حروب الفضاء المعتم: كيف يعيد "داعش - خراسان" تعريف الإرهاب الهجين والذئاب السيبرانية؟

الثلاثاء 21/يوليو/2026 - 10:44 ص
طباعة حروب الفضاء المعتم: حسام الحداد
 

شهدت خريطة الإرهاب الدولي خلال العقد الأخير تحولا بنيويا حادا غير ملامح المواجهة الأمنية برمتها؛ حيث انتقلت التنظيمات المسلحة—وفي مقدمتها "تنظيم الدولة الإسلامية - ولاية خراسان" (ISKP)—من مرحلة "السيطرة المكانية" وتأسيس أقاليم الجغرافيا السياسية التقليدية، إلى مرحلة "التهديد الهجين والتأثير عبر الفضاء السيبراني المعتم". إن هذا التحول الاستراتيجي لم يأت نتيجة هزائم ميدانية عابرة فحسب، بل يعكس إدراكا عميقا لدى التنظيم بأن معركة البقاء والتأثير لم تعد تتطلب الدفاع عن حدود جغرافية مكشوفة أمام الضربات الجوية، بل تتطلب بناء جغرافيا افتراضية موازية تتجاوز الحدود والمراقبة الأمنية. وفي هذا السياق، لم تعد الخطورة العملية لـ "داعش - خراسان" تنحصر في ملاذاته الميدانية المؤقتة في جبال أفغانستان وجنوب/وسط آسيا، بل باتت تكمن في قدرة ذراعه الإعلامي المطور—وعلى رأسها "مؤسسة العزائم للإنتاج الإعلامي"—على التحول إلى مركزية إعلامية لا مركزية ومتعددة اللغات تخاطب المجتمعات الغربية والإقليمية بلغاتها الأم وتخترق بنيتها الرقمية بمرونة فائقة.

تتزامن هذه الديناميكية الجديدة مع تصاعد التحذيرات الصادرة عن أجهزة الاستخبارات ومراكز الرصد الدولية (مثل MEMRI ومجلة Homeland Security Today)، والتي تسلط الضوء على موجات مكثفة من الحملات السيبرانية التي تستهدف المناسبات الرياضية والثقافية الكبرى في الغرب عبر تحريض "الذئاب المنفردة الموجهة رقميا". إن هذا المقال التحليلي يقدم قراءة نقدية متعمقة لتفكيك هذه التحولات، بدءا من تفكيك الهندسة اللوجستية للبروباغندا الرقمية لـ "مؤسسة العزائم"، مرورا بتحليل معادلة "الرعب الموفر" واستغلال التغطيات الإعلامية المضمونة، وصولا إلى تقييم الثغرات الهيكلية في السياسات الأمنية الغربية التي ما زالت تعتمد على أدوات تقليدية في مواجهة حرب نفسية وإلكترونية غير متكافئة.

 

هندسة البروباجندا الرقمية:

تمثل "مؤسسة العزائم للإنتاج الإعلامي"، الذراع الدعائي لتنظيم "داعش - خراسان" (ISKP)، نموذجا متطورا لما يمكن تسميته بالجيل الثالث من الإعلام الجهادي، حيث تجاوزت الفكرة التقليدية للمكاتب الإعلامية المركزية التي تعتمد على تحرير البيانات ونشرها ببطء. لقد تحولت المؤسسة إلى "مكينات إنتاج لا مركزية" شبيهة بالشركات الإعلامية العابرة للقارات، تعتمد على التقسيم الدقيق للعمل، والتأطير الثقافي الموجه، والاستغلال الذكي للبنية التحتية المفتوحة للإنترنت. لم يعد الهدف مجرد المخاطبة العقائدية لأنصار التنظيم، بل بناء بيئة جذب رقمية متكاملة قادرة على التكيف السريع مع آليات الحجب والتعقب الأمنية الدوليين.

