تفكيك الاستراتيجية المصرية-التركية في احتواء فواعل الإسلام السياسي
الثلاثاء 30/يونيو/2026 - 12:37 م
طباعة
حسام الحداد
تخلت بيئة الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط ونطاقاتها الجيوسياسية الممتدة عن الأطر التقليدية التي حكمت صراعات العقد الماضي، لتنتقل بشكل متسارع نحو هندسة جذرية للمحاور تحركها "واقعية سياسية" صارمة تتجاوز الخلافات الفكرية والعقائدية التاريخية. ولم تعد العلاقات البينية للقوى المركزية في المنطقة تدار بمنطق "المعادلات الصفرية" أو الاصطفاف الأيديولوجي الحاد، بل أفسحت المجال لتفاهمات أمنية ودفاعية مرنة وقنوات تنسيق هجينة ومباشرة. هذا التحول الهيكلي يستهدف بالأساس تقويض وتجفيف الروافد التنظيمية والمالية لحركات الإسلام السياسي والفكر الجهادي العابر للحدود، والتي أضحت تصنف لدى العواصم المركزية كمهددات وجودية مباشرة تضرب شرعية واستقرار "الدولة الوطنية النظامية" وتحاول إحلال نماذج ميليشياوية مكانها.
وفي هذا السياق الجيوسياسي البالغ التعقيد، يتناول هذا المقال التحليلي بالرصد والنقد آليات وأبعاد هذا التنسيق الإقليمي المستجد بين قوتين إقليميتين وازنتين هما مصر وتركيا، مستندا إلى مؤشرين بالغي الدلالة في المشهد الراهن لعام 2026. يتجسد المؤشر الأول في الموقف الدبلوماسي الحازم والصارم للقاهرة تجاه التحولات الميدانية المتسارعة في شمال سوريا ورفضها لشرعنة فواعل الأمر الواقع، بينما يتجلى المؤشر الثاني في وتيرة التقارب الاستراتيجي والعملياتي المتنامي بين القاهرة وأنقرة، ليفكك المقال فرص نجاح هذه المقاربة البراجماتية الجديدة والعقبات البنيوية والتكنولوجية التي قد تهدد استدامتها على المدى الطويل.
أولا: المحددات الأمنية للموقف المصري.. رفض "الشرعنة" السياسية للتنظيمات المسلحة
يكشف الموقف الدبلوماسي المصري الصارم والأخير، والذي سلطت الضوء عليه منصة Al-Monitor العالمية، والمتمثل في الرفض القاطع والمطلق لاعتماد سفير سوري جديد يمثل ما يعرف بـ "حكومة الإنقاذ" الواجهة السياسية التابعة لهيئة تحرير الشام، عن عمق وثبات "العقيدة الأمنية والسياسية" للقاهرة تجاه فواعل ما دون الدولة ذات المرجعية الأيديولوجية الإسلاموية أو الجهادية. هذا الموقف لا يمكن قراءته كإجراء بروتوكولي عابر، بل هو انعكاس لاستراتيجية مصرية ثابتة ترى في صعود التيارات المسلحة ذات الصبغة الراديكالية إلى سدة الحكم تهديدا مباشرا لمفهوم "الدولة الوطنية النظامية" في الشرق الأوسط. وتنبثق هذه المقاربة من رؤية أمنية ترى أن أي تهاون مع هذه الكيانات، مهما حاولت تسويق نفسها تحت مسميات سياسية جديدة، سيعيد المنطقة إلى مربع الفوضى وتفتيت الجغرافيا السياسية لصالح مشاريع أممية عابرة للحدود.
1. مكافحة "الشرعنة الدبلوماسية" وتفكيك سردية الأمر الواقع
تقرأ الدولة المصرية صعود وتمدد قوى مسلحة مثل "هيئة تحرير الشام" في المشهد السوري ليس باعتباره تحولا سياسيا محليا ناتجا عن ديناميكيات داخلية بحتة، بل كخطوة متقدمة في مشروع إقليمي عابر للحدود يسعى إلى منسقة النماذج الجهادية وإدخالها المنظومة الدولية. وترى القراءة الأمنية المصرية أن السماح لهذه التنظيمات –المصنفة إرهابيا أو جهاديا في القواميس الدولية والمحلية– بالحصول على تمثيل ديبلوماسي، يمثل ثغرة قانونية وسياسية خطيرة قد تمنح الفكر المتطرف غطاء شرعيا رسميا، وهو ما يهدد بخلخلة موازين القانون الدولي الذي يرتكز على التعامل الحصري مع الحكومات والجيوش النظامية للدول.
