تفكيك سردية "الإخوان" حول "ترس الشمال" ومفارقة التخادم مع "الجنجويد"

الأحد 28/يونيو/2026 - 09:20 ص
طباعة تفكيك سردية الإخوان حسام الحداد
 
في المنعطفات التاريخية الحادة التي تواجه فيها الأمم أزمات وجودية تهدد بنيانها الاجتماعي والسياسي، تتحول الفضاءات الإعلامية الموجهة عابر الحدود إلى ساحات بديلة لتصفية الحسابات السياسية الضيقة، متجردة من أدنى معايير المسؤولية الأخلاقية أو الالتزام بالحقيقة الجردة. وتأتي الحملة الإعلامية الشرسة والممنهجة التي تقودها منصات وأبواق تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، عبر وجوهها البارزة في الخارج، لتشكل نموذجا فجا لتوظيف المآسي الإنسانية الناجمة عن الحرب الأهلية السودانية، وتحويلها إلى أوراق ضغط سياسي تسعى لإرباك الأمن القومي في وادي النيل. هذا التوظيف النفعي للأزمة لم يقتصر على قلب الحقائق الميدانية فحسب، بل دفع بهذه المنصات إلى السقوط في تناقضات بنيوية فاضحة تعري شعارات المبدئية والوحدة التي طالما تسربلت بها الجماعة لعقود، كاشفة عن تقديم مصلحة التنظيم الدولي ومخططاته التخريبية فوق دماء ومصالح الشعوب.
إن تشريح الخطاب الإعلامي للإخوان في تعاطيه مع ملف العلاقات المصرية-السودانية الراهن، يكشف عن استراتيجية خبيثة تقوم على الرصد الانتهازي لثغرات الأزمة، واختلاق خطوط مواجهة وهمية لخلخلة النسيج الرابط بين القاهرة والخرطوم في توقيت بالذات دقيق وحرج. وتتراوح أدوات هذه الحملة بين الهندسة الرقمية المضللة للوعي الجمعي، والبروباغندا الاقتصادية الهادفة لضرب الاستقرار المعيشي، وصولا إلى فبركة الروايات الأمنية الماسة بسيادة الدول وعقيدتها العسكرية. ولا يمكن قراءة هذا النزوع المستمر لصناعة "عدو وهمي" متمثل في الدولة المصرية إلا كغطاء سياسي ودعائي مصمم بعناية لتبرير تفاهمات وتخادمات مصلحية غير معلنة، تلتقي فيها مصالح الجماعة مع أطراف وميليشيات مسلحة منخرطة في تدمير الدولة السودانية، مما يضع المراقب أمام دراسة حالة فريدة تعيد صياغة مفهوم البراجماتية الميكافيلية في أحلك صورها السياسية.
تفكيك سردية الإخوان
أولا: تفكيك سردية "ترس الشمال" والسلع المتبادلة
تنطلق الماكينة الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في تعاطيها مع الملف السوداني من استراتيجية ثابتة ترتكز على تضخيم الأحداث واختلاق بؤر توتر وهمية بين الشعبين الشقيقين. ويتجلى ذلك بوضوح في محاولات هذه المنصات المستمرة لتصوير ما يعرف بـ "ترس الشمال" — وهو إجراء إغلاق الطرق الشريانية الحيوية الرابطة بين مصر والسودان — على أنه حراك شعبي عارم يحظى بإجماع وطني سوداني. وتسعى هذه الأبواق جاهدة لترسيخ سردية تآمرية تزعم وجود "استنزاف مصري ممنهج للخيرات والثروات السودانية"، مستغلة المشاعر القومية والظروف المعقدة التي يمر بها السودان لتأجيج حالة من العداء المصطنع ضد الدولة المصرية.
