صناعة الوهم المقدّس: قراءة تفكيكية في أساليب تدوير الهزيمة بإعلام داعش
الأحد 14/يونيو/2026 - 12:41 م
طباعة
حسام الحداد
تُمثل الأدبيات الإعلامية الصادرة عن التنظيمات الراديكالية العنيفة، ولا سيما المقالات الافتتاحية لصحيفة "النبأ" الناطقة باسم تنظيم داعش، مادة خصبة للتحليل التفكيكي ومراقبة التطور البنيوي للخطاب المتطرف في لحظات انكساره الميداني. ولا يخرج المقال الافتتاحي للعدد (551) الصادر مساء الخميس 11 يونيو 2026، عن هذه القاعدة؛ إذ يشكل نموذجاً كلاسيكياً متقدماً لتوظيف النص القرآني المعتبر والنقولات التراثية الشكلية، وحشرها في سياق حركي ضيق لخدمة أهداف براجماتية تعبوية. إن الخطورة الكامنة في هذا النوع من النصوص لا تقف عند حدود الشحن الأيديولوجي السطحي، بل تمتد لتلمس هندسة نفسية وسلوكية بالغة التعقيد، تسعى إلى صياغة عقلية انتحارية مغلقة قادرة على تقبل الهزائم المتلاحقة وتحويلها في الوعي الجمعي للأتباع إلى مكاسب دينية مقدسة.
وتكمن أهمية تفكيك هذا الخطاب في رصد آليات "الدفاع النفسي" التي يلوذ بها التنظيم لإدارة أزماته اللوجستية والتنظيمية المتفاقمة، حيث يبذل النص جهداً لغوياً وبلاغياً استثنائياً لفك الارتباط بين "صوابية المنهج" و"تحقق النصر المادي". ومن خلال استدعاء صراعات الفجر الإسلامي الأول ومواجهاته الصفرية مع مشركي مكة، يعمد كاتب المقال إلى بناء سردية "المظلومية والتمحيص" لامتصاص صدمة خسارة الأرض وتراجع السيطرة الجغرافية. وبذلك، يتجاوز المقال وظيفته الإخبارية أو التوجيهية التقليدية ليتسرب كأداة سيكولوجية مصممة بعناية لقطع الطريق أمام أي مراجعات فكرية أو تساؤلات نقدية قد تعصف بما تبقى من تماسك القواعد المقاتلة، مما يجعل من قراءته وتعرية مسكوته عنه ضرورة أمنية ومعرفية ملحة.
تفكيك البنية الفكرية والأيديولوجية
تتمحور العقيدة الاتصالية في خطابات التنظيمات الراديكالية حول نزع النصوص الدينية والوقائع التاريخية من سياقاتها الزمنية والسببية، وإعادة إسقاطها قسرياً على واقع حركي معاصر؛ وهو ما يتجلى بوضوح في هذه الافتتاحية عبر آلية "الدمج الرمزي". يعمد كاتب المقال إلى سحب خطوط المواجهة والمعادلات الصفرية التي شهدها عهد النبوة المبكر في مكة، ليجعل من واقع التنظيم الحالي مرادفاً كاملاً وامتداداً حتمياً لتلك الحقبة المعصومة. هذا التماهي المتعمد لا يقف عند حدود التشبيه، بل يسعى إلى إقناع المتلقي بأن المعارك الميدانية المعاصرة للتنظيم وخسائره المتلاحقة ليست نتيجة حسابات عسكرية خاطئة أو انحرافات مسلكية، وإنما هي ذاتها "المحن" والابتلاءات التاريخية التي واجهها الرعيل الأول، مما يمنح سلوكيات التنظيم الحالية غطاءً قدسياً يرفعها فوق مستوى النقد والتقييم البشري.
