بين قناع "الثقافة" وأجندة "التمكين".. تغلغل تيار الإسلام السياسي في أروقة اتحاد الكُتّاب
السبت 30/مايو/2026 - 09:36 م
طباعة
حسام الحداد
تخوض الساحة الثقافية المصرية اليوم معركة صامتة لا تقل ضراوة عن مواجهاتها الميدانية؛ فهي معركة على "العقل الجمعي" و"الهوية المدنية" للدولة. في قلب هذا الصراع، تقف نقابة اتحاد كُتّاب مصر كرهينة لمحاولات مستمرة من تيارات الإسلام السياسي لإعادة التموضع داخل مؤسسات المجتمع المدني. لم يعد الأمر مقتصرًا على ندوات فكرية تقليدية، بل أصبحنا أمام استراتيجية دقيقة وممنهجة تهدف إلى "أدلجة" الفضاء الثقافي، حيث يتم استبدال البحث العلمي الرصين بالخطاب الدعوي، وتغليف المشاريع السياسية الإقصائية بغطاء من الحرية الفكرية، في تكرارٍ لمشاهد تاريخية سعت فيها هذه التيارات للهيمنة على النقابات المهنية باعتبارها "جسرًا" نحو السلطة المجتمعية والسياسية.
إن التوسع في إقامة ندوات تحت عناوين براقة –تنتقل بسلاسة من "مواجهة الإلحاد" إلى "أدلة وجود الله بين الفلسفة والعلم"– يكشف عن وعيٍ تكتيكيٍ بالقدرة على المناورة داخل المؤسسات العريقة. إن هذه المحاولات ليست مجرد ممارسات لحرية الرأي، بل هي محاولات استباقية لفرض "وصاية معرفية" تهدف إلى تحويل الاتحاد من منارة للتنوير والإبداع الحر إلى منبرٍ لترسيخ الفكر التقليدي الجامد. ومن هنا، تأتي أهمية هذا التحليل لرصد خيوط التغلغل، وكشف "الخلايا النائمة" التي لا تزال تُدار عبر أجندات حركية، تراهن على الوقت والقدرة على التمدد في غفلة من قيم الحداثة التي قامت عليها الدولة المصرية، مستغلةً غطاء المؤسسة لتحقيق أهداف لا تمت للثقافة بصلة.
استراتيجية "التسلل" وتغيير الواجهات
تعتمد حركات الإسلام السياسي في استراتيجيتها للسيطرة على الفضاء العام على "التسلل الناعم" بدلاً من المواجهة المباشرة التي قد تجلب عليها الرفض المجتمعي أو الرقابة القانونية. وتعمل هذه الجماعات عبر ما يمكن تسميته بـ "الخلايا النائمة" داخل المؤسسات الثقافية والنقابية، حيث لا يظهر هؤلاء كعناصر تنظيمية معلنة، بل كـ "مثقفين" أو "أكاديميين" يمارسون نفوذهم تحت غطاء الشرعية النقابية. إنهم يستغلون الثقة الممنوحة لهم في هذه الأطر المهنية لضخ أجنداتهم الأيديولوجية، مستخدمين خطابات تجمع ببراعة بين "المرجعية الدينية" التي تجد صدى في وجدان الجمهور العام، و"الشرعية المؤسسية" التي تمنحهم حصانة ضد النقد؛ مما يجعل من إقامة ندوات مثيرة للجدل داخل نقابة عريقة مثل اتحاد الكُتّاب أداةً مقصودة لإعادة تطبيع هذا الفكر في النسيج الثقافي الوطني.
لم يعد الهدف من هذه الندوات مجرد "نقاش ثقافي" كما يُروج لها، بل تحولت إلى محاولات منهجية لفرض رؤية أحادية تحت مسمى "أسلمة العلم". إن هذه التوجهات لا تهدف إلى البحث العلمي الرصين، بل تسعى لإخضاع العقل والمعرفة للمرجعية العقائدية الجامدة، مما يؤدي إلى تآكل دور الثقافة التنويري. فعندما تُطرح قضايا العلم والفلسفة في إطار يرفض التشكيك والنقد ويستند إلى "الوصاية المعرفية"، فإننا نشهد تغولاً فكرياً يفرغ الفضاءات الثقافية من محتواها المدني، ويحولها من منصات للحوار الحر إلى منابر للدعوة الحركية، وهو ما يمثل تراجعاً خطيراً عن قيم الحداثة التي بُنيت عليها الدولة المصرية الحديثة.
