داعش والقاعدة يتقاسمان "الفوضى الأفريقية"

السبت 27/يونيو/2026 - 05:51 م
طباعة  داعش والقاعدة يتقاسمان حسام الحداد
 
في غضون أربع وعشرين ساعة فقط، تعرّض أحد أهم المنشآت الحيوية في النيجر لهجوم دموي نفذته جماعة موالية لتنظيم القاعدة، بينما كانت طائرات أمريكية على بُعد آلاف الكيلومترات تقصف معاقل حركة الشباب الصومالية جنوب كيسمايو. الحادثتان، المنفصلتان جغرافياً والمتقاربتان زمنياً، تكشفان معاً عن واقع أمني واحد: تنظيمات الإسلام السياسي المسلح، من "جي.ان.آي.أم" في الساحل إلى حركة الشباب وتنظيم داعش-الصومال في القرن الأفريقي، تستثمر بفعالية في الفراغات السياسية والأمنية التي خلّفها تراجع النفوذ الدولي التقليدي، وتعيد رسم خرائط السيطرة على الأرض بمعدل يفوق قدرة الحكومات المركزية والتحالفات العسكرية الدولية على المجاراة.

رسالة دموية في عمق العاصمة
في 18 يونيو، استهدف مسلحون تابعون لجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) مطار "ديوري حماني" الدولي في نيامي، عاصمة النيجر، في هجوم أعلنت الجماعة مسؤوليتها عنه ساعات قليلة بعد تنفيذه. حصدت العملية أرواح 13 شخصاً وأصابت أربعة آخرين، بينما قُتل 22 من المهاجمين واعتُقل 20 من المشتبه بضلوعهم في التخطيط للعملية أو دعمها لوجستياً.
اختيار المطار كهدف لم يكن عشوائياً. فالمنشأة لا تمثل مرفقاً مدنياً فحسب، بل قاعدة عسكرية مزدوجة الاستخدام، وهو ما يحمل دلالة استراتيجية واضحة: الجماعة قادرة على ضرب العمق الحضري المُحصّن للعاصمة، لا الأطراف الريفية النائية وحدها كما كانت عليه الحال في سنوات سابقة.
"هذا الهجوم ليس حدثاً عابراً، بل تصريح علني بأن لا مكان في النيجر بعيد عن مرمى الجماعة"، يقول ضابط أمني مالي رفيع المستوى، طالباً عدم نشر اسمه نظراً لحساسية موقعه، في وصفه لما حدث.

من المواجهة إلى "التفاهم القسري"
في المقابل، وفي وسط مالي، تكشف تقارير ميدانية حديثة عن تحوّل لافت في أسلوب عمل الجماعة، يتجاوز المنطق العسكري المباشر إلى ما يشبه "حوكمة بديلة" مفروضة بالقوة. فبدلاً من الاكتفاء بالسيطرة العسكرية الصرفة، تنتقل الجماعة إلى فرض تفاهمات قسرية مع السكان المحليين تتيح لها إدارة الحياة اليومية في مناطق واسعة من وسط البلاد، عبر فرض ضرائب وأعراف وقواعد سلوك توازي – وتنافس عملياً – سلطة الدولة المركزية.
يصف أحد الباحثين المتخصصين في شؤون الساحل، في تعليق يلخّص هذا التحول، الوضع بأن "الجماعة لم تعد تسعى فقط لإسقاط الدولة، بل لتصبح هي الدولة في الأماكن التي تنسحب منها سلطة باماكو". هذا النمط من "الحكم بالوكالة" يضع الحكومات المركزية في موقف معقّد: فكل عملية عسكرية ضد الجماعة تهدد بقطع شريان الاستقرار النسبي الذي نسجته مع السكان المحليين، بينما كل تقاعس عن المواجهة يعني تثبيتاً تدريجياً لسلطتها الموازية.