غير أن إخضاع هذه السردية لأدوات التحليل الاستقصائي والواقع الاقتصادي والميداني على الأرض، يكشف سريعا عن تهافتها وعدم صمودها أمام الحقائق الرقمية والجيوسياسية. فالأرقام الرسمية لحركة التجارة البينية، وطبيعة السلع المتبادلة التي تعتمد في كثير من الأحيان على تصدير مصر لمواد تصنيعية واستراتيجية حيوية للداخل السوداني (كالمدخلات الزراعية، والمواد الغذائية المصنعة، والكهرباء)، تثبت أن العلاقة هي تكامل اقتصادي طبيعي. وتتحرك هذه الأبواق وفق أجندة موجهة تهدف إلى خنق قنوات التواصل اللوجستي بين البلدين، محاولة تحويل إجراءات الإغلاق المحدودة والمسيسة التي تقوم بها مجموعات صغيرة إلى أزمة سيادية كبرى، وهو ما نفنده تفصيلا في النقاط التالية:
1. التضليل البصري المتطور عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI)
شهدت الفضاءات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي المدارة توجيهيا من قبل خلايا الإعلام الإخواني تدفقا مكثفا لمنشورات بصرية مصممة بعناية لإثارة الرأي العام السوداني. ورصدت وحدات رصد وتفنيد التضليل الرقمي قيام هذه الحسابات بنشر وتداول مئات الصور ومقاطع الفيديو المتلاحقة التي تظهر طوابير لا تنتهي من الشاحنات الضخمة المتكدسة، وهي محملة بأطنان من المواد الغذائية الأساسية والماشية الحية المتجهة نحو الحدود الشمالية. ورافق هذه المواد المرئية خطابات تحريضية حادة تدعي أن هناك عمليات "نهريب جماعي" و"تجريد منظم" لقوت الشعب السوداني لصالح الأسواق المصرية، مستغلة حالة القلق الشعبي العام جراء شح السلع الناتجة عن ظروف الحرب المأساوية في الداخل.
إلا أن الفحص التقني المعمق والتحليل الجنائي الرقمي (Digital Forensics) لهذه المواد المرئية كشف عن تزييف ممنهج واسع النطاق؛ حيث أثبت خبراء البرمجيات أن كتلة ضخمة من هذه الصور جرى توليدها بالكامل من العدم باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتكشف النظرة الفاحصة لهذه الصور عن "عيوب بنيوية مميزة" تفضح هويتها الاصطناعية، مثل تشوه لوحات أرقام الشاحنات، وتداخل الإطارات بشكل غير فيزيائي مع الهياكل، وظلال غير منطقية لا تتطابق مع زوايا الإضاءة الطبيعية للطقس. أما بالنسبة للجزء الآخر من المقاطع الحقيقية، فقد تبين أنها صور قديمة تماما جرى اجتزاؤها من سياقها الزمني، وهي تعود في الأصل لتكدسات طبيعية وروتينية تحدث بشكل دوري عند معبري "أشكيت" و"قسطل" الحدوديين، نتيجة بطء إجراءات التخليص الجمركي والفحص الصحي المعتاد للماشية والسلع، ولا صلة لها بأي عمليات تهريب أو استنزاف كما روجت الأبواق.
2. أكذوبة ربط "أزمة اللحوم" في مصر بفعالية "الترس"
في سياق متصل من البروباجندا الاقتصادية المضللة، حاولت المنصات الإخوانية ضرب عصفورين بحجر واحد عبر ربط الشأن السوداني بالأزمات المعيشية داخل مصر، حيث روجت لسردية تزعم أن الارتفاع المشهود في أسعار اللحوم الحمراء بالسوق المصرية يعود مباشرة إلى "نجاح ترس الشمال" في خنق الإمدادات ووقف تدفق الماشية السودانية. ويهدف هذا الربط الخبيث إلى إيصال رسالة مزدوجة: الأولى للداخل السوداني للإيحاء بأن حراك الإغلاق يؤتي ثمارا موجعة للقاهرة، والثانية للداخل المصري لمحاولة إثارة السخط الشعبي عبر الإيحاء بفشل الإدارة الاقتصادية المصرية في تأمين أهم السلع الاستراتيجية على مائدة المواطن.