من هنا، يأتي الرفض المصري الحازم لاستقبال أي مبعوث أو سفير لهذه التشكيلات بهدف استراتيجي واضح، وهو قطع الطريق تماما وبشكل استباقي أمام أي محاولة من هذه التنظيمات لتقديم نفسها للعالم كـ "سلطة أمر واقع" مقبولة دوليا وإقليميا. القاهرة تسعى عبر هذا الموقف إلى إرسال رسالة حاسمة للمجتمع الدولي والفاعلين الإقليميين مفادها أن تغيير التسميات، أو تبني أدوات الحكم المدني المصطنعة (مثل حكومات الإنقاذ)، لا يغير من الطبيعة الأيديولوجية الأصلية لهذه الكيانات، وأن "شرعية السلاح الأيديولوجي" ستبقى مرفوضة وغير قابلة للمساومة في العقيدة الخارجية المصرية.
2. قيادة خط إقليمي صارم لمواجهة ارتدادات الإسلام السياسي
بالتوازي مع الإجراءات الدبلوماسية المباشرة، تقود القاهرة خطا ديبلوماسيا وسياسيا صارما على الساحتين العربية والإقليمية، يرتكز على فرضية أن القبول بالتشكيلات المسلحة ذات الجذور الفكرية المرتبطة بالإسلام السياسي يمثل قنبلة موقوتة تهدد الأمن القومي العربي في المدى المنظور. وترى مصر أن التحولات "البراجماتية" أو محاولات "التسييس" التي تظهرها هذه الجماعات عند استلامها للسلطة ليست سوى تكتيكات مرحلية ومناورات مرحلية (تندرج تحت فقه التمكين)، حيث تظل الأيديولوجيا العنيفة كامنة في أدبياتها، ومستعدة للظهور فور تمكنها من مفاصل الدولة ومؤسساتها السيادية.
إن هذا الحزم المصري يتأسس على مخاوف أمنية حقيقية من أن نجاح نموذج "الحكم الجهادي المؤتمت" أو المسيس في أي بقعة من الشرق الأوسط سيمثل حافزا معنويا ولوجستيا كبيرا لتحريك الخلايا النائمة للتنظيمات المتطرفة في شمال إفريقيا والمنطقة بأسرها. فالقاهرة تدرك أن استقرار حدودها الغربية والجنوبية، وأمن عمقها الاستراتيجي، مرتبطان برفض أي نموذج سياسي يعتمد على دمج المليشيات الأيديولوجية في هيكل السلطة، ولذلك فإن سياستها الخارجية ستظل تدفع باتجاه دعم الجيوش الوطنية والمؤسسات المركزية، باعتبارها الحصن الوحيد القادر على صون وحدة الأراضي العربية ومنع تمدد الفوضى العابرة للحدود.
ثانيا: المحور التركي-المصري.. تحول استراتيجي من "الدعم الفكري" إلى "الواقعية السياسية"
يمثل التنسيق العسكري والسياسي المتسارع بين أنقرة والقاهرة، بحسب تحليلات صحيفة The Guardian البريطانية ومنصة Al-Monitor العالمية، التحول الأبرز والأعمق أثرا في الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط ونطاقاتها الحيوية الممتدة. هذا التقارب الجديد لا يمكن اختزاله في كونه مجرد خطوة دبلوماسية تقليدية لـ "تصفير المشاكل" أو تهدئة مؤقتة لتوترات عقد مضى، بل إنه يتجاوز ذلك ليؤسس لأداة احتواء إقليمية هجينة ومشتركة بين قوتين مركزيتين. وينبثق هذا المحور الناشئ من إدراك متبادل بأن الفراغات الأمنية وصعود الفواعل المسلحة من دون الدول باتا يهددان بشكل مباشر المصالح الحيوية والمشاريع التنموية للبلدين، مما حتم صياغة مقاربة واقعية تغلب المصالح الجيواستراتيجية والاقتصادية العليا على الخلافات الفكرية والتباينات الأيديولوجية السابقة.