في محاولة لشرعنة التراجع الميداني وإدارة الأزمة الداخلية، يمارس النص عملية "احتجاز واحتكار" للدلالات القرآنية؛ إذ يستهل الكاتب المقال بجهد إحصائي لافت لصيغ الأمر الإلهي بالصبر الموجهة للنبي ﷺ مثل {فَاصْبِرْ} و{وَاصْبِرْ}. إن الهدف المبطن من هذا الشحن التفسيري هو الإيحاء للقارئ بأن قيادة التنظيم وعناصره هم الورثة الحصريون والوحيدون للخطاب النبوي في هذا العصر. وعبر تحويل "الصبر" من فضيلة إيمانية عامة إلى واجب تنظيمي حركي، يتم استخدام النص القرآني كأداة تخدير موضعي لامتصاص الصدمات الناتجة عن الهزائم الحية، وتأطير الفشل العسكري المتراكم بوصفه محطة "تمحيص" إلهية لا بد منها، مما يحول التراجع الميداني في أعين الأتباع من مؤشر على قرب الانهيار إلى دليل على صدق المسيرة.
لضمان التبعية المطلقة ومنع أي اختراق فكري قد يهدد تماسك القواعد، يستند الخطاب الأيديولوجي في المقال إلى هندسة تقسيمية صارمة للعالم تُعرف بثنائية "الفسطاطين" أو "الإيمان المطلق في مواجهة الجاهلية المطلقة". يُصنف النص البشرية بحدة إلى معسكرين لا ثالث لهما: فسطاط "أهل اليقين" الذي يحتكره التنظيم لنفسه ولأتباعه، وفي المقابل فسطاط كوني شاسع يضم بقية المجتمعات والحكومات والمخالفين، والذين نُعتوا بألفاظ إقصائية حادة مثل "الجاهلية الآسنة"، "المرتابين"، و"فقراء اليقين". إن هذا التقسيم الحدي لا يستهدف الخصوم الخارجيين فحسب، بل يمثل آلية دفاعية موجهة لداخل التنظيم؛ حيث يسعى إلى شلّ ملكة التفكير النقدي لدى الأفراد تماماً، ووضعهم أمام خيارين وجوديين: إما التسليم الأعمى والمطلق لكل أطروحات وقيادات التنظيم بوصفه المعبّر الوحيد عن الحق، أو السقوط الفوري في مستنقع الردة والنفاق بمجرد إبداء أي تساؤل أو مراجعة عقلانية.
صناعة الهزيمة كابتلاء
تتمحور العقيدة الاتصالية في خطابات التنظيمات الراديكالية حول نزع النصوص الدينية والوقائع التاريخية من سياقاتها الزمنية والسببية، وإعادة إسقاطها قسرياً على واقع حركي معاصر؛ وهو ما يتجلى بوضوح في هذه الافتتاحية عبر آلية "الدمج الرمزي". يعمد كاتب المقال إلى سحب خطوط المواجهة والمعادلات الصفرية التي شهدها عهد النبوة المبكر في مكة، ليجعل من واقع التنظيم الحالي مرادفاً كاملاً وامتداداً حتمياً لتلك الحقبة المعصومة. هذا التماهي المتعمد لا يقف عند حدود التشبيه، بل يسعى إلى إقناع المتلقي بأن المعارك الميدانية المعاصرة للتنظيم وخسائره المتلاحقة ليست نتيجة حسابات عسكرية خاطئة أو انحرافات مسلكية، وإنما هي ذاتها "المحن" والابتلاءات التاريخية التي واجهها الرعيل الأول، مما يمنح سلوكيات التنظيم الحالية غطاءً قدسياً يرفعها فوق مستوى النقد والتقييم البشري.
