سيكولوجيا الاستقطاب وبلاغة التكفير.. تحليل نقدي للخطاب الإعلامي لتنظيم "داعش"
السبت 25/يوليو/2026 - 06:39 م
طباعة
حسام الحداد
تمثل الأدبيات الإعلامية الصادرة عن الجماعات والراديكاليات المسلحة—وفي مقدمتها تنظيم "داعش"—حقلا خصبا لفهم الميكانيزمات النفسية والفكرية التي تتوسل بها هذه الكيانات لإعادة هيكلة وعي الأفراد وتطويع سلوكياتهم. لا تقتصر الوظيفة الاتصالية لنصوص مثل افتتاحيات صحيفة "النبأ" على مجرد التجييش العسكري الميداني أو التعبئة السياسية العابرة، بل تتعداها إلى ممارسة عمليات "هندسة إدراكية" شاملة تعيد رسم خارطة المفاهيم الأخلاقية والدينية لدى المتلقي. وفي هذا السياق، تأتي الافتتاحية المعنونة بـ "توهب لك الحياة"، الصادرة في العدد (557) بتاريخ الخميس 9 صفر 1446 هـ (الموافق 23 يوليو 2026 م)، لتقدم نموذجا تطبيقيا شارحا لبلاغة العنف والتطرف، حيث يسعى النص إلى تفكيك البنية النفسية الفطرية للإنسان، ومحو المسافة الفاصلة بين قيم الاقتتال الغريزي وبين التكليف الشرعي، تمهيدا لتحويل أفعال القتل والتضحية بالذات إلى مطلبية أخلاقية وغاية روحية أسمى.
تكتسب قراءة هذا النص في هذا العدد بالتحديد أهمية استثنائية بالنظر إلى توقيته وسياقاته البنائية؛ إذ إنه يتجاوز النمط الوعظي التقليدي ليصيغ منظومة مغلقة من الإكراه المعنوي والفكري. يعتمد المقال المذكور على استراتيجيات متقاطعة تتضافر فيها الدغدغة العاطفية، والتوظيف الجزئي المبتسر للنصوص الدينية، والتأسيس لمنطق جبري يلغي كل إمكانية للتفكير النقدي أو الموقف الفكري المحايد. ومن هنا، يهدف هذا التحليل النقدي إلى تفكيك الارتكازات الأربعة الأساسية التي بنيت عليها افتتاحية هذا العدد (الهندسة النفسية لثنائية الحياة والموت، الاستغلال الانتقائي للتراث، التحفيز بالذنب والشيطنة، والتقعيد الجبري الصفري)، للكشف عن آليات الاشتغال الإيديولوجي التي تحل العنف محل البناء، وتجعل من الفناء الجسدي أداة نفعية في خدمة المشروع السياسي للتنظيم.
الهندسة النفسية والمفهوم العكسي لـ "الحياة والموت"
تمثل هذه الافتتاحية نموذجا صارخا للهندسة النفسية التي تعتمدها التنظيمات المتطرفة لإعادة تشكيل الوعي الفردي، حيث ترتكز على إحداث انزياح مفاهيمي حاد لثنائية (الحياة والموت) وتجريدها من معانيها السوية. يبدأ النص هذه اللعبة اللغوية والنفسية من العنوان المباشر "توهب لك الحياة"، ليرسخ مفارقة مفاهيمية ذات طابع أورويلي صارم؛ مفادها أن الفعل القتالي المودي بالروح هو المسار الوحيد لنيل "الحياة الحقيقية"، في حين أن ممارسة الحياة الطبيعية بعيدا عن أيديولوجيا التنظيم ليست سوى موت مجازي ملطخ بالذل والهوان. إن هذا التناقض الصريح يعمل على إلغاء الحدود الفاصلة بين البقاء والفناء في عقل المتلقي، مما يسهل إعادة برمجة أولوياته النفسية والوجدانية ليرى في الانتحار أو القتل في المعركة أسمى درجات الوجود.