إن المشهد الحالي يعيد للأذهان بوضوح استراتيجيات تيار الإخوان في تسعينيات القرن الماضي، حين استُخدمت الآليات الديمقراطية والعمل النقابي كـ "مطية" للوصول إلى مراكز التأثير وصناعة القرار. لقد عبّر قادة هذا التيار في أدبياتهم وممارساتهم التاريخية عن رؤيتهم للديمقراطية كـ "وسيلة مرحلية" أو "جسر" للعبور نحو الهيمنة الكاملة على مفاصل المجتمع، وليس كقيمة إنسانية أو سياسية في حد ذاتها. وبناءً عليه، فإن استغلال هذه الجماعات لمبدأ "حرية الرأي والتعبير" اليوم داخل أروقة اتحاد الكُتّاب ما هو إلا تكتيك لإعادة التموضع والانتشار، مستغلين مناخ الانفتاح لتقويض أسس الدولة المدنية من داخل مؤسساتها، وهو ما يتطلب يقظة شديدة وفصلاً حاسماً بين ممارسة الحق النقابي وبين السماح بتحويل هذه النقابات إلى أدوات لخدمة مشاريع سياسية تتبنى فكراً إقصائياً يناهض أسس المواطنة.
الثقافة كساحة للمعركة الأيديولوجية
إن التحذيرات التي أطلقها الكاتب سامح فايز وغيره من المثقفين حول ظاهرة "ذيول التنظيم" داخل المؤسسات الثقافية لا ينبغي قراءتها كحالة من التوجس العابر أو المبالغة في تقدير المخاطر، بل هي قراءة فاحصة لمسار تراكمي طويل. فالمشهد الثقافي شهد تكريمات متوالية لشخصيات اتضح لاحقاً أنها جزء لا يتجزأ من النسيج الفكري أو التنظيمي لجماعة الإخوان، أو أنها تتبنى "السرورية" – ذلك الخليط المزيج بين الفكر الحركي المتطرف والأيديولوجيا التكفيرية – مما يؤكد أن وجود هذه العناصر داخل أروقة اتحاد الكُتّاب لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج خطة مدروسة لترسيخ نفوذهم داخل أعرق المؤسسات التنويرية، وتحويلها تدريجياً إلى منصات تعيد إنتاج خطابهم الخاص تحت غطاء التكريم أو التبادل الثقافي.
عندما يتخلى اتحاد الكُتّاب عن دوره كمنارة للإبداع والنقد الحر، فإنه يفقد بوصلته التنويرية التي تأسس من أجلها. إن تحويل قاعات الاتحاد إلى ساحات لتمرير أطروحات عقائدية جامدة لا تقبل النقد ولا تعترف بالتعددية، هو إفراغ متعمد لجوهر الثقافة من معناها الإنساني. فهذا التحول يُحيل الاتحاد إلى "مقر ديني" مغلف بغطاء ثقافي براق؛ حيث تصبح الندوات مجرد "أدوات دعوية" تهدف إلى فرض وصاية فكرية على العقل المصري، بدلاً من الارتقاء به عبر الفلسفة والأدب والعلوم، مما يحول الفضاء الثقافي من ساحة للتنوير إلى مقصلة لكل فكرٍ حر أو صوتٍ يطالب بالتحرر من القيود الأيديولوجية.
إن هذا التغول الأيديولوجي يضرب في مقتل مفهوم "المواطنة" التي تُعد الركيزة الأساسية للدولة الحديثة. فالمواطنة تستوجب بالضرورة الاحتكام للعقل العلمي، والبحث النقدي، وقبول الآخر في إطار من المساواة، بينما يقوم الفكر الإقصائي الذي تُروجه هذه الجماعات على تكريس "عقلية القطيع" وتصنيف المجتمع وفق معايير الولاء والبراء. إن تغليب هذا الطابع على أنشطة نقابة الكُتّاب يعني تحويل الولاء من الوطن والمؤسسة إلى التنظيم والحزبية الضيقة، وهو ما يهدد السلم المجتمعي ويخلق صراعاً بين الهوية المصرية التعددية وبين أيديولوجيات أحادية تحاول فرض سلطتها على وعي المواطن، مما يتطلب استنهاضاً وطنياً لحماية هذه المؤسسات من التآكل الأخلاقي والفكري.