في سياق التعددية اللغوية، ابتكرت "العزائم" استراتيجية اختراق ثنائية الأبعاد تعتمد على كسر الحواجز اللسانية، حيث أوجدت شبكة معقدة من المترجمين والمحررين الاصليين (Native Speakers) أو المستعينين بتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة للترجمة وصياغة الخطاب. لم يعد الخطاب محصورا في اللغة العربية أو البشتونية؛ بل يمتد اليوم لأكثر من عشر لغات بينها الإنجليزية، الفرنسية، الطاجيكية، والأوردو. الخطورة هنا لا تكمن فقط في ترجمة النصوص حرفيا، بل في "التكييف الثقافي للرسالة" (Cultural Adaptation)؛ فالخطاب الموجه لشباب من أصول مغاربية في فرنسا يركز على قضايا التهميش والتضييق على الهوية، بينما يستغل الخطاب الموجه لطاجيكستان والداخل الآسيوي نقمة الطبقات الفقيرة من سياسات الحكومات المحلية، مما يسهل غرس بذور الراديكالية في بيئات متباينة كليا.

أما على صعيد البنية التحتية والهروب من الملاحقة الرقمية، فقد طورت "العزائم" مرونة تقنية استثنائية استجابة لموجات الإغلاق المكثفة التي فرضتها أجهزة الاستخبارات والشركات التكنولوجية على منصات مثل "تليجرام". انتقل التنظيم تدريجيا نحو بناء "منظومة الاتصال الهجين" التي تجمع بين المنصات مفتوحة المصدر مثل (Rocket.Chat) والتطبيقات المشفرة ذاتيا ذات السيرفرات الخاصة، وصولا إلى إنشاء معاقل ثابتة في الويب المظلم (Dark Web). كما يعتمد التنظيم تكتيك "التوزيع المتشعب" (Torrenting & File-hosting) عبر رفع المواد على شبكات تخزين سحابية موزعة وغير ممركزة، مما يجعل عملية المحو النهائي للمادة التحريضية أمرا شبه مستحيل، ويضمن دوام وصول المواد للشبكات العنقودية التابعة له.

تتوج "العزائم" هذه الهندسة بأسلوب إنتاج بصري احترافي يعتمد على "تجميل الجريمة" ومخاطبة العاطفة البصرية للجيل الرقمي الجديد (Gen Z). تعتمد المادة الصورية والفيديوية على تقنيات المونتاج السينمائي الحديث، واستخدام المؤثرات الصوتية والموسيقى الحماسية المصممة بعناية، محاكاة لثقافة ألعاب الفيديو القتالية الشهيرة (مثل Call of Duty) وملصقات الأفلام الهوليوودية. هذا الشحن البصري لا يستهدف الإقناع الفكري الأيديولوجي العميق بقدر ما يستهدف "استثارة الدوبامين والتحدي" لدى الشباب واليافعين؛ حيث يقدم "الجهاد" في صورة تجربة إثارة ومغامرة وبطولة فردية تتجاوز واقع الإحباط أو الاغتراب النفسي الذي يعيشه الفرد، وهو ما يسهل تحويل المشاهد الفضولي إلى منفذ محتمل لعملية إرهابية.

 

معادلة "الرعب الموفر":

تمثل استراتيجية تركيز التهديدات على الفعاليات الرياضية والمناسبات القومية الكبرى—مثل بطولات كأس العالم، والألعاب الأولمبية، والتجمعات الثقافية الضخمة في العواصم الغربية—ذروة ما يمكن تسميته بـ "البراغماتية الإرهابية" لدى التنظيمات الجهادية المعاصرة. لم يعد التركيز على هذه الأهداف يستلزم بالضرورة القدرة التنفيذية على اختراق التحصينات الأمنية المعقدة لتلك الفعاليات؛ بل إن التنظيمات، وعلى رأسها "داعش - خراسان"، أدركت أن مجرد "ربط اسم التنظيم" بحدث يحظى بمتابعة ملايين البشر كفيل بتحقيق نتائج استراتيجية تعادل—في أثرها النفسي والإعلامي—تأثير العمليات الميدانية المكلفة، وذلك بأقل تكلفة لوجستية مادية ممكنة.