في محاولة لشرعنة التراجع الميداني وإدارة الأزمة الداخلية، يمارس النص عملية "احتجاز واحتكار" للدلالات القرآنية؛ إذ يستهل الكاتب المقال بجهد إحصائي لافت لصيغ الأمر الإلهي بالصبر الموجهة للنبي ﷺ مثل {فَاصْبِرْ} و{وَاصْبِرْ}. إن الهدف المبطن من هذا الشحن التفسيري هو الإيحاء للقارئ بأن قيادة التنظيم وعناصره هم الورثة الحصريون والوحيدون للخطاب النبوي في هذا العصر. وعبر تحويل "الصبر" من فضيلة إيمانية عامة إلى واجب تنظيمي حركي، يتم استخدام النص القرآني كأداة تخدير موضعي لامتصاص الصدمات الناتجة عن الهزائم الحية، وتأطير الفشل العسكري المتراكم بوصفه محطة "تمحيص" إلهية لا بد منها، مما يحول التراجع الميداني في أعين الأتباع من مؤشر على قرب الانهيار إلى دليل على صدق المسيرة.
لضمان التبعية المطلقة ومنع أي اختراق فكري قد يهدد تماسك القواعد، يستند الخطاب الأيديولوجي في المقال إلى هندسة تقسيمية صارمة للعالم تُعرف بثنائية "الفسطاطين" أو "الإيمان المطلق في مواجهة الجاهلية المطلقة". يُصنف النص البشرية بحدة إلى معسكرين لا ثالث لهما: فسطاط "أهل اليقين" الذي يحتكره التنظيم لنفسه ولأتباعه، وفي المقابل فسطاط كوني شاسع يضم بقية المجتمعات والحكومات والمخالفين، والذين نُعتوا بألفاظ إقصائية حادة مثل "الجاهلية الآسنة"، "المرتابين"، و"فقراء اليقين". إن هذا التقسيم الحدي لا يستهدف الخصوم الخارجيين فحسب، بل يمثل آلية دفاعية موجهة لداخل التنظيم؛ حيث يسعى إلى شلّ ملكة التفكير النقدي لدى الأفراد تماماً، ووضعهم أمام خيارين وجوديين: إما التسليم الأعمى والمطلق لكل أطروحات وقيادات التنظيم بوصفه المعبّر الوحيد عن الحق، أو السقوط الفوري في مستنقع الردة والنفاق بمجرد إبداء أي تساؤل أو مراجعة عقلانية.
تفكيك المفاهيم الشرعية المشوهة
يتعمد النص ممارسة عملية "انتقاء مشوه" للمفاهيم الإسلامية الكبرى وإفراغها من مقاصدها الإنسانية والتشريعية العليا، ويبرز ذلك جلياً في إعادة تعريفه لمفهوم "اليقين". فبينما يستقر اليقين في الأدبيات الإسلامية الراسخة كحالة قلية عليا تثمر الطمأنينة النفسية، والعدل، والسعي في عمارة الأرض وحفظ النفوس، يختزله النص ببراعة ليحوله إلى مجرد محرك سيكولوجي للمخاطرة العسكرية غير المحسوبة؛ حيث يعرّفه صراحة بأنه "هو الذي يدفع المجاهد إلى الانغماس في صفوف عدوه واقتحام الأخطار". هذا التشويه البنيوي للمفهوم يهدف إلى تجريد المقاتل من غريزة البقاء والخوف الطبيعي، وتحويل العقيدة الإيمانية السامية إلى مجرد "آلية شحن" لوجستية تبرر العمليات الانتحارية (الانغماسية)، ومسوغاً شرعياً لإلقاء النفس في التهلكة دون أدنى اعتبار للمآلات السياسية أو العسكرية.