1. الاستدارة التركية البراجماتية وإعادة تموضع النفوذ
تعكس السياسة الخارجية التركية الراهنة تحولا راديكاليا ومدروسا؛ حيث تخلت أنقرة عمليا عن المقاربة القديمة القائمة على دعم وتبني حركات الإسلام السياسي التقليدية (وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين) كأداة لمد النفوذ الإقليمي وفرض أوراق ضغط في العواصم العربية. وجاءت هذه الاستدارة نتيجة مراجعات استراتيجية عميقة داخل دوائر صنع القرار التركي، والتي خلصت إلى أن الاستمرار في تبني الأجندات العقائدية لم يعد ينتج نفوذا مستداما، بل تحول إلى عبء ثقيل يستنزف القوة الناعمة والصلبة لتركيا، ويعزلها عن محيطها الإقليمي والدولي في توقيت تبحث فيه عن تموضع جديد كجسر اقتصادي بين الشرق والغرب.
من هذا المنطلق، أدركت الدولة التركية أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي الداخلي، وتأمين طموحاتها الجيوسياسية في شرق المتوسط والشرق الأوسط، يتطلبان بناء شراكات متينة وقائمة على الثقة المتبادلة مع الدول المركزية في المنطقة، وتحديدا مصر، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة. هذا التحول نحو "الواقعية السياسية" ترجم ميدانيا عبر تقييد الأنشطة الإعلامية والسياسية لعناصر الإسلام السياسي المقيمين في الأراضي التركية، وتفكيك شبكات الدعاية الفكرية، مما منح ديبلوماسية أنقرة المرونة اللازمة لإعادة بناء علاقات قوية وصياغة تفاهمات استراتيجية مع العواصم الرافضة لتيارات الإسلام السياسي.
2. التنسيق في ملفات النزاع الرخوة وتأمين خطوط الجغرافيا المشتركة
يتجسد هذا التحالف الناشئ بوضوح في قدرة الطرفين على الانتقال بملفات النزاع الإقليمية الرخوة من مرحلة "التنافس العسكري والصراع بالوكالة" إلى مربع "التنسيق المشترك والتفاهمات السياسية الأحادية". ففي الملف الليبي، الذي شكل لفترة طويلة ساحة استقطاب حادة بين البلدين، نجحت القاهرة وأنقرة في صياغة رؤية أمنية مشتركة تدفع نحو توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية، والعمل المشترك على احتواء المليشيات المسلحة في الغرب الليبي ونزع سلاحها. هذا التنسيق يهدف إلى تحويل ليبيا من بؤرة تصدير للتهديدات والفوضى إلى بيئة مستقرة تضمن المصالح الحيوية المصرية في عمقها الغربي، وتحمي الاستثمارات والاتفاقيات البحرية والاقتصادية التركية.
لا تقتصر هذه الشراكة الاستراتيجية على النطاق الليبي فحسب، بل تمتد لتشمل جغرافيا البحر الأحمر والقرن الإفريقي والملف السوداني المشتعل، وهي النطاقات التي باتت تشهد تداخلا أمنيا حرجا. فالقاهرة وأنقرة تعملان حاليا على تعزيز التنسيق لحماية الممرات المائية الحيوية وحرية الملاحة البحرية، لمواجهة التهديدات الأمنية الناتجة عن انهيار مؤسسات الدول الوطنية وتفشي الحروب الأهلية. هذا التحرك المشترك يستهدف بالأساس إغلاق الثغرات الجيوسياسية وحرمان التيارات المتطرفة والجماعات المسلحة من إيجاد ملاذات آمنة جديدة في هذه المناطق الحساسة، مستغلين الفوضى لإعادة بناء شبكات تملأ الفراغ، وهو ما يثبت أن الواقعية المشتركة باتت حائط الصد الأساسي ضد قوى الفوضى في المنطقة.