تتجاوز الرمزية السياسية والثقافية لهذه الاستراتيجية مفهوم التهديد العسكري المجرد؛ إذ ترى أدبيات التنظيم المتطرف في التجمعات الرياضية والثقافية الغربية تجسيدا لما تصفه بـ "النموذج الحضاري المنافس" ولحظات تلاحم اجتماعي غربي يجب تعكير صفوها. إن بث تهديد موجه لمباراة كرة قدم أو حفل افتتاحي لا يستهدف إيقاع الخسائر البشرية فحسب، بل يهدف إلى ضرب مفهوم "الأمن والرفاهية" الذي تعتز به المجتمعات الغربية. تتحول المناسبة العالمية هنا من مساحة للاحتفال الإنساني إلى منصة مفتوحة يفرض فيها حضور التنظيم رغما عن الجميع، محولا الرمزية الثقافية للهوية الغربية إلى نقطة ضعف يتم الالتفاف عليها رمزيا ونفسيا.

من زاوية أخرى، تعتمد هذه الاستراتيجية على آلية "التطفل الدعائي المضمون" (Parasitic Propaganda)؛ حيث يدرك القائمون على الماكينة الإعلامية للتنظيم أن وسائل الإعلام العالمية تقع تحت ضغط التغطية اللحظية والاستباقية لأي مخاطر أمنية قد تمس الفعاليات الكبرى. بمجرد إطلاق ملصق تحريضي أو بياني سيبراني غامض من قبل مؤسسة إعلامية متطرفة، تتسابق وكالات الأنباء والقنوات الفضائية للحديث عنه وتحليله. تمنح هذه التغطية مكافأة مجانية للتنظيم تقدر بملايين الدولارات من الإعلانات والحضور الإعلامي، مما يرسخ انطباعا زائفا لدى الرأي العام العالمي بضخامة إمكانياته، ويضمن بقاء اسمه حيا في المشهد الدولي دون الحاجة لخلية مسلحة واحدة على الأرض.

تختتم هذه الاستراتيجية بتحقيق هدف حيوية آخر وهو "الإرهاق المستمر واستنزاف الموارد" للأجهزة الأمنية والاستخباراتية (Attrition Strategy). تسهم التهديدات الرقمية القادمة من الفضاء السيبراني في إدخال الأجهزة الأمنية في الدول المستضيفة في حالة استنفار دائم ومعضلة حقيقية؛ إذ لا يمكن لأجهزة الأمن تجاهل أي تهديد حتى لو استشفت أنه مجرد حرب نفسية. يؤدي ذلك إلى رفع ميزانيات التأمين إلى أرقام قياسية، ونشر آلاف عناصر الشرطة والجيش، وتثقيل الإجراءات الأمنية على المواطنين والمشجعين. وبذلك، ينجح التنظيم—عبر تصميم صور رقمية بسيطة—في إرباك المنظومات الأمنية الغربية، وإجبارها على خوض مواجهة غير متكافئة تنفق فيها مليارات الدولارات لمواجهة تهديدات أصلها "رسائل افتراضية".

 

ظاهرة "الذئاب الموجهة سيبرانيا":

تمثل تحولات التكنيك الأيديولوجي والعملياتي لتنظيم "داعش - خراسان" نقظة فارقة في تاريخ الحركات المسلحة، حيث تحول التنظيم من نموذج "القيادة والسيطرة المباشرة" إلى مفهوم "الإرهاب غير المتكافئ الميسر سيبرانيا" (Cyber-facilitated terrorism). لقد أدرك التنظيم أن الهياكل التنظيمية الهرمية القديمة أصبحت عبئا أمنيا وسهلة الاختراق، فاستعاض عنها بأسلوب توجيه معنوي وفكري مرن يلغي الحاجة للتراتب القيادي التقليدي. هذا التحول يعني أن الخطورة لم تعد تكمن في قدرة التنظيم على بناء خلايا ميدانية معقدة، بل في قدرته على تحويل الفضاء الرقمي إلى حاضنة تجنيد مفتوحة بلا حدود.

في هذا السياق، تطورت استراتيجية التنظيم من مجرد إرسال مقاتلين مدربين عبر الحدود إلى عملية "تسميم مبرمج للبيئة الرقمية"؛ حيث يتم ضخ مضامين تحريضية مكثفة تستهدف أفرادا يعانون من الفراغ الفكري أو الاغتراب النفسي والاجتماعي داخل المجتمعات الغربية. لا يحتاج التنظيم هنا لتقديم دعم لوجستي مباشر، أو إجراء اتصالات عملياتية معقدة؛ بل يكتفي ببث الفكرة وتوفير "الأدلة الإرشادية" المتوفرة على الإنترنت لتصنيع المتفجرات البدائية أو اختيار الأهداف. تتحول العملية برمتها إلى فعل فردي ينفذ بأسلحة متاحة في الحياة اليومية—كأدوات الطعن، أو الشاحنات، أو المواد القابلة للاشتعال—مما يجعل "فعل الإرهاب" متاحا بأقل جهد لوجستي ممكن.