وتصطدم هذه الادعاءات بحقائق الاقتصاد الكلي التي تؤكد أن أسعار اللحوم في الأسواق المصرية تخضع كليا لآليات التضخم العالمي، والارتفاع القياسي في أسعار الأعلاف المستوردة (كالصويا والذرة الصفراء)، فضلا عن تحركات سعر الصرف، وهي عوامل سابقة ومستقلة تماما عن حركة المعابر السودانية. علاوة على ذلك، أبدت الدولة المصرية مرونة استراتيجية عالية منذ الطلائع الأولى للأزمة السودانية، حيث تحركت وزارة التموين والأجهزة المعنية لتنويع مصادر استيراد الماشية الحية واللحوم المبردة بشكل عاجل، وفتحت خطوط إمداد مستدامة مع أسواق بديلة مثل تشاد، والصومال، وجيبوتي، والبرازيل، مما أدى إلى الحفاظ على توازن المعروض وتأمين الاحتياطيات الاستراتيجية؛ وبالتالي، لم تشهد الأسواق المصرية أي عجز بنيوي أو انقطاع في المادة الخام مرتبط بـ "الترس" المزعوم، الذي تقتصر رقعة تأثيره على الجوانب الدعائية الإعلامية فقط.
3. فرية "الاعتداء على المعدنين السودانيين" وشيطنة حرس الحدود
تمثل الفرية المتعلقة بقيام الجيش المصري باختراق الحدود الدولية والاعتداء العسكري على معدنين سودانيين عن الذهب داخل أراضيهم، الأخطر في ترسانة الأكاذيب الإخوانية، نظرا لأبعادها الأمنية الحساسة التي تمس سيادة الدول. وتلقفت المنابر الإعلامية للجماعة روايات مرسلة وغير مسندة لأي مصادر رسمية، وحولتها إلى مادة خبرية عاجلة تتحدث عن "غطرسة عسكرية مصري" واستهداف للمواطنين السودانيين البسطاء الباحثين عن الرزق في مناطق التماس الجغرافي، بهدف إحداث شرخ حاد في عقيدة العمل المشترك بين الجيشين الجارين، وشحن الشارع السوداني عاطفيا ضد أي دور مصري داعم لمؤسسات الدولة السودانية النظامية.
وتكشف الحقائق الميدانية الموثقة أن الحدود الرسمية بين مصر والسودان تضبطها بدقة اتفاقيات تاريخية وقوانين دولية صارمة، وأن ما جرى على الأرض في مناسبات عدة لم يكن سوى عمليات أمنية مشروعة لحرس الحدود المصري داخل نطاق السيادة المصرية. وتتعامل القوات المصرية بصرامة مع شبكات الجريمة المنظمة، والتسلل غير الشرعي، وعناصر تهريب السلاح والمخدرات التي تحاول استغلال الطبيعة الجغرافية الوعرة لاختراق العمق المصري في مناطق مثل "شلاتين" ومحيط "محمية جبل علبة" الاستراتيجية للتنقيب غير القانوني عن الذهب وتخريب البيئة. والعقيدة العسكرية المصرية حريصة كل الحرص على عدم تخطي شبر واحد خارج حدودها الدولية، ولم تسجل أي جهة أممية أو رسمية في الخرطوم أي اختراق مصري للسيادة السودانية، بل على العكس تماما، يمر التنسيق الاستخباراتي والعملياتي بين القوات المسلحة المصرية والجيش الوطني السوداني بأعلى مستوياته التاريخية لضبط الحدود المشتركة ومكافحة التهديدات العابرة للدول.

ثانيا: براجماتية المصالح.. لغز "التقارب" بين الإخوان والجنجويد
تمثل المواقف الأخيرة لمنصات الخطاب الإخواني حيال ملف الحرب الدائرة في السودان واحدة من أكبر المفارقات السياسية الصادمة وأكثرها فجاجة في التاريخ الحديث للجماعة. ويتجلى هذا التناقض الصارخ في الموقف المهادن، والمبرر في كثير من الأحيان، للانتهاكات الجسيمة والمجازر المروعة التي ترتكبها قوات الدعم السريع (الجنجويد) بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي". وجه الغرابة والاصطدام هنا يكمن في أن هذا التسامح الإعلامي والسياسي يأتي على الرغم من الخصومة الشديدة، والعداء التاريخي المعلن والوجودي، بين تنظيم الإخوان والمنظومة السياسية لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تواجه اتهامات دولية وإقليمية واسعة النطاق بكونها الممول والداعم اللوجستي والعسكري الأساسي لميليشيا الدعم السريع.
