من شاطئ ليبيا إلى ذاكرة العالم.. لماذا استحضر ترامب شهداء الأقباط علي يد داعش؟

الثلاثاء 02/يونيو/2026 - 11:14 ص
طباعة من شاطئ ليبيا إلى روبيرالفارس
 


حين خصّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأقباط برسالة بمناسبة "اليوم القبطي العالمي"،المواكب ذكري دخول العائلة المقدسة لمصر لم يفتْه أن يستحضر واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا وإشراقًا في التاريخ المسيحي المعاصر؛ صفحة شهداء ليبيا الـ21 الذين أعدمهم تنظيم داعش الإرهابي على أحد شواطئ البحر المتوسط عام 2015.

ولم يكن ذكر ترامب لهؤلاء الشهداء مجرد استدعاء لحادثة مأساوية، بل اعترافًا بمكانة روحية وإنسانية تجاوزت حدود مصر والكنيسة القبطية الأرثوذكسية لتصبح جزءًا من الذاكرة المسيحية والعالمية المعاصرة.

جريمة هزّت العالم

في مطلع عام 2015 بث تنظيم داعش تسجيلًا مصورًا يظهر اختطاف وإعدام 21 عاملًا مسيحيًا، معظمهم من الأقباط المصريين الذين كانوا يعملون في ليبيا بحثًا عن لقمة العيش. وفي 15 فبراير 2015 ظهر الشهداء مرتدين الزي البرتقالي على شاطئ مدينة سرت الليبية قبل أن يتم ذبحهم على يد عناصر التنظيم.

المشهد الصادم أثار موجة استنكار دولية واسعة، لكن ما لفت أنظار العالم لم يكن وحشية الجريمة فقط، بل الثبات الإيماني الذي أظهره الضحايا في لحظاتهم الأخيرة، حيث وثقت التسجيلات ترديدهم اسم السيد المسيح قبل استشهادهم.

وسرعان ما تحولت قرية العور  في سمالوط بمحافظة المنيا، التي ينتمي إليها معظم الشهداء، إلى مقصد للحجاج والزائرين، بينما شُيدت لاحقًا كنيسة ضخمة حملت اسم "كنيسة شهداء الإيمان والوطن" تخليدًا لذكراهم.

تكريم استثنائي من الفاتيكان

ظلت مكانة شهداء ليبيا تتسع عامًا بعد عام إلى أن جاء الحدث الأبرز في عام 2023 عندما قرر البابا فرنسيس إدراج أسماء شهداء ليبيا الأقباط في "السنكسار الروماني"، وهو السجل الرسمي لشهداء وقديسي الكنيسة الكاثوليكية.

وشكل القرار سابقة تاريخية في العلاقات بين الكنيستين الكاثوليكية والقبطية الأرثوذكسية، إذ أصبحت شهادة هؤلاء الشهداء معترفًا بها رسميًا في الكنيسة الكاثوليكية العالمية، رغم انتمائهم إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

ورأى مراقبون أن الخطوة حملت رسالة مسكونية عميقة مفادها أن دماء الشهداء أصبحت جسرًا للوحدة بين الكنائس أكثر مما فعلته عقود طويلة من الحوارات اللاهوتية.

مناهج دراسية في اليونان

ولم يتوقف تكريم الشهداء عند الأوساط الكنسية، بل امتد إلى المجال التعليمي والثقافي. فقد قررت السلطات التعليمية في اليونان إدراج قصة شهداء ليبيا ضمن بعض المناهج والمواد التعليمية الخاصة بالتربية الدينية، باعتبارها نموذجًا معاصرًا للشهادة والإيمان والثبات أمام الاضطهاد.

واعتبرت المؤسسات التعليمية اليونانية أن ما حدث للشهداء يمثل حدثًا تاريخيًا ودينيًا مهمًا في القرن الحادي والعشرين، ويجسد قيم التضحية والتمسك بالمعتقد الديني في مواجهة العنف والتطرف.

 شهداء تجاوزوا الحدود

ما يميز شهداء ليبيا أنهم لم يبقوا مجرد ذكرى محلية تخص الكنيسة القبطية أو المجتمع المصري، بل تحولوا إلى رمز عالمي للمسيحيين المضطهدين في العصر الحديث.

فقد تناولت قصتهم عشرات الكتب والأفلام الوثائقية والدراسات الأكاديمية، كما أقيمت لهم أيقونات وتماثيل ونُصبت لهم تذكارات في دول مختلفة، وأصبحت صورهم حاضرة في العديد من الكنائس حول العالم.

وفي عام 2023 اكتسبت قصتهم بعدًا جديدًا بعد اكتشاف رفاتهم كاملة في ليبيا ونقلها إلى مصر، حيث استقبلت باحتفالات دينية وشعبية واسعة، في مشهد أعاد إلى الواجهة ذكريات الجريمة التي هزت العالم قبل سنوات.

 لماذا ذكرهم ترامب؟

يحمل استدعاء ترامب لذكرى شهداء ليبيا في اليوم القبطي العالمي دلالة تتجاوز المجاملة البروتوكولية. فهؤلاء الشهداء أصبحوا بالنسبة لكثير من الأمريكيين والغربيين رمزًا لمعاناة المسيحيين في الشرق الأوسط وللثمن الذي دفعته الأقليات الدينية في مواجهة الإرهاب.

كما أن قصتهم تمثل إحدى أكثر الوقائع التي رسخت في الوعي العالمي صورة الأقباط باعتبارهم من أقدم الجماعات المسيحية في العالم وأكثرها تعرضًا للاضطهاد عبر التاريخ.

وبعد أكثر من عقد على استشهادهم، يبدو أن عمالًا بسطاء خرجوا من قرى صعيد مصر بحثًا عن العمل عادوا ليحتلوا مكانة استثنائية في الذاكرة الإنسانية، حتى باتت أسماؤهم تُذكر في الفاتيكان، وتُدرّس في مدارس اليونان، ويستحضرهم رئيس الولايات المتحدة في رسائله الرسمية، بوصفهم رمزًا للإيمان والثبات في وجه الإرهاب.

شارك