تعاون إقليمي بلا غطاء غربي
أمام هذا التمدد، تتحرك دول الجوار بمنطق مختلف عن العقد الماضي. فحكومتا النيجر وبنين تجريان حالياً محادثات أمنية مكثفة لتنسيق جهودهما الدفاعية وإعادة فتح الحدود المشتركة بينهما، في خطوة تعكس تحولاً جوهرياً: محاولة دول الساحل بناء آليات تعاون إقليمية ذاتية، مستقلة عن أطر الدعم الغربي التقليدي الذي تقلّص بشكل حاد منذ انسحاب القوات الفرنسية والبعثات الدولية من المنطقة.
"لم يعد لدينا رفاهية انتظار شريك خارجي يحل أزمتنا الأمنية"، يلخّص مصدر دبلوماسي إقليمي مطلع على المحادثات الموقف السائد بين صانعي القرار في الساحل. "التنسيق الثنائي بين نيامي وكوتونو هو محاولة لملء الفراغ بأقل الموارد الممكنة."
غير أن محللين يشككون في قدرة هذا التعاون الناشئ على إحداث فرق ملموس في القريب العاجل، نظراً لمحدودية الموارد العسكرية واللوجستية لدى الطرفين مقارنة بحجم التهديد المتنامي.

ضربات متكررة وحركة الشباب لا تتراجع
على الطرف الآخر من القارة، وفي 19 يونيو، نفذت القيادة الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم)، بالتنسيق مع الحكومة الصومالية، ضربة جوية استهدفت عناصر من حركة الشباب في محيط بلدة ويلمارو، على مسافة نحو 103 كيلومترات شمال مدينة كيسمايو. الضربة لم تكن استثناءً، بل حلقة في سلسلة متصلة من العمليات الجوية الأمريكية التي تستهدف، بشكل متكرر، قيادات وعناصر من حركة الشباب وتنظيم داعش-الصومال على حد سواء.
يفسّر مسؤول في القيادة الأمريكية لأفريقيا الفلسفة الكامنة وراء هذه الوتيرة المتصاعدة من الضربات بقوله إن الهدف هو "كسر قدرة هذه التنظيمات على التخطيط والتنفيذ قبل أن تتحول الخطط إلى عمليات تهدد المصالح الأمريكية والمصالح الصومالية على حد سواء". لكن مراقبين للملف الصومالي يلاحظون أن الاعتماد شبه الحصري على الضربات الجوية، في غياب تقدم موازٍ على صعيد بناء قدرات الجيش الصومالي وتحقيق توافق سياسي بين مقديشو والإدارات الإقليمية، يحوّل هذه العمليات إلى أداة لتأخير التهديد لا لإنهائه.

فراغ القوة كحاضنة للتمدد
الظاهرة التي تجمع بين الساحل والقرن الأفريقي ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة مباشرة لتقاطع عوامل بنيوية تراكمت على مدى أعوام: انسحاب القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتراجع الدعم الدولي التقليدي لمكافحة التمرد، وضعف الشرعية السياسية للحكومات العسكرية والانتقالية في المنطقتين، إلى جانب استغلال التنظيمات الجهادية للانقسامات الإثنية والاجتماعية والاقتصادية المحلية كأدوات تجنيد ونفوذ. هذا المزيج جعل من "جي.ان.آي.أم" وحركة الشباب وتنظيم داعش في فرعيه الساحلي والصومالي، فاعلين شبه دائمين في معادلة السلطة المحلية، لا مجرد تهديدات أمنية عابرة.

سباق بين توسع الجماعات وقدرة الدول على الاستجابة
تشير المعطيات المتاحة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار هذا النمط من التوسع التدريجي لصالح الجماعات المتطرفة، في ظل غياب استراتيجية إقليمية ودولية موحدة تتجاوز الرد العسكري التكتيكي. فبينما تراهن واشنطن على الضربات الجوية المحدودة لتقويض القدرات القتالية لحركة الشباب وداعش-الصومال، وتراهن نيامي وكوتونو على تعاون أمني ثنائي محدود الموارد، تبدو جماعة "جي.ان.آي.أم" أقرب إلى تكريس نموذج حكم موازٍ في وسط مالي قد يصعب اقتلاعه لاحقاً بالوسائل العسكرية وحدها. ما لم تترافق هذه الجهود المتفرقة مع معالجة جذرية للفجوات السياسية والتنموية التي تستثمرها هذه التنظيمات، فإن المؤشرات الراهنة تنذر بتوسع رقعة "الفوضى المُدارة" في كل من الساحل والقرن الأفريقي، لا بانكفائها.

شارك