المخاطر المستقبيلة: هل يتحول الاتحاد إلى مسجد كبير؟
إن التحذير من تحويل مقر اتحاد الكُتّاب إلى ما يشبه "المسجد الكبير" ليس عدائاً للدين، بل هو وقفة دفاعية ضرورية لحماية "مدنية الدولة" من محاولات الاختطاف الفكري. إن جوهر الخطر لا يكمن في مناقشة قضايا الإيمان، بل في استغلال هيبة المؤسسات الثقافية لفرض "وصاية دينية" على الفضاء العام، حيث يُستخدم الأكاديميون وواجهاتهم العلمية كغطاء لشرعنة أطروحات إقصائية تهدف في نهايتها إلى إخضاع العقل المصري وتنميط تفكيره.
تمثل المحاولات الرامية لإخضاع الفلسفة والعلوم التجريبية لمرجعية دينية أيديولوجية ضربةً قاصمة لمسيرة التحديث في مصر. فبدلاً من أن تكون نقابة الكُتّاب حاضنةً للبحث العلمي الحر الذي يواكب تطورات العصر، تسعى هذه التيارات لإعادة إنتاج "الوعي التقليدي" الجامد الذي يرفض المساءلة. إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى محاصرة قدرة العقل المصري على التفكير النقدي، وحصره في قوالب معرفية قديمة لا تساير ديناميكيات الحداثة، مما يؤدي بالضرورة إلى انغلاق ثقافي يعزل المجتمع عن آفاق التقدم المعرفي العالمي.
تعد استضافة شخصيات ذات خلفيات أيديولوجية متطرفة داخل منابر نقابية رسمية جزءاً من "عملية غسيل فكري" منظمة. إن منح هؤلاء مساحة للظهور بمظهر "المفكرين المستنيرين" يهدف إلى إضفاء شرعية زائفة على أفكار تناهض في جوهرها الهوية المصرية التعددية وتتجاوز العقيدة الأزهرية الوسطية. هذه "المظلة النقابية" تمنحهم حصانة ضد النقد التاريخي والفكري، وتسمح لهم بالانتشار في أروقة الثقافة دون مواجهة حقيقية، مما يمهد الطريق لتوغلهم في مفاصل الدولة الثقافية تحت ستار الشرعية الرسمية.
تعتمد هذه التيارات الحركية على تكتيك "الإرهاب الفكري" كأداة لإسكات أي صوت مخالف؛ حيث يتم وصم كل من يعترض على تحويل النقابة إلى منبر أيديولوجي بـ "العلماني المعادي للدين" أو "المتعصب". هذه الدائرة المفرغة من التخوين والاتهام تخلق مناخاً من الترهيب يُجبر المثقفين على الصمت أو التراجع. إن الغاية النهائية من هذا التكتيك هي غلق باب الحوار الحر بالكامل، وتحويل النقابة من "بيت للكُتّاب" يجمع مختلف التيارات، إلى ساحة أحادية الصوت تفرض أجندتها عبر التخويف، مما يُفقد المؤسسة قيمتها الديمقراطية ويُنهي دورها كفضاء للحوار الإنساني الراقي.
ختاماً، إن الدفاع عن اتحاد الكُتّاب ليس مجرد دفاع عن مبنى أو كيان نقابي، بل هو دفاع عن "جوهر الدولة المصرية" في مواجهة محاولات انكماشها الثقافي. إن استعادة الدور التنويري للاتحاد تبدأ بوقفة شجاعة تفصل بين ممارسة الحقوق الديمقراطية وبين السماح للجماعات الحركية باستغلال هذه الحقوق لتقويض أسس المواطنة. على قيادة الاتحاد أن تدرك أن صمتها أمام اختراق "الذيول الأيديولوجية" لأروقتها ليس حياداً، بل هو تواطؤ يضع المؤسسة في مواجهة تاريخها كمنارة للفكر الحر. إن المطلوب اليوم ليس إغلاق الأبواب، بل تحصينها بالعقل النقدي، واليقظة تجاه كل من يحاول تحويل "الأمانة" الثقافية إلى "غنيمة" حزبية، فالثقافة التي لا تعلي من شأن العلم والحرية كمعايير وحيدة للحقيقة، ليست سوى قشرة زائفة تخفي خلفها مشروعاً انغلاقياً لن يورث المجتمع إلا المزيد من التخلف والتشظي.
