سقوط أوراق المنافي: احتجاز محمود فتحي في طرابلس يربك حسابات شبكات العنف
الثلاثاء 21/يوليو/2026 - 10:02 ص
طباعة
حسام الحداد
تتلقى الشبكات التنظيمية المرتبطة بالتيار الإسلامي الحركي في المنافي ضربة جديدة في العاصمة الليبية طرابلس، عقب توقيف القيادي السلفي الراديكالي محمود فتحي وزوجته من مقر إقامتهما بفندق "التوفيق" بمنطقة الظهرة في التاسع عشر من يوليو/تموز 2026. وتكشف هذه الواقعة عن ضيق المساحات التي طالما استغلها غلاة الفكر المتطرف للتخفي والدعم اللوجستي خارج حدود الدولة المصرية، وسط محاولات حقوقية ذات أبعاد سياسية لتصوير الأمر كـ "اختفاء قسري" للتغطية على الحقيقة الإجرائية لاستعادة المطلوبين للقضاء.
ويسقط هذا الاحتجاز الرهان على المناطق الرخوة في الإقليم للهروب من العدالة؛ إذ يعد محمود فتحي أحد أشد الفاعلين راديكالية في مشهد ما بعد عام 2013، حيث انتقل من تأسيس "حزب الفضيلة" السلفي إلى إدارة ما عرف بـ "الخلايا النوعية" وتدشين كيانات متطرفة كـ "تيار الأمة" لتأطير العنف المسلح ضد مؤسسات الدولة والمواطنين. وهو ما جعل القضاء المصري المكتمل الأركان يصدر بحقه أحكاما غيابية بالغة القسوة، على رأسها الإعدام والمؤبد، استنادا إلى تورطه الفعلي في التخطيط والتحريض على أعمال إرهابية استهدفت أمن البلاد واستقرارها.
إن الصراخ الحقوقي والتذرع بـ "مبدأ عدم الإعادة القسرية" أو حمل جنسيات بديلة، لا يمكن أن يعطلا حق الدولة المصرية الأصيل والسيادي في ملاحقة المطلوبين خطرين للعدالة الصادر بحقهم أحكام قضائية نهائية، وفق مبادئ القانون الدولي ومكافحة الإرهاب الشاملة. وتضع هذه التطورات السلطات الأمنية في طرابلس أمام اختبار حقيقي لإثبات جديتها في تطهير أراضيها من عناصر التهديد الإقليمي، والتعاون الفعال مع الدولة المصرية لإنفاذ القانون وضمان عدم تحول المنطقة إلى ملاذات آمنة لقادة الإرهاب والفارين من وجه العدالة.
مرحلة التمكين والتجييش:
شكلت الفوضى السياسية التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 البيئة الخصبة لظهور الشريحة الأشد راديكالية داخل التيار السلفي؛ حيث برز اسم المهندس محمود فتحي مع تدشينه وتوليه رئاسة "حزب الفضيلة". لم يكن الحزب في جوهره سوى ذراع حركية متقدمة تغلف أيديولوجية غلاة القطبيين والتكفيريين بظاهر حزبي مرخص، مستغلين حالة الانفتاح الإجرائي آنذاك لنشر أفكار التجييش العقائدي والتشكيك في مؤسسات الدولة الوطنية.
وخلال فترة حكم الجماعة الإرهابية، اتضح الدور الوظيفي لمحمود فتحي وحزبه كحلقة وصل بين السلفية الحركية والخلايا الأكثر عنفا وجاهزية للصدام. فبدلا من الانخراط في عملية سياسية مدنية مسؤولة، سخر فتحي منصة الحزب لترويج الخطاب التكفيري ومهاجمة القضاء والشرطة والقوات المسلحة، معتبرا الدولة الوطنية بمؤسساتها الراسخة خصما يجب تفكيكه لإقامة مشروعهم الأيديولوجي الخاص.
ومع اندلاع ثورة الثلاثين من يونيو 2013 وتداعي عرش الجماعة أمام الإرادة الشعبية الكاسحة، نزع فتحي القناع الحزبي تماما، ليتصدر ما سمي بـ "التحالف الوطني لدعم الشرعية". لم يكن هذا التحالف سوى غرفة عمليات مركزية لإدارة الصدام المسلح، وتوجيه العناصر التنظيمية نحو محاصرة المنشآت الحيوية وترويع المواطنين في الشوارع، في محاولة يائسة لفرض خيارات الجماعة بالقوة وعلى حساب دماء المصريين.
لقد كشفت التحقيقات والأحكام القضائية اللاحقة أن أدوار فتحي في تلك المرحلة تجاوزت مجرد الخطابة الشفهية؛ حيث شارك بصورة مباشرة في التخطيط والقيادة الميدانية لأعمال العنف والتجمهر المسلح، ممهدا الطريق لولادة ما عرف لاحقا بـ "الخلايا النوعية". وهي المسيرة التي انحرف فيها من الممارسة السياسية إلى التحريض المباشر على الإرهاب، مما جعل ملاحقته قضائيا واجبا سياديا لحماية أمن القوم المصري.