في موازاة ذلك، يُقحم النص مفهوم "الحاكمية" مستدعياً إياه خارج سياقه التشريعي الأشمل، ليكون أداة سياسية حادة لضرب شرعية الدساتير، والحكومات، والمؤسسات المعاصرة برمتها، واصفاً إياها بـ "الجاهلية الآسنة". إن هذا التوظيف الأيديولوجي يسعى إلى خلق حالة من "العزلة الشعورية" والمفاصلة الكاملة بين مجندي التنظيم ومجتمعاتهم؛ إذ لا يكتفي النص بتكفير الأنظمة السياسية، بل يمتد ليجعل من رفض هذه الدساتير معياراً وحيداً للإيمان ومبرراً مستباحاً لشن العمليات الإرهابية ضد المجتمعات التي لا تتبنى رؤيته المتطرفة. وعبر هذا التأصيل الفكري المشوه، يُلغى التنظيم أي مساحة للتعايش أو الاعتراف بالقوانين المنظمة للحياة الحديثة، محولاً العالم إلى ساحة صراع مستمر لا تنتهي إلا بالإخضاع التام لفكر التنظيم.
لم يقف تشويه المفاهيم عند حدود المصطلحات الكلية، بل امتد إلى تطويع النقولات التراثية وكلمات أئمة التفسير والسلوك (كأقوال الطبري، وابن القيم، وابن كثير) وإخراجها من سياقها التزكوي أو الفقهي لخدمة غايات حركية بحتة. فعندما يستشهد النص بعبارة ابن القيم حول تفاضل العارفين باليقين، أو يربط بين الصبر واليقين لنيل "الإمامة في الدين"، فإنه يعيد توجيه هذه المعاني الروحية والأخلاقية السامية لخدمة نموذج "المقاتل المطيع" والكيان المسلح الباغي. إن هذه الإستراتيجية الإعلامية تعد أخطر أدوات التنظيم التضليلية، كونها تعمد إلى تلبيس المفاهيم الحركية العنيفة ثوباً سلفياً تراثياً يخدع القارئ العادي، ويوهمه بأن الانضواء تحت راية التنظيم والقيام بعملياته التدميرية هو التطبيق العملي الوحيد والأكمل لجوهر الدين ومقاصده.
التحليل الأسلوبي واللغوي
يتكئ النص في بنية صياغته على لغة جزلة قوية تمتح مفرداتها وأساليبها مباشرة من التراث الإسلامي الكلاسيكي، مستدعياً قامات تفسيرية وفقهية وازنة مثل الطبري، والقرطبي، وابن كثير، وابن القيم. إن هذا الإقحام المكثف للاقتباسات التراثية لا يستهدف الشرح الفقهي بقدر ما يمثل إستراتيجية بلاغية تهدف إلى إضفاء "مشروعية علمية وتاريخية مزيفة" على الخطاب الحركي للتنظيم. ومن خلال هذا الغلاف التفسيري السميك، يقع القارئ العادي أو المتعاطف في فخ الانخداع الفكري؛ حيث يتوهم أن النص يمثل امتداداً طبيعياً لمدارس الفقه الإسلامي المعتبرة، في حين أن التوظيف النهائي والمسار الإقناعي لهذه الأقوال يُلوي عنقه عمداً ليصب في صالح كيان مسلح يمارس البغي، مبرراً تدمير المجتمعات وسفك الدماء بغطاء تراثي مستلب.
ينتقل النص في خواتيمه من الصياغة التقريرية العامة وسرد الآيات، إلى نمط اتصالي مغاير يعتمد على "الخطاب الفردي المباشر والشاحن"، والذي يتجلى في ندائه الحار: "وأنت أيها المجاهد السائر على درب نبيك: اصبر...". يُمثل هذا التحول الأسلوبي أداة تعبوية بالغة الخطورة، تقوم على استثارة العاطفة الدينية الجياشة وربط الفرد -نفسياً- برمزية نبوية معصومة بشكل مباشر عبر بوابة التنظيم. هذا التجييش العاطفي المصمم بدقة يسعى إلى عزل المقاتل أو المتلقي عن واقعه العقلي والمنطقي، وإلغاء أي تساؤلات موضوعية قد تثور في ذهنه حول عبثية المعركة أو انحراف الممارسة الميدانية، مما يضمن في النهاية استمرارية ولائه المطلق وطاعته العمياء للقيادة تحت وطأة الشحن الوجداني.
