بلاد ما بين النهرين، ويمثلون الامتداد التاريخي للحضارة الآشورية التي قامت في شمال العراق منذ آلاف السنين، واتخذت من نينوى عاصمة لها في أوج قوتها. وينتمي أغلب آشوريي العراق إلى الكنائس السريانية والكنيسة الشرقية القديمة وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، مع احتفاظهم باللغة السريانية بلهجاتها المختلفة بوصفها أحد أبرز عناصر هويتهم القومية.
وعلى مدار القرن العشرين، تعرض الآشوريون لسلسلة من المآسي التاريخية، بدءًا من مذابح الحرب العالمية الأولى، مرورًا بمجزرة سميل عام 1933، وصولًا إلى موجات التهجير التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم كارثة اجتياح تنظيم داعش لمناطق سهل نينوى عام 2014، حين أُفرغت عشرات البلدات المسيحية من سكانها.
تراجع سكاني حاد
تشير تقديرات كنسية وحقوقية إلى أن عدد المسيحيين في العراق كان يتجاوز مليونًا ونصف المليون قبل عام 2003، بينما تراجع العدد اليوم إلى ما بين 300 و500 ألف فقط، يشكل الآشوريون والكلدان والسريان غالبيتهم الكبرى. ويتركز الوجود الآشوري بصورة أساسية في سهل نينوى، وبلدات مثل بغديدا وتلكيف وبرطلة والقوش، إضافة إلى مناطق في دهوك وأربيل.
ويرى ناشطون آشوريون أن استمرار الهجرة يهدد بزوال الوجود التاريخي للمكون، ما لم يتم توفير ضمانات أمنية وإدارية حقيقية تمكن السكان من البقاء في أرضهم.
لماذا سهل نينوى؟
يمثل سهل نينوى أهمية خاصة للآشوريين، ليس فقط باعتباره موطنًا تاريخيًا لهم، بل أيضًا لكونه آخر تجمع ديموغرافي مسيحي متصل نسبيًا في العراق. ولهذا، تزايدت منذ سنوات الدعوات لإقامة إدارة ذاتية أو محافظة خاصة بالمسيحيين والآشوريين في المنطقة، تضمن حماية الهوية الثقافية والدينية، وتمنح السكان قدرة أكبر على إدارة شؤونهم المحلية.
وتطرح القوى الآشورية عدة مبررات لهذا المشروع، أبرزها: اولا حماية الوجود المسيحي من الهجرة والانقراض الديموغرافي. ثانيا تعزيز الأمن المحلي عبر قوات أمن من أبناء المنطقة. ثالثا الحفاظ على اللغة والتراث الآشوري. رابعا وقف التغيير الديموغرافي والصراعات السياسية بين بغداد وأربيل على مناطق سهل نينوى.
عقبات سياسية وأمنية
ورغم أن المادة 125 من الدستور العراقي توفر أساسًا قانونيًا لحماية القوميات، فإن تحويل ذلك إلى إقليم أو إدارة ذاتية يواجه تحديات معقدة، أبرزها: التداخل السياسي والإداري بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان. و الانقسام داخل الأحزاب المسيحية والآشورية نفسها حول شكل الإدارة المطلوبة وضعف الثقل السكاني الحالي نتيجة الهجرة. وايضا المخاوف الأمنية واستمرار نفوذ الفصائل المسلحة في بعض مناطق سهل نينوى. واخيرا الحساسية الإقليمية تجاه أي مشاريع ذات طابع قومي أو انفصالي.
ويرى مراقبون أن فرص إقامة إقليم آشوري كامل الصلاحيات ما تزال محدودة في الظروف الحالية، لكن إمكانية إنشاء إدارة محلية موسعة أو محافظة خاصة تبدو أكثر واقعية إذا توفرت إرادة سياسية عراقية ودعم دولي.
«مواطنون من الدرجة الثانية»
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الوكيل البطريركي للكنيسة الشرقية القديمة مار ياقو دانيال لتعكس حجم الإحباط داخل الأوساط الآشورية، إذ قال إن أبناء المكون المسيحي «يُعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية منذ تأسيس دولة العراق»، مشيرًا إلى استمرار محاولات طمس كل ما يتعلق بالحضارة الآشورية.
وأكد أن الحل يكمن في ترسيخ مفهوم «الوطن للجميع» بعيدًا عن التمييز الديني أو القومي، مع ضمان حقوق جميع المكونات الأصيلة في البلاد.
حماية اللغة والهوية
وفي موازاة الحراك السياسي، أعلنت مؤسسة البرلمان الآشوري تأسيس «لجنة اللغة الآشورية» التابعة للجنة الثقافة والتعليم والشباب، بهدف حماية اللغة الآشورية وتطوير مناهجها وتوحيد معاييرها الأكاديمية.
وتُعد هذه الخطوة جزءًا من معركة أوسع يخوضها الآشوريون للحفاظ على هويتهم الثقافية، في ظل مخاوف من اندثار اللغة السريانية بين الأجيال الجديدة نتيجة الهجرة والاغتراب.
بين الحلم والواقع
ويرى متابعون أن القمة المرتقبة في أستراليا قد لا تؤدي مباشرة إلى إنشاء إقليم آشوري، لكنها تمثل محاولة مهمة لإعادة تدويل القضية الآشورية وتسليط الضوء على أوضاع المسيحيين في العراق، خاصة مع تزايد القلق من تآكل الوجود التاريخي لأحد أقدم شعوب الشرق الأوسط.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الآشوريون تحويل الدعم الدولي والرمزية التاريخية إلى مشروع سياسي قابل للحياة داخل العراق المعقد سياسيًا وديموغرافيًا؟ أم أن حلم «إقليم سهل نينوى» سيظل مؤجلًا بين حسابات الداخل وتشابكات الإقليم؟