وتعكس المقارنة بين نموذج الخلايا التقليدية ونموذج الذئاب الموجهة رقميا حجم التحدي الأمني الجسيم الذي يواجه أجهزة الاستخبارات الحديثة؛ فالخلايا التقليدية تعتمد على تسلسل هرمي واتصالات مباشرة وتدريب في معسكرات خارجية وتدفقات مالية معقدة، وهي جميعها أثر خفيف يسهل على الأجهزة الاستخباراتية رصده وتفكيكه قبل التنفيذ. في المقابل، يعتمد نموذج "الذئاب الموجهة رقميا" على توجيه أيديولوجي عام، وأسلحة يومية بسيطة، وغياب تام لأي اتصال عملياتي مباشر مع القيادة المركزية قبل الحادثة، مما يجرد الأجهزة الأمنية من مؤشرات التهديد المبكر (Early Warning Indicators) ويجعل عملية التنبؤ بالهجوم قبل وقوعه أمرا في غاية الصعوبة.

وجه المقارنة

الخلايا التقليدية الموجهة (Directed)

الذئاب المنفردة الموجهة رقمياً (Inspired/Enabled)

القيادة والسيطرة

تسلسل هرمي، اتصال مباشر مع القيادة

توجيه أيديولوجي عام عبر الإنترنت

التأمين اللوجستي

تمويل معقد، تهريب أسلحة وتدريب

أسلحة متوفرة ومتاحة (سيارات، سكاكين، أدوات منزلية)

الانكشاف الأمني

سهل الكشف عبر تتبع الحوالات والاتصالات

صعب الكشف لغياب الاتصال العملياتي المباشر قبل التنفيذ

 

إن النتيجة الحتمية لهذا التحول الاستراتيجي هي نشوء مرحلة "الإرهاب اللا متمركز"، حيث أصبحت المواجهة الأمنية لا تدار ضد تنظيم يمتلك مقرات أو قيادات معروفة يمكن استهدافها، بل ضد شاشات رقمية وتطبيقات مشفرة تخاطب أفرادا معزولين داخل مجتمعاتهم. إن خطورة تنظيم "داعش - خراسان" اليوم لا تقاس فقط بقدراته المسلحة في آسيا الوسطى، بل بمدى نجاحه في تحويل كل هاتف ذكي في العالم إلى منصة إطلاق محتملة لهجوم لا يمكن التنبؤ بحدوثه.

 

قصور المنظومات الأمنية الغربية:

تظهر القراءة النقدية للاستجابة الأمنية الدولية تجاه التهديدات المتصاعدة لتنظيم "داعش - خراسان" أن الاستراتيجيات الغربية الراهنة—رغم نجاحها النسبي في إحباط المخططات المعقدة واختراق شبكات التمويل—ما زالت تعاني من فجوات هيكلية تجعلها قاصرة عن مجاراة المرونة التي تتسم بها الماكينة السيبرانية للتنظيم. إن المعضلة الأساسية لا تكمن في ضعف الإمكانيات التقنية للأجهزة الأمنية، بل في "اعتماد حلول تقليدية لمواجهة تهديدات غير تقليدية"؛ حيث تعامل هذه المنظومات الخطاب الرقمي المتطرف باعتباره مجرد خرق تقني يحل عبر آليات الحظر والحجب، غافلة عن الطبيعة المركبة للحروب النفسية والأيديولوجية التي يتقنها التنظيم عبر الفضاء الافتراضي.