وفي سياق هذه الهندسة، يسعى النص بخطوات منهجية إلى تحييد غريزة البقاء الفطرية التي أودعها الله في النفس البشرية، من خلال تجريد الحياة الدنيا من أي قيمة ذاتية أو معنى إنساني. يحرص الخطاب على الوصم التحقيري للواقع المادي وتصويره كـ "كذبة" زائلة أو "حياة تشبه حياة الأنعام والدواب"، وهي استراتيجية تهدف إلى تسفيه كافة الطموحات البشرية الطبيعية من استقرار وعمارة للارض وتأسيس للبناء الاجتماعي. هذا التسطيح الممنهج لمفهوم العيش لا ينفصل عن الرغبة في إحداث حالة من الاغتراب النفسي لدى الفرد تجاه مجتمعه، حيث يصور له البقاء الحيوي مجرد عبء أخلاقي لا يرتضيه إلا أصحاب النفوس الدنيئة، مما يضعف الرابط المادي بين العضو وحياته الفطرية.
وبعد تفكيك القيمة الذاتية للحياة وتسفيه غريزة البقاء، ينتقل النص إلى المرحلة الأخيرة من هذه العملية النفسية؛ وهي صياغة "الموت الميداني" كخيار نفعي وأخلاقي مطلق. يقدم الفناء الجسدي هنا ليس بوصفه نهاية للوجود، بل كجسر عبور إجباري ومباشر نحو النعيم الخالد والخلود الأبدي، محولا فعل القتل أو الاستشهاد من مخاطرة مؤلمة تتفرع منها الفجيعة إلى صفقة رابحة يكتسب فيها الفرد كل شيء ويدفع فيها أتفه ما يملك. إن هذا التبسيط العاطفي الماكر يمنح المتلقي الشغوف بالخلاص الديني ذريعة منطقية بظاهرها، مسهلا عليه اتخاذ قرار التضحية بالنفس دون تردد، بعد أن تم تشكيل عقله ليقتنع تماما بأن السعي نحو الموت هو أعظم وأسرع وسيلة لاسترداد "الحياة".
الاستغلال الانتقائي للنصوص الدينية والتراث
تعتمد الصحيفة في بناء شرعيتها الفكرية وترسيخ سرديتها الميدانية على استراتيجية منهجية تعرف بـ (الاستغلال الانتقائي للنصوص)، حيث يتم اقتطاع الآيات القرآنية والأثار التاريخية من سياقاتها الموضوعية والتشريعية الأصلية، وإعادة توظيفها بشكل جزئي لخدمة أهداف التنظيم الإيديولوجية. لا تسعى هذه الممارسات إلى استنباط الأحكام الشرعية وفق القواعد المرعية، بل تهدف حصرا إلى إيجاد غطاء ديني يشرعن العنف الممنهج، عبر تقديم النصوص بصورة مجتزأة تبدو للعامة وكأنها تدعم خيارات التنظيم بشكل قاطع، مما يعطل العقل النقدي ويمنع المتلقي من إدراك السياق الحقيقي للآثار المروية.
وفيما يتعلق بتوظيف الخطاب القرآني، عمد النص إلى استدعاء آيات متعددة من سور مختلفة مثل آل عمران والتوبة والأحزاب، ومزجها بتفاسير مقتطعة ومبسورة من مراجع معتبرة كـ تفسير الطبري وابن كثير. لكن هذا الاستدعاء لم يكن لأجل التدبر أو بناء منظومة تشريعية متكاملة، بل لخدمة غرض واحد ومحدد؛ وهو فرض فرضية الاستقطاب الحاد وتقسيم المجتمع إلى فسطاطين لا ثالث لهما: فسطاط "القتال" الذي يمثل الإيمان الخالص، وفسطاط "النفاق أو الجبن" الذي يمثل الخذلان. هذا الاستقطاب المفتعل يوظف النص الديني كأداة إكراه معنوي ترهب الأفراد وتدفعهم نحو خيار المواجهة المسلحة خوفا من الوصم بالردة أو النفاق.