هذا التناقض البنيوي يطرح علامة استفهام كبرى حول كيفية التقاء تنظيم الإخوان، الذي يرفع شعارات دينية وأخلاقية، مع حلفاء خصمه الإقليمي التاريخي على مرأى ومسمع من العالم. إلا أن الإجابة عن هذا اللغز لا تبدو مستعصية عند إخضاعها لقوانين "البراجماتية الميكافيلية" والتخادم المصلحي غير المباشر؛ فالجماعة تتحرك وفق قاعدة "عدو عدوي صديقي"، حيث تتقاطع المصالح والأهداف التخريبية تحت الطاولة وإن اختلفت الولاءات فوقها. فالغاية الكبرى للتنظيم الدولي تبرر دائما الوسيلة، حتى وإن تمثلت هذه الوسيلة في غض الطرف عن ميليشيا متهمة بجرائم ضد الإنسانية، طالما أن فعل هذه الميليشيا يصب في نهاية المطاف في مجرى الخطط الرامية لإرباك خصوم الإخوان المشتركين، وهو ما يتضح من خلال هندسة العلاقات الخلفية وسياقاتها الميدانية.
هدف جماعة الإخوان: إضعاف الدولة المصرية وإرباك أمنها القوم يلتقي مع هدف قوات الدعم السريع (الجنجويد): تفكيك الدولة السودانية ومؤسساتها والنتيجة تلاقي المصالح تحت مظلة استهداف "الجيش النظامي" في البلدين
1. استهداف "المؤسسة العسكرية الوطنية" كقاسم مشترك
يلتقي التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين مع المخطط الميداني الذي تنفذه ميليشيا الدعم السريع في نقطة جوهرية ومحورية تشكل العمود الفقري لإستراتيجيتهما المشتركة، ألا وهي: شيطنة وتفكيك الجيوش النظامية والمؤسسات العسكرية الوطنية. فالجماعة ترى في الجيش العربي المصري العقبة التاريخية الكأوود والصخرة الصامتة التي تحطمت عليها أوهام عودتها إلى المشهد السياسي والسلطوي عقب ثورة الثلاثين من يونيو؛ وبالمثل، ينظر التنظيم إلى القوات المسلحة السودانية على أنها امتداد طبيعي لنفس العقيدة العسكرية العربية الصارمة الرافضة لابتلاع الدولة من قبل الميليشيات المسلحة والمشاريع الموازية. بناء على هذه الرؤية المشتركة، يصبح أي استهداف للمؤسسة العسكرية في الخرطوم هو استهداف ضمني وغير مباشر للنموذج العسكري النظامي الذي ترفضه الجماعة.
من هذا المنطلق، فإن أي طرف يقاتل الجيش السوداني على الأرض، أو يسهم في إنهاك قدراته واستنزاف مقدراته، أو يتسبب في إرباك وتأزيم الحدود الجنوبية الحساسة للدولة المصرية، يتحول آليا — في العقل السياسي الباطن للإخوان — إلى "حليف موضوعي" وذراع تكتيكية تخدم خطتهم الكبرى لإنهاك الدولة المصرية وإشغال أجهزتها السيادية. ولا يهم التنظيم هنا إن كانت هذه الأذرع (الجنجويد) تتلقى تمويلا من الإمارات أو من غيرها؛ لأن الأولوية القصوى لديهم ليست معاداة الممول، بل هي الاستفادة القصوى من الأثر التدميري للميليشيا الذي يتقاطع مع رغبة الجماعة في خلق حزام من الفوضى والاضطراب يحيط بمصر من الاتجاه الإستراتيجي الجنوبي، مما يسهل محاولات اختراقها لاحقا.