ثالثا: فرص النجاح وعقبات الاستدامة
رغم المؤشرات الإيجابية لسياسات الاحتواء الراهنة والزخم الدبلوماسي المصاحب للمحور المصري-التركي الناشئ، فإن استدامة هذا التوجه الإقليمي تواجه حزمة معقدة من التحديات والمفارقات الجيوسياسية الهيكلية، تبرز في مقدمتها "المفارقة التركية في الملف السوري". فبينما تتبنى أنقرة مقاربة مزدوجة الأبعاد، تسعى في شقها الأول إلى التنسيق الاستراتيجي مع القاهرة لاحتواء تمدد حركات الإسلام السياسي وتأمين خطوط الملاحة الحيوية في البحر الأحمر والملف الليبي، نجدها في شقها الثاني تظل الفاعل الإقليمي الأكثر تأثيرا وقربا من المشهد السوري الشمالي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام" على مفاصل الحكم عبر واجهتها المدنية. هذا التباين الحاد في مقاربة الملف السوري قد يمثل بؤرة خلاف عميقة واصطداما مستقبليا حتميا، إذا ما تعارضت البراجماتية التركية المرنة والمحكومة بحسابات أمنها القومي المباشر على حدودها الجنوبية، مع "الخطوط الحمراء" المصرية الثابتة والرافضة بشكل مطلق لأي شكل من أشكال التعامل أو إضفاء الشرعية على الفصائل الجهادية والمليشيات المسلحة مهما بدت مستعدة للتسييس.
وتتكامل عقبات الاستدامة عند تفكيك أبعاد الاستراتيجية الإقليمية الجديدة وتحليل أدوات تنفيذها في مقابل التحديات الميدانية المتوقعة؛ ففي بعد "التنسيق الأمني والعسكري البيني"، يرتكز الطرفان على أدوات واضحة مثل المناورات العسكرية المشتركة، وتكثيف التبادل الاستخباراتي، ومحاولة رسم حدود دقيقة لمناطق النفوذ المتبادلة. ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي يهدد هذا التنسيق يكمن في التباين المحتمل للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية البعيدة المدى لكلا البلدين، لا سيما في ملفات الطاقة بشرق المتوسط أو التنافس على الفرص الاستثمارية في إفريقيا. أما في بعد "تجفيف منابع الشرعية السياسية"، فإن اعتماد المحور الإقليمي على أداة سحب الاعتراف الدبلوماسي بحكومات الفصائل المسلحة وعزلها دوليا، يصطدم مباشرة بتحد تكنولوجي بالغ التعقيد، يتجلى في قدرة هذه التنظيمات على التكيف الرقمي واستغلال الفضاء السيبراني، والمساحات الرقمية المفتوحة، وعمليات التمويل اللامركزي والأصول المشفرة، للالتفاف على الحصار الدبلوماسي والمالي التقليدي المفرود عليها.
وفي البعد الثالث المتعلق بـ "تغليب الدولة المركزية"، تسعى الاستراتيجية المصرية-التركية المشتركة إلى تفعيل أدوات دعم الجيوش الوطنية والمؤسسات النظامية الشرعية في دول النزاع، لإعادة هيبة الدولة وسد الفراغات الحاكمة. إلا أن هذا التوجه يواجه عقبة بنيوية صعبة تتمثل في الضعف الشديد والتهالك الهيكلي الذي يعاني منه جسد الحكومات المحلية والجيوش النظامية في مناطق الأزمات الممتدة والمزمنة، مثل الساحل الإفريقي واليمن والسودان. هذا الضعف المؤسساتي يقلل من كفاءة الدعم الخارجي ويجعل تثبيت دعائم الاستقرار عملية بطيئة، مما يمنح تيارات الفوضى والمليشيات الأيديولوجية فرصا متجددة للتحرك كبدائل سلطوية، الأمر الذي يفرض على المحور (القاهرة - أنقرة) التفكير في مقاربات أمنية وتنموية هجينة تتجاوز الأطر الكلاسيكية للمواجهة لضمان نجاح مشروعهما في احتواء الإسلام السياسي وتثبيت ركائز الأمن الإقليمي.
خلاصة
إن الاتجاه العام لتغطية الصحافة الدولية يبرز بوضوح انتقال الشرق الأوسط إلى حقبة "ما بعد الصراعات الأيديولوجية" بين القوى الكبرى. إن التقارب المصري-التركي، والموقف الصارم تجاه التغييرات في سوريا، يشيران إلى أن الأمن القومي وحفظ الممرات الاقتصادية وسلامة حدود الدول المركزية باتت هي المحددات الحصرية لرسم السياسات. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية البراجماتية في الاحتواء يظل رهنا بقدرة هذه المحاور على صياغة حلول جذرية لأزمات الحكم والبيئات الاقتصادية المنهارة في دول النزاع، وهي البيئات التي طالما مثلت الحاضنة الطبيعية لنمو وانتشار تنظيمات الإسلام السياسي والتطرف العنيف.