أما على مستوى توظيف السيرة والتاريخ الإسلامي، فقد لجأ المقال إلى استدعاء محطات رمزية ووقائع فارقة، مثل أثر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في استشهاد أبيه وما جرى من حوار حول تمني الرجوع للدنيا، فضلا عن استحضار مقولة خالد بن الوليد رضي الله عنه الشهيرة على فراش الموت ("فلا نامت أعيان الجبناء"). يكمن التوظيف المغالط هنا في عملية إسقاط تعسفية لواقع الصحابة الكرام -الذين قاتلوا تحت راية نبوية جامعة وفي سياق الدفاع عن الأمة ودولة الإسلام النشأة- على سياق تنظيمي معاصر ومارق يفتقر لأدنى مقومات الشرعية الفقهية والمقاصدية، وذلك بهدف إسباغ هالة من القداسة البطولية على قتال التنظيم وربط أفعاله العنيفة بأمجاد السلف الصالح.
التحفيز بالشعور بالذنب واستثارة العاطفة
يمارس النص خطة محكمة للضغط النفسي المكثف على المتلقي، حيث يستبدل المحاكمة العقلية والتحليل الفقهي بالدغدغة العاطفية والتلاعب بقيم "الغيرة والشرف". يعتمد الخطاب على إحداث حالة من الاستفزاز النفسي المباشر، عبر استعراض لغة دراماتيكية مشحونة تسعى لتجريد القارئ من اتزانه العاطفي، وإجباره على التفاعل السريع مع الطرح دون إعمال التفكير النقدي. تصمم هذه الاستثارة العاطفية لتضع المسلم أمام مواجهة قاسية مع ضميره، حيث يصور له أن أي تأني أو تردد في دعم التنظيم أو الالتحاق بصفوفه ليس سوى تنازل عن كرامته ونخوته الإنسانية والدينية.
وفي إطار هذا التلاعب، يأتي التركيز المكثف على "وتر الانتهاكات" كأداة رئيسية لتوليد مشاعر العار والذنب لدى المتلقي، من خلال استخدام جمل محفزة ومثيرة للغضب مثل: "تنتهك أعراضهم، وتدنس كرامتهم... ومقدسات الكافرين قد دنست". يراد من هذه المشهديات القاسية إشعار القارئ القاعد بـ "الذنب الأخلاقي" وتأنيب الضمير المستمر، وتصوير عيشه الهادئ أو اهتمامه بشؤونه اليومية كشكل من أشكال الخيانة والتواطؤ مع المعتدين. هذا الإسقاط النفسي يهدف إلى دفع القارئ نحو الاعتقاد بأن الوسيلة الوحيدة للتكفير عن هذا "العار المفتعل" وغسل ذنب الخذلان هي الانخراط الفوري في أنشطة التنظيم والامتثال لأوامره.
ولا تكتمل هذه الاستراتيجية النفسية إلا بـ "شيطنة المجتمع والمخالفين"، حيث يلجأ النص إلى تجريد القاعدة الجماهيرية العريضة من أهليتها الإيمانية، من خلال وسم المجتمعات المسلمة التي لم تلتحق بصفه بأنها تعيش حالة من "الوهن" و"الغثائية". كما يسقط صفات قدحية كـ "النكوصيين" و"الجبناء" على كل من يتخذ موقفا مغايرا أو يرفض العنف الممنهج. تهدف هذه الشيطنة الممنهجة إلى إحداث عملية "قطع اجتماعي ونفسي" بين الفرد ومحيطه الأسري والمجتمعي، عبر تشويه صورة المجتمع وتصويره كمجتمع متخاذل لا يستحق الانتماء، مما يدفع الفرد للانعزال التدريجي والارتماء التام في أحضان البيئة المغلقة للخطاب المتطرف بوصفها المأوى الوحيد للكرامة والشرعية الإيمانية.