2. غسل جرائم الميليشيا إعلاميا وتوجيه بوصلة العداء
في الوقت الذي توثق فيه المنظمات الأممية والهيئات الدولية لحقوق الإنسان أبشع الفظائع والانتهاكات العرقية والمجازر الممنهجة التي ترتكبها قوات الدعم السريع بحق المدنيين العزل في إقليم دارفور، ولايات الجزيرة، وسنار، وأحياء الخرطوم، يتعمد الخطاب الإعلامي للإخوان ممارسة عملية "تعمية وغسيل إعلامي" واسعة النطاق لصالح هذه الميليشيا. وبدلا من تسليط الضوء على هذه الجرائم الإنسانية، تتوجه بوصلة التغطية الإخبارية والتحليلية لمنصات الجماعة وأبواقها في الخارج نحو اختلاق معارك وهمية وجانبية مع الدولة المصرية، مثل تضخيم قضايا الشاحنات التجارية وتدبير شائعات الاحتكاكات الحدودية، مستخدمة إستراتيجية تزييف الوعي الجماعي لإبعاد الأنظار عن الفاعل الحقيقي للمأساة السودانية.
يهدف هذا الأسلوب الدعائي الخبيث إلى تحقيق غايتين إستراتيجيتين: الأولى هي تشتيت الانتباه الدولي والشعبي عن المجازر الحقيقية والانتهاكات الميدانية الموثقة للجنجويد، وخلق غطاء إعلامي بديل يقلل من حجم الضغط الأخلاقي والسياسي المسلط على حميدتي وقواته. أما الغاية الثانية، والأكثر خطورة، فهي محاولة الوقيعة الممنهجة وبث الكراهية والشقاق بين الشعبين الشقيقين المصري والسوداني عبر إثارة النعرات الشوفينية والتعصب القومي المصطنع، وتصوير مصر — التي فتحت أبوابها لاستضافة ملايين اللاجئين السودانيين بكرم تآمري — على أنها عدو يتربص بالخيرات السودانية، وهي مفارقة دعائية تستهدف تحويل الغضب الشعبي السوداني من الميليشيا التي تدمر قراهم إلى الجار الذي يسند دولتهم الوطنية.
3. الخلايا النائمة وازدواجية الولاء بين الداخل والخارج
يكشف تشريح الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين في تعاملها مع الأزمة السودانية عن حالة حادة من ازدواجية الولاء والتقسيم الوظيفي الموزع بين قنوات سرية موازية تدار من قبل التنظيم الدولي. فرغم أن فرع الجماعة المحتضر في الداخل السوداني (المتمثل في الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المحلول) قد أعلن انحيازه الميداني والسياسي الصريح إلى جانب الجيش السوداني في حربه ضد الدعم السريع، إلا أن هذا الموقف لم يكن نابعا من مبدئية وطنية، بل جاء كخطوة انتهازية فرضها الخوف من الذوبان الكامل والانهيار الوجودي، ورغبة في إعادة إنتاج أنفسهم سياسيا تحت لواء الشرعية الرسمية للقوات المسلحة.
وفي المقابل، تتخذ القيادات الإخوانية الهاربة في الخارج، والخلايا الإعلامية والسياسية المرتبطة بمراكز التنظيم الدولي في عواصم مثل لندن وإسطنبول، مسارا مغايرا ومتناقضا تماما مع توجهات الداخل؛ حيث يركز خطابها الأساسي على استهداف الدولة المصرية بالدرجة الأولى، وتقديم تنازلات خطابية مهادنة لميليشيا الدعم السريع. هذا الانقسام الوظيفي الفاضح يعري حقيقة الجماعة ويكشف أن مصالح الفروع المحلية وشعارات حماية الدولة الوطنية السودانية تسقط فورا وتصبح ثانوية أمام أولويات وتوجيهات التنظيم الدولي العابر للحدود، والذي يرى في إرباك الأمن القومي المصري وهدم مؤسساته الهدف الأسمى الذي تتقزم دونه دماء الشعب السوداني ومصالح أمتهم.
الخلاصة:
إن حملة التضليل التي تقودها منابر الإخوان بشأن "ترس الشمال" والادعاءات ضد الجيش المصري ليست معزولة عن سياق الحرب في السودان. إنها محاولة بائسة لتوظيف المعاناة السودانية وصناعة "عدو وهمي" (مصر) للتغطية على الجناة الحقيقيين، وبناء تحالفات براجماتية عابرة للمبادئ مع ميليشيات الجنجويد، بهدف وحيد وهو محاولة هز استقرار الدولة المصرية من بوابتها الجنوبية الاستراتيجية.

شارك