المنافي المأجورة:
عقب انهيار مشروع الجماعة الميداني وإجهام مخططاتها داخل مصر صيف عام 2013، اختار محمود فتحي طريق الفرار والتخفي، مقتفيا أثر قيادات التنظيم الدولي ومجموعات العنف المسلح نحو الأراضي التركية. ولم تكن إسطنبول مجرد محطة لجوء سياسي، بل تحولت بتحركات فتحي والرعاة الإقليميين إلى منصة إسناد لوجستي وإعلامي، وفرت له غطاء آمنا لإعادة ترتيب الصفوف وتنظيم صفوف الفارين من أحكام العدالة المصرية، وصولا إلى حصوله على الجنسية التركية كدروع حماية إضافية للالتفاف على الملاحقات الأمنية والقانونية الدولية.
وفي تركيا، اتبع فتحي استراتيجية التحور التنظيمي للخروج من عباءة "حزب الفضيلة" المترهلة إلى تدشين كيانات هجينة ذات طابع راديكالي كـ "تيار الأمة" و"تحالف القوى الثورية". لم تكن هذه المسميات سوى واجهات إعلامية وسياسية لتجميع شتات عناصر السلفية الجهادية والقطبيين الجدد، بغرض إعادة ضخ أدبيات العنف وتوفير الدعم المالي والفكري للمجموعات العنقودية والخلايا النوعية المسلحة التي كانت تحاول ضرب الاستقرار الداخلي في مصر خلال سنوات المواجهة.
ولم يقف نشاط فتحي عند التجييش التنظيمي، بل اعتلى الشاشات الفضائية المحسوبة على التيار الإسلامي والمنصات الرقمية لشن حرب نفسية وإعلامية شرسة ضد مؤسسات الدولة المصرية. اتسم خطابه الإعلامي بنبرة حادة تحرض علنا على الخروج المسلح، وتشرعن عمليات استهداف رجال القوات المسلحة والشرطة والقضاة، مستغلا المساحات الإعلامية المفتوحة لترويج الشائعات وتفكيك السلم المجتمعي تحت دعاوى النضال السياسي والثوري المزيف.
إن القراءة الفاحصة لنشاط محمود فتحي خلال سنوات إقامته في الخارج تؤكد أنه لم يمارس معارضة سياسية بالمعنى المستقر في الأدبيات الدولية، بل أدار حراكا إرهابيا عابرا للحدود يجرمه القانون الدولي ومواثيق مكافحة الإرهاب. فقد سخر كافة أدواته الإعلامية والتنظيمية في الخارج لتسهيل حركة العناصر المتطرفة عبر الحدود والإشراف على المخططات العدائية ضد الوطن، مما جعل قضية استعادته وإنفاذ سيادة القانون المصري بحقه مسألة وقت وحتمية إستراتيجية لحماية الأمن القومي.
قصاص العدالة الناجزة:
لم تكن أحكام القضاء المصري الصادرة بحق محمود فتحي نتاج خلاف سياسي أو محاكمة لآراء وفكر، بل جاءت تتويجا لمسار قضائي استوفى كافة أركانه القانونية، كشف فيه الأدلة الدامجة عن تورطه المباشر في تأسيس وإدارة مجموعات مسلحين وإمدادها بالسلاح والمال. لقد وضعت المؤسسة القضائية الشامخة خطا فاصلا بين حرية التعبير الجائزة، وبين أفعال التخطيط والتنفيذ لمخططات إرهابية استهدفت ترنيخ أمن البلاد ومؤسساتها، ليقف فتحي أمام أدلة إدانة وثقها التحقيق الناجز قبل أن تصدر محاكم الجنايات أحكامها الرادعة بحقه.
وتقف في صدارة هذا السجل الجنائي الأسود الأحكام القضائية الغيابية الباتة الصادرة بالإعدام شنقا، وفي مقدمتها الحكم الصادر في القضية الشهيرة إعلاميا بـ "أحداث المطرية والخلايا النوعية". حيث أثبتت تحريات الأجهزة الأمنية وشهادات الشهود وقرائن التحقيقات قيام فتحي—منذ فراره للخارج—بإدارة غرفة عمليات توجيهية وإعطاء أوامر مباشرة لقيادات الميدان لتشغيل عبوات مفرقعة، وتدريب عناصر مسلحة، واستهداف المنشآت الشرطية والحيوية بهدف إسقاط الدولة وإشاعة الفوضى المسلحة في أزقة وشوارع العاصمة.
ولم تتوقف قائمة الإدانات عند حكم الإعدام، بل امتدت لتشمل أحكاما متعددة بالسجن المؤبد تراكمت عقوباتها لتتجاوز عشرات السنين في قضايا متعددة ترتبط بالتجمهر المسلح، والتحريض على العنف، وتأسيس جماعات على خلاف أحكام القانون والدستور. وتؤكد هذه السلسلة من الأحكام المتلاحقة السلوك الإجرامي الممتد للقيادي السلفي، والذي استمر من مقر إقامته بتركيا في استخدام الأدوات الإعلامية والتنظيمية لتغذية الصدام المسلح وإحياء شبكات العنف داخل مصر.
واستكمالا للإجراءات السيادية وحماية للمنظومة المالية والمجتمعية من اختراقات التمويل الإرهابي، أدرج اسمه رسميا وبشكل بات على قوائم الإرهابيين والكيانات الإرهابية الصادرة عن الدوائر القضائية المختصة. يمثل هذا الإدراج الحاسم تتويجا قانونيا يوجب ملاحقته وتجميد أصوله عبر آليات التعاون الدولي، ليبقى محمود فتحي فارا من العدالة ومطلوبا جنائيا وفق كافة المعايير الدولية والوطنية، حتمية ضبطه وإنفاذ العقوبة بحقه هي مسألة استحقاق لحقوق الشهداء ولفرض سيادة القانون.
