الكاردينال إرنست سيموني... الكاهن الذي حوّل السجن الشيوعي إلى مذبح للصلاة
الإثنين 20/يوليو/2026 - 11:39 ص
طباعة
روبيرالفارس
لم يكن الكاردينال إرنست سيموني يتوقع أن تتحول أولى سنوات كهنوته إلى رحلة طويلة من السجون والمعسكرات والأعمال الشاقة، بعدما اعتبرت السلطات الشيوعية في ألبانيا الكرازة المسيحية "جريمة ضد الدولة". لكن الكاهن الشاب، الذي صدر بحقه حكم بالإعدام قبل أن يُخفف إلى السجن والعمل القسري، خرج بعد نحو ثلاثة عقود أكثر تمسكًا بإيمانه، حتى وصفه البابا فرنسيس لاحقًا بأنه "شهيد حي"، ورفعه عام 2016 إلى رتبة الكاردينالية تقديرًا لشهادته الاستثنائية.
نشأة في زمن الاضطرابات
وُلد إرنست سيموني تروتشاني عام 1928 في مدينة شكودرا شمال ألبانيا، وهي إحدى أبرز معاقل الكاثوليكية في البلاد. تلقى تعليمه في الإكليريكية الفرنسيسكانية، ثم سيم كاهنًا عام 1956، في وقت كانت فيه الدولة الشيوعية بقيادة الزعيم أنور خوجة تشدد قبضتها على جميع المؤسسات الدينية.
ولم تمضِ سنوات قليلة حتى بدأت حملة واسعة ضد رجال الدين، حيث اتهمت السلطات كثيرًا منهم بالتجسس أو التعاون مع الغرب، بينما كان الهدف الحقيقي هو القضاء على أي نفوذ ديني يمكن أن ينافس سلطة الحزب الشيوعي.
الاعتقال وحكم الإعدام
في ليلة عيد الميلاد عام 1963، ألقى الأب سيموني عظة تحدث فيها عن حرية الإنسان وحقوقه، كما صلى من أجل أرواح الرئيس الأمريكي جون كينيدي، الذي كان قد اغتيل قبل أسابيع. اعتبرت السلطات ذلك عملاً معاديًا للنظام، فاعتقلته وأخضعته لمحاكمة صورية بتهم "التحريض والدعاية المعادية للدولة".
وصدر بحقه حكم بالإعدام، لكنه خُفف لاحقًا إلى السجن الطويل والعمل القسري.
أمضى نحو 18 عامًا في السجون، حيث تعرض للتعذيب والاستجواب المستمر، ثم نُقل إلى معسكرات العمل الإجباري، ليقضي سنوات إضافية في استخراج المعادن وحفر الأنفاق والعمل في ظروف قاسية، ليصل مجموع سنوات سجنه وعمله القسري إلى نحو 28 عامًا.
القداس في الخفاء
رغم الرقابة المشددة، لم يتخلَّ سيموني عن رسالته الكهنوتية.
كان يحتفظ سرًا بقطع صغيرة من الخبز وقليل من النبيذ ليحتفل بالقداس بعيدًا عن أعين الحراس، كما كان يسمع اعترافات السجناء ويشجعهم على عدم فقدان الرجاء.
وروى لاحقًا أن أكثر ما ساعده على الصمود هو الصلاة اليومية، وأنه لم يسمح للكراهية بأن تدخل قلبه، بل كان يصلي باستمرار من أجل الذين عذبوه وسجنوه.
وقال في أكثر من مناسبة: "لم أكره أحدًا... بل كنت أحتفل بالقداس من أجل مضطهديَّ، طالبًا من الله أن يفتح قلوبهم."
ألبانيا... الإلحاد رسميًا
لفهم معاناة الكاردينال سيموني، لا بد من العودة إلى تاريخ ألبانيا في عهد أنور خوجة.
فبعد الحرب العالمية الثانية، أسس خوجة أحد أكثر الأنظمة الشيوعية انغلاقًا في أوروبا، متأثرًا أولًا بالاتحاد السوفيتي ثم بالصين الماوية.
وفي عام 1967 أطلق ما عُرف بـ"الثورة الثقافية الألبانية"، معلنًا ألبانيا "أول دولة ملحدة في العالم".
ومنذ ذلك الوقت: أُغلقت جميع الكنائس والمساجد والأديرة. وحُولت الكنائس إلى مخازن أو صالات رياضية أو إسطبلات. ومُنع أي نشاط ديني علني. و حُظر اقتناء الكتب المقدسة. و سُجن أو أُعدم مئات رجال الدين من مختلف الطوائف. كذلك أصبحت ممارسة الإيمان جريمة يعاقب عليها القانون.
وتعرضت الكنيسة الكاثوليكية بصورة خاصة لاستهداف شديد بسبب ارتباطها التاريخي بالفاتيكان، إذ اعتبرها النظام "جسرًا للنفوذ الأجنبي".
بعد سقوط الشيوعية
مع انهيار النظام الشيوعي في بداية تسعينيات القرن الماضي، استعاد سيموني حريته، وعاد مباشرة إلى خدمة الكنيسة.
ولم ينشغل بالمطالبة بالانتقام أو محاسبة مضطهديه، بل ركز على المصالحة وإحياء الحياة الكنسية في ألبانيا، التي كانت قد خرجت من عقود طويلة من القمع الديني.
وأصبح شاهدًا حيًا على قدرة الإيمان على البقاء رغم محاولات اقتلاعه.
لقاء غيّر البابا فرنسيس
في عام 2014 زار البابا فرنسيس ألبانيا، وهناك استمع إلى شهادة الأب إرنست سيموني عن سنوات السجن والتعذيب.
وقد تأثر البابا بشدة حتى قال لاحقًا إن روايته دفعته إلى البكاء، واصفًا إياه بأنه "شهيد حي" لأن الكنيسة كثيرًا ما تتحدث عن شهداء الماضي، بينما يقف أمامها رجل عاش الاضطهاد بكل تفاصيله وبقي أمينًا للمسيح.
وبعد عامين فقط، أعلن البابا فرنسيس ضمه إلى مجمع الكرادلة، رغم أنه تجاوز السن المعتادة للاختيار، معتبرًا أن الكنيسة تكرم في شخصه جميع الذين احتملوا الاضطهاد من أجل الإيمان.
رسالة غفران لا انتقام
اليوم، وبعد أن تجاوز السابعة والتسعين من عمره، لا يزال الكاردينال سيموني يكرر الرسالة نفسها التي حملها طوال حياته: أن الغفران أقوى من الانتقام، وأن الصلاة من أجل الأعداء ليست ضعفًا بل انتصارًا روحيًا.
ويرى أن المسيحي لا يُقاس بما يحتمله من ألم فحسب، بل بقدرته على أن يحب حتى من أساء إليه، مؤكدًا أن سنوات السجن لم تنجح في انتزاع حريته الداخلية، لأن الإيمان - بحسب تعبيره - لا يمكن أن يُقيَّد بقيود السجون أو جدران الزنازين.
وتبقى قصة الكاردينال إرنست سيموني واحدة من أبرز شهادات القرن العشرين على صمود الكنيسة تحت الاضطهاد الشيوعي، إذ تحولت سنوات العذاب إلى شهادة حيّة على قوة الرجاء والغفران، وأصبحت سيرته رمزًا لعشرات الآلاف من المؤمنين الذين واجهوا القمع في ألبانيا ودول الكتلة الشيوعية، دون أن يتخلوا عن إيمانهم أو رسالتهم.
