محسن سازغارا، مؤسس الحرس الثوري يعبر عن ندمه: "لقد خلقت وحشاً مدرباً ضد الشعب الإيراني"
الثلاثاء 30/يونيو/2026 - 02:10 م
طباعة
فاطمة بارودي
في هذا الحوار الاستثنائي والجريء الذي أجرته صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية، يفتح محسن سازغارا، أحد أبرز مؤسسي الحرس الثوري الإيراني والمقرب السابق من آية الله الخميني، صندوق أسرار المنظمة العقائدية الأخطر في إيران، معلناً ندمه الشديد على مشاركته في تأسيسها بعد أن تحولت –حسب وصفه– من قوة شعبية ولدت لحماية الثورة عام 1979 إلى "وحش" وأداة قمعية باطشة تُسفك بها دماء المتظاهرين في الانتفاضات الشعبية الأخيرة التي اندلعت في ديسمبر 2025. ويفكك سازغارا، من منفاه كمعارض لاذع، كواليس تحول هذه الميليشيا إلى إمبراطورية عسكرية واقتصادية عابرة للحدود تمثل "دولة داخل الدولة"، مستعرضاً آليات توغلها في رسم السياسة الإقليمية ومفاصل الاقتصاد، ومفسراً كيف انقلبت العقيدة الأمنية للمؤسسة لترهن بقاءها بحماية النظام الحاكم حتى لو كان الثمن سحق إرادة الشعب الإيراني وخيانة دماء شهدائه.
أجرى المقابلة: إيمانويل رضوي
• لوفيجارو: منذ اندلاع الانتفاضات في إيران في 28 ديسمبر 2025، ارتكبت وحدات وقوات مساعدة تابعة لهذه الميليشيا الأيديولوجية - التي تُعتبر الذراع القمعية لنظام الملالي، مجازر بحق آلاف المتظاهرين. وتتهمها عدة منظمات غير حكومية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك الإعدامات بإجراءات موجزة، والمجازر، والتعذيب، والاغتصاب، والاختفاء القسري.. ما قولك فى ذلك؟
محسن سازغارا: في ذلك الوقت، عام ١٩٧٩، كانت هذه الميليشيا ضرورية للدفاع عن البلاد. وقد لعبت هذه القوة دورًا هامًا. إلا أنني أشعر بحزن عميق لرؤية منظمة كان من الممكن أن تكون من الشعب، وللشعب، وبواسطة الشعب، قد تحولت الآن إلى وحش يُعارض الشعب. هذه القوة، بقيادة قائدها علي خامنئي، لم تخن الشعب والوطن فحسب، بل خانت أيضًا دماء جميع الشهداء.
• كيف تفسر التحول الذى طرأ على الحرس الثورى منذ تأسيسه حتى أصبح، بحسب وصفك، أداة لقمع الإيرانيين؟
عندما شاركت فى تأسيس هذه القوة، كانت الفكرة الأساسية هى حماية الدولة الوليدة من الأخطار الخارجية والاضطرابات الداخلية التى كانت تعيشها إيران بعد الثورة. لكن مع مرور الوقت، تبدلت طبيعة المؤسسة تدريجياً، وأصبحت تدين بالولاء المطلق للقيادة السياسية والدينية بدلاً من الولاء للدولة أو للشعب. ومنذ ذلك الحين، توسعت صلاحياتها بصورة غير مسبوقة، حتى باتت تمتلك نفوذاً عسكرياً وأمنياً واقتصادياً وسياسياً جعلها دولة داخل الدولة.
• هل تعتقد أن الحرس الثورى ما زال يتحرك انطلاقاً من المبادئ التى تأسس عليها؟
لا أعتقد ذلك. المؤسسة التى شاركت فى إنشائها لم تعد موجودة بالشكل الذى عرفناه فى بدايات الثورة. فقد تغيرت عقيدتها وأولوياتها، وأصبح همها الأول هو حماية النظام القائم، حتى لو كان ذلك على حساب المواطنين. وعندما تتحول أى مؤسسة أمنية إلى وسيلة لإسكات الأصوات المعارضة، فإنها تفقد مبرر وجودها الأصلى.
• يتهم كثيرون الحرس الثورى بأنه أصبح لاعباً اقتصادياً ضخماً داخل إيران. إلى أى مدى تتفق مع هذا التوصيف؟
هذا صحيح إلى حد بعيد. فالحرس لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل أصبح يسيطر على قطاعات اقتصادية واسعة، من البناء والطاقة إلى الاتصالات والموانئ. هذه الإمبراطورية الاقتصادية تمنحه موارد هائلة واستقلالية كبيرة، كما تخلق شبكة مصالح تجعل الحفاظ على الوضع القائم هدفاً أساسياً بالنسبة لكثير من قياداته.
• هل ترى أن هذه القوة ما زالت تحظى بالدعم داخل المجتمع الإيرانى؟
المجتمع الإيرانى تغير كثيراً خلال العقود الماضية، خصوصاً بين الأجيال الشابة. هناك شعور متزايد بالاستياء من المؤسسات التى ترتبط بالقمع أو بالامتيازات الاقتصادية. ولا يمكن إنكار أن صورة الحرس الثورى لدى قطاع واسع من الإيرانيين لم تعد كما كانت فى السنوات الأولى بعد الثورة.
• إلى أى مدى أثرت العقوبات الدولية فى هذه المؤسسة؟
العقوبات فرضت ضغوطاً بلا شك، لكنها لم تؤد إلى إضعاف نفوذ الحرس بالشكل الذى توقعه البعض. ففى كثير من الأحيان، أدت القيود الاقتصادية إلى زيادة اعتماد الدولة على المؤسسات التابعة له، ومنحته فرصاً أكبر للسيطرة على التجارة والاستيراد وبعض الأنشطة الاقتصادية التى أصبحت أكثر ربحية فى ظل العقوبات.
• هناك من يرى أن الحرس الثورى أصبح صاحب الكلمة العليا فى رسم السياسة الإقليمية لإيران. هل توافق على ذلك؟
لا يمكن فصل السياسة الخارجية الإيرانية عن نفوذ الحرس الثورى، خاصة فيما يتعلق بالملفات الأمنية والإقليمية. فهذه المؤسسة أصبحت تمتلك أدوات تنفيذ واسعة خارج الحدود، وهو ما منحها تأثيراً كبيراً فى صنع القرار، حتى وإن ظل القرار النهائى بيد القيادة العليا للنظام.
• هل تعتقد أن إصلاح الحرس الثورى من الداخل ما زال ممكناً؟
أى إصلاح حقيقى يتطلب أولاً وجود إرادة سياسية لإخضاع جميع المؤسسات لسلطة القانون والمحاسبة. أما إذا استمرت المؤسسة فى العمل بعيداً عن الرقابة المدنية والقضائية، فمن الصعب تصور تغيير جوهرى فى سلوكها أو فى دورها داخل الدولة.
• بعد كل هذه السنوات، كيف تنظر إلى الدور الذى لعبته فى تأسيس الحرس الثورى؟
لا أخفى أننى أشعر بثقل هذه المسؤولية. كنت أتصور أننى أشارك فى بناء مؤسسة تحمى البلاد، لكن ما آلت إليه الأمور كان مختلفاً تماماً عما حلمنا به فى البداية. ولهذا أتحدث اليوم بصراحة، لأن الاعتراف بالأخطاء هو الخطوة الأولى لتجنب تكرارها، ولأن مستقبل إيران يجب أن يقوم على مؤسسات تخدم المواطنين وتحترم حقوقهم، لا على مؤسسات يخشاها الشعب.