تظهر الهندسة اللغوية للمقال قدرة واضحة على التلاعب بالدلالات والألفاظ لإدارة الأزمات الداخلية وهيكلة التبرير؛ فالنص يتفادى استخدام الكلمات الدالة على الهزيمة أو التراجع العسكري، ويستعيض عنها بمفردات تنتمي إلى حقل "الابتلاء الشرعي" مثل "النوائب"، "المصائب"، و"التمحيص". هذا الانتقاء المعجمي الذكي يعمل كآلية "تخدير لغوي" للقواعد؛ حيث يُعاد تأطير الفشل المادي الملموس بوصفه نجاحاً معنوياً وقرباً من الله. إن دمج الأسلوب الوعظي الحماسي بالصيغ الإنشائية الجازمة يهدف إلى صياغة عقلية جمعية داخل التنظيم تترفع عن تقييم النتائج الدنيوية، وتستعذب الموت تحت مسمى "الانغماس واليقين"، مما يوضح كيف تتحول اللغة في أدبيات هذا التنظيم من وسيلة للبيان إلى أداة للهيمنة الفكرية وتوجيه العنف.
الأثر الإقليمي والعالمي للافتتاحية
لا يمكن قراءة هذا النص بمعزل عن الجغرافيا السياسية والآثار الأمنية الممتدة خارج حدود جيب التنظيم؛ فالافتتاحية تُعد رسالة استراتيجية موجهة لخصوم التنظيم الإقليميين والدوليين بقدر ما هي موجهة لجنوده.
تأكيد البقاء والاستمرارية الهيكلية: يأتي صدور هذا المقال في مجلة دورية منظمة ("النبأ") ليوجه رسالة إلى أجهزة الاستخبارات والتحالفات الدولية بأن التنظيم، ورغم تلقيه ضربات عسكرية قاصمة وخسارته للأرض، ما زال يمتلك جهازاً دعائياً مركزياً قادراً على صياغة الخطاب وتوجيهه، مما يعني "الحفاظ على القيادة والسيطرة" أيديولوجياً.
تصدير الأزمة وإلهام "الذئاب المنفردة": عبر التأكيد على أن معركة "الحاكمية" مستمرة وأن دساتير العالم بأسرها دساتير "جاهلية"، يمنح النص مبرراً شرعياً عابراً للحدود للمتعاطفين معه عالمياً. هذا التعبيد الفكري يسهم في تحفيز الخلايا النائمة والأفراد المعزولين في الدول الغربية والإقليمية لشن هجمات "انغماسية" مستقلة، انطلاقاً من مبدأ "اليقين" الذي عرّفه النص بالاقتحام والمخاطرة.
إعادة تمحيص التحالفات والعداء: يرسخ النص العداء الإقليمي من خلال نزع الشرعية عن الأنظمة السياسية في المنطقة ومؤسساتها الدينية الرسمية (التي تقع ضمن دساتير الجاهلية الآسنة وفق تعبيره)، مما يغلق أي أفق للمصالحات أو التراجعات الفكرية، ويفرض حالة من الصراع الصِفري الدائم في المنطقة.
"المسكوت عنه" في النص
تكمن قوة التحليل النقدي في كشف المساحات المظلمة التي تعمد الكاتب إخفاءها أو تجاوزها، ومن أبرزها:
الاعتراف الصامت بالانهيار اللوجستي والعسكري: حديث الافتتاحية المستفيض عن "النوائب"، "تتابع المصائب"، وحث المقاتلين على ألا يكونوا "فقراء يقين" أو "مرتابين"، هو إقرار غير مباشر بحجم الانشقاقات الداخلية، وحالات الفرار، والتساؤلات الوجودية التي يطرحها العناصر حول جدوى المعركة وجدارة القيادة بعد الهزائم المتلاحقة.