التقعيد الجبري والمفاصلة الصفرية
تشكل بؤرة التحليل الأخير للخطاب ملمحا عقائديا ونفسيا خطيرا يقوم على صياغة معادلة فكرية مغلقة، تزاوج بين التفسير الجبري للقدر والمفاصلة الصفرية للواقع. لا يكتفي النص بالتحفيز العاطفي أو التوظيف النصي، بل يسعى لتأسيس "منطق ذهني محكوم" لدى القارئ يلغي منطقة التردد أو الحسابات العقلانية، وذلك عبر نسج منطق سلكي يتوسل بالفلسفة القدرية الصارمة، ليضع المتلقي أمام حتمية لا فرار منها: إما القبول بالمنظومة القتالية كخيار وجودي كامل، أو الخضوع لوصم التخاذل والمهانة.
وفكرة "الحتمية القدرية الموجهة" توظف كأداة تخدير نفسي فعالة؛ حيث يصر النص على ترسيخ مقولة "أن الحذر لا ينجي من القدر"، وأن أجل الإنسان مكتوب ومحدد بدقة لا تزيد ولا تنقص، سواء خاض معامع الحرب أو لزم فراشه وآثر السلامة. يستخدم هذا الطرح الجبري لتفكيك حاجز الخوف الطبيعي من الموت الميداني وتجريده من رهبته، عبر إقناع الفرد بأن البقاء على قيد الحياة ليس خيارا يصنعه الحذر، وأن الفناء حتمي على كل حال. وبذلك يعاد تأطير الموت في المعركة بوصفه "صفقة تجارية محسوبة" ومربحة، تحول الفعل القتالي الخطر من فجيعة مجردة إلى نقطة عبور أضمن لحصد عائد أخروي مضاعف بنفس الثمن الزمني المحدد سلفا للأجل.
وتكتمل هذه البنية الذهنية عبر فرض نمط "التفكير الصفري" الذي يختتم به النص خطابه بصيغة استقطابية قاطعة، متجسدة في المعادلة التأطيرية: "إما أن تقتل فتبلغ القمة، أو تموت على الفراش كالأنعام". يعمد هذا المنطق الجازم إلى إلغاء التعدديات وتقسيم الواقع المعقد إلى فئتين متناقضتين لا وجود لثالث بينهما: فئة "المجاهد الغيور" الذي يمتلك الحقيقة والشرعية، وفئة "الجبان المتخاذل" الذي ارتضى الذل والمهانة. إن هذا الحصر الحاد يضع المتلقي تحت ضغط حتمي يلغي خيارات الاعتدال أو الموقف المحايد، مما يدفعه دفعا للانحياز للطرف القتالي إثباتا لإيمانه وهروبا من تصنيفه في فئة الخانعين.
خاتمة
تأسست هذه الافتتاحية -في مجمل بنيتها الفكرية والنفسية- لا بوصفها مجرد مادة نصية حماسية، بل باعتبارها أداة شحن إيديولوجي ومواساة نفسية تصدرها مثل هذه التنظيمات في مواجهة أزمات الانكماش والتراجع الميداني. إن التركيز المكثف على مقولات من قبيل "القتل ليس خسارة" وأن "النصر الحقيقي مؤجل للآخرة" يكشف عن محاولة مكشوفة لامتصاص حالات الإحباط والتسرب في صفوف القواعد التنظيمية، وإعادة صياغة الهزائم العسكرية على أنها "تمحيص واختبار إلهي" يفرز الصادق من المتردد. وتكمن الخطورة الفائقة لهذا الخطاب في قدرته الماكرة على تسليف المسائل الإيمانية القاطعة (كالقضاء والقدر وحتمية الأجل) وتطويعها لخدمة غايات سياسية وقتالية لتنظيم يمارس العنف العابر للحدود؛ وهو ما يؤكد أن المواجهة الحاسمة مع هذا الفكر لا تقف عند حدود التفنيد الأمني، بل تتطلب بالضرورة مواجهة تفكيكية شجاعة على المستويين الفقهي والمقاصدي، تعيد للحياة الإنسانية حرمتها وفطرتها، وترد النصوص الشرعية إلى سياقاتها التنزيلية الصحيحة بعيدا عن أوهام الاستغلال والتأطير القتالي.
