الأم كوليت هيكي.. راهبة صنعت من الرحمة وطناً للمهمّشين

الثلاثاء 30/يونيو/2026 - 10:27 ص
طباعة  الأم كوليت هيكي.. روبير الفارس
 



لم تكن الأم كوليت هيكي واحدة من الراهبات اللواتي عشن عمرًا مديدًا فحسب، بل كانت قصة حياة امتدت لأكثر من قرن، تحوّل فيه الإيمان إلى عمل، والصلاة إلى خدمة، والرحمة إلى مؤسسة ما زالت تحتضن المحتاجين حتى اليوم.

وُلدت عام 1918 في مقاطعة ووترفورد الأيرلندية، وفي سن السابعة عشرة شعرت بأن دعوتها الحقيقية تكمن في الحياة الرهبانية، فالتحقت برهبنة الراعي الصالح عام 1935، لتبدأ رحلة امتدت أكثر من تسعين عامًا كرّستها بالكامل لله وللإنسان. ومنذ بداياتها، آمنت بأن الرسالة المسيحية لا تكتمل داخل جدران الكنيسة وحدها، بل تمتد إلى الشوارع والأحياء الفقيرة، حيث يعيش المنسيون والمهمّشون والمحرومون من أبسط مقومات الحياة.

تنقلت الأم كوليت في عدد من المدن الأيرلندية، وعملت مع النساء اللواتي واجهن الفقر والتشرّد والاستغلال، وكانت ترى في كل إنسان صورة لله تستحق الاحترام والكرامة. لم تكن تكتفي بتقديم الطعام أو المأوى، بل كانت تمنح الأمل، وتساعد النساء على استعادة ثقتهن بأنفسهن وبناء حياة جديدة.

وجاءت نقطة التحول الكبرى في رسالتها عام 1972 عندما أسست دار "إيدل هاوس" (Edel House) في مدينة كورك. بدأت المبادرة في منزل متواضع، استجابةً لمعاناة النساء والأطفال الذين لم يجدوا مكانًا يلوذون إليه. لم تكن الدار مجرد مأوى، بل مشروعًا إنسانيًا متكاملًا يقوم على إعادة بناء الإنسان قبل بناء حياته.

ومع مرور السنوات، تحولت "إيدل هاوس" إلى واحدة من أبرز المؤسسات الخيرية في أيرلندا، تستقبل سنويًا آلاف النساء والأطفال، وتوفر لهم السكن الآمن، والرعاية الاجتماعية، والدعم النفسي، والمساعدة القانونية، وبرامج التأهيل والتعليم والتدريب، بما يساعدهم على بدء حياة مستقلة بعيدًا عن التشرد والعنف والفقر.

عُرفت الأم كوليت بشخصيتها الهادئة وإيمانها العميق، وكانت تردد أن «كل إنسان يستحق فرصة جديدة». لم تبحث يومًا عن الأضواء أو الشهرة، بل كانت ترى أن أعظم الإنجازات هي تلك التي تُصنع في صمت، عندما تُمسح دمعة، أو تُفتح أمام إنسان أبواب الرجاء.

وبفضل عطائها الاستثنائي، أصبحت عام 1993 أول شخصية تنال لقب "شخصية العام في مدينة كورك"، كما حظيت بتقدير واسع من الكنيسة والهيئات المدنية، التي رأت فيها نموذجًا نادرًا للقيادة الإنسانية والخدمة المجردة من المصالح.

وفي سنواتها الأخيرة، ورغم تقدمها في العمر، بقيت حاضرة بروحها وصلواتها، تتابع رسالة المؤسسة التي أسستها، وتشجع العاملين فيها على مواصلة خدمة الفقراء والمشردين. وعندما رحلت مؤخرا عن عمر 108 أعوام، لم يُنظر إليها باعتبارها أكبر راهبة معمّرة في أيرلندا فحسب، بل كامرأة غيّرت حياة أجيال كاملة، وأثبتت أن العمر يُقاس بما يتركه الإنسان من أثر، لا بعدد السنوات التي عاشها.

لقد تركت الأم كوليت هيكي إرثًا لا يُختصر في المباني أو المؤسسات، بل في آلاف القصص التي بدأت من جديد بفضل يدٍ امتدت بالمحبة، وقلبٍ آمن بأن الرحمة قادرة دائمًا على أن تصنع مستقبلًا أكثر إنسانية.

شارك