غياب "التمكين" كواقع ملموس: بعد سنوات من صياغة خطاب قائم على "خلافة الأرض" والسيطرة الجغرافية، يسكت النص تماماً عن أي منجزات واقعية على الأرض، ويتحول إلى تبرير غياب النصر. المسكوت عنه هنا هو "العجز عن الاحتفاظ بالأرض"، والذي تم استبداله بالوعد الأخروي المجرد والموت كبديل للنصر الحسي.
انفصال القيادة عن القاعدة: يقتبس النص عبارات حماسية من "أبي حذيفة الأنصاري" تطالب المقاتل بالانغماس والصبر على تتابع المصائب، بينما المسكوت عنه هو أن القيادات النخبوية التي تصيغ هذه البيانات تعيش في مخابئ مؤمنة، في حين تُطالب القواعد الشابة بالانتحار العسكري (الانغماس) كوسيلة وحيدة لإثبات "اليقين".
دور الافتتاحية في تنامي التطرف وراديكالية الأفراد
تسهم هذه المادة الإعلامية بشكل مباشر في صناعة التطرف العنيف وإعادة إنتاجه عبر آليات سيكولوجية ومعرفية دقيقة:
إغلاق الدائرة المعرفية (Cognitive Closure): يمنح النص الفرد المتطرف إجابات جاهزة ومريحة لكل الأسئلة المقلقة. فإذا هزِم التنظيم؛ فهذا "ابتلاء وتمحيص"، وإذا قُتل الرفاق؛ فهم "شهداء حازوا أعلى مرتبة"، وإذا تأخر النصر؛ فالعلة في "نقص يقين الأمة". هذا الانغلاق الفكري يمنع العقل من مراجعة النتائج أو التشكيك في المنهج، مما يرسخ التطرف العقائدي.
نزع الإنسانية عن الآخر (Dehumanization): بوصف المجتمعات والحكومات والشاكين بـ "الفضلات" و"الجاهلية الآسنة"، يسهّل النص على المقاتل اتخاذ قرار القتل أو التفجير. نزع الصفة الإنسانية والإيمانية عن الآخر يرفع الحرج الأخلاقي والضميري عن المتطرف أثناء تنفيذه للعمليات الإرهابية.
تأطير الموت كأسمى غايات النجاح: ينجح الخطاب في قلب الفطرة البشرية القائمة على حب الحياة وعمارة الأرض، ليصبح "الموت في سبيل شعارات التنظيم" هو النجاح الحقيقي الوحيد المضمون. هذا الشحن النفسي يمثل حجر الزاوية في صناعة "الأنماط الانتحارية" ويضمن تدفقاً مستمراً من الأفراد المستعدين للتضحية بأنفسهم دون أدنى مراجعة نقدية.
في الختام، يكشف التفكيك البنيوي والنقدي لافتتاحية صحيفة "النبأ" (العدد 551) أن القوة الحقيقية المتبقية للتنظيم لا تكمن في ترسانته العسكرية المتآكلة، بل في قدرته على "إعادة تدوير الهزيمة" وتسييج الفشل اللوجستي بأسوار من القداسة الغيبية. إن هذا النص بمثابة وثيقة استراتيجية تبرز كيف تتحول المفاهيم الإيمانية السامية كالصبر واليقين والحاكمية، عند تدويرها في مصانع الراديكالية، إلى أدوات لعزل الفرد سيكولوجياً ونزع الإنسانية عن مجتمعه، وصولاً إلى تحويل الموت العبثي إلى الغاية الأسمى للنجاح. وبناءً على ذلك، فإن دحر هذا الكيان لا يمكن أن يتوقف عند تخوم الانتصارات العسكرية أو التجفيف المالي، بل يستلزم بالضرورة تفكيك هذه الصياغات التبريرية الملتوية وتعرية سرقتها الممنهجة للتراث الإسلامي، لضمان عدم بقاء جذوة التطرف متقدة تحت رماد الخسائر الميدانية، ومنعها من تفريخ أنماط انتحارية جديدة عابرة للحدود.