تتجلى أولى هذه الثغرات الهيكلية في "عقم استراتيجية الحظر الرقمي" (Content Removal Strategy)؛ حيث تفرط المؤسسات الأمنية الغربية والشركات التكنولوجية في الاعتماد على تكتيكات إزالة المحتوى وتعطيل الحسابات، وهي آلية أثبتت التقارير الصادرة عن معاهد ومراكز أبحاث أمنية قدرة التنظيم الفائقة على الالتفاف عليها. تمكنت منصات رقمية تابعة للتنظيم، مثل "إعلام" و"العزائم"، من ابتكار آليات تجدد ذكية تعتمد على إعادة إنشاء القنوات والدومينات النطاقية في غضون ساعات معدودة عبر خوادم موزعة وتقنيات تشفير مرنة. تضع هذه الفجوة الأجهزة الأمنية في موقع "المطارد العاجز" الذي يلاحق الأعراض والنتائج دون القدرة على تجفيف المنابع، مما يجعل المعركة الرقمية استنزافا مستمرا للموارد دون تحكم فعلي بمخرجاتها.

تتمثل الثغرة الثانية في "معضلة الانزلاق إلى فخ الضجيج الإعلامي" (Media Hype Dilemma)، وهي المساحة التي يبرع التنظيم في استغلالها لتحقيق أهدافه دون كلفة عملانية. تقع أجهزة أمنية ومؤسسات إعلامية كبرى في سقطة تضخيم البيانات والتصاميم التحريضية الصادرة عن ذراع التنظيم الإعلامي، وتناولها بصيغ سينمائية مرعبة تدفع إلى الذعر العام. وفقا لتقارير صحفية وبحثية صادرة عن مراكز متخصصة في تحليل التهديدات الرقمية، يمنح هذا التهويل الإعلامي الماكينة الدعائية للتنظيم وزنا وحجما يفوق بدارجات قدراته التنفيذية الفعلية على الأرض، ويحقق له مكسبا مجانيا يتمثل في غرس شعور الخوف الشامل لدى المجتمعات الغربية وإرباك صناع القرار الأمني، دون أن يطلق التنظيم رصاصة واحدة.

أما المأزق الأشد عمقا فيكمن في "الاختزال التقني وإهمال البيئة المجتمعية" التي تغذي التطرف. تختزل السياسات الدولية مكافحة الجماعات المتطرفة في حلول تكنولوجية وأمنية صرفة (كخوارزميات الرصد والرقابة الرقمية)، بينما تعزف عن معالجة الدوافع البنيوية الحقيقية للتطرف. تشير القراءة النقدية لديناميات التجنيد إلى أن بيئات الاستقطاب الرقمي تستمد قوتها الأساسية من مشاعر الاغتراب السياسي، والتهميش الاجتماعي، والانتكاسات الاقتصادية التي تعيشها فئات محددة من الشباب، سواء في المجتمعات الغربية أو في أقاليم آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ولن تتمكن أي منظومة أمنية سيبرانية—مهما بلغت دقتها—من كبح هذا التهديد ما لم ترفق باستراتيجيات فكرية واجتماعية تفكك بيئة "القابيلية للتطرف" وتعالج الجذور الثقافية والنفسية التي تحول الأفراد إلى منفذين مفترضين لرغبات التنظيم.

 

خلاصة واستشراف

تؤكد التطورات المتسارعة في بيئة التهديدات الرقمية لتنظيم "داعش - خراسان" أن العالم أجمع يواجه جيلا جديدا من "الإرهاب منخفض التكلفة وعالي الأثر"، حيث أصبحت خطورة التنظيم لا تقاس بعدد مسلحي في ساحات المعارك التقليدية، بل بقدرة منصاته الإعلامية على تحويل الفضاء الرقمي إلى معسكر تدريب مفتوح ومصدر تحريض دائم ينفذ إلى عقول الأفراد المعزولين. إن تجديد الاستجابة الدولية يتطلب مجاوزة ردود الفعل الأمنية التقليدية المعتمدة على الحظر السطحي للمحتوى، والانتقال الفوري نحو استراتيجية وقائية هجينة تجمع بين تفكيك البنية التحتية للشبكات المشفرة في الويب المظلم، وتحصين الفئات المجتمعية الهشة رقميا وأيديولوجيا، مع التزام المؤسسات الإعلامية والأمنية بالحرص الشديد حتى لا تحول "التغطية المضخمة" لملصقات التنظيم إلى دعاية مجانية تحقق له أهدافه في إحداث الفزع واستنزاف الموارد.

شارك