من لندن إلى غزة.. العقوبات الأمريكية وتفكيك أسطورة الفصل بين الإخوان وحماس

السبت 25/يوليو/2026 - 09:31 م
طباعة  من لندن إلى غزة.. حسام الحداد
 
تمثل القرارات الأخيرة الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية بإدراج القيادي البارز في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، محمود الأبياري، إلى جانب شبكة من الأفراد والكيانات الخيرية والتجارية الممتدة بين إندونيسيا وتركيا وغزة، محطة مفصلية في مسار المواجهة الغربية مع شبكات التمويل العابرة للحدود. لا تكمن الأهمية الجوهرية لهذا التصنيف في مجرد إضافة أسماء جديدة إلى قوائم الإرهاب الحظرية، بقدر ما تعكس تطورا بنيويا في المقاربة الاستخباراتية والمالية الأنجلو-أمريكية؛ حيث انتقلت الأجهزة الرقابية من التتبع التقليدي للأنشطة العسكرية والميدانية المباشرة إلى خنق "المساحات الرمادية" المعقدة، والتي تتداخل فيها أنشطة الإغاثة الإنسانية والعمل التجاري مع التمويل السياسي واللوجستي لحركة حماس.
تكمن الخطورة التحليلية لهذا القرار في كونه يسحب الغطاء عن شبكة التمويل الممتدة التي تربط بين القيادات الإدارية والتنفيذية للإخوان المسلمين المقيمة في العواصم الغربية—وعلى رأسها لندن—وبين البنى التشغيلية للحركات المسلحة في الشرق الأوسط. إن استهداف شخصية بحجم الأبياري، إلى جانب مؤسسات واجهة مثل شركة "القاهرة للتجارة العامة" في تركيا وجمعيات إغاثية في جنوب شرق آسيا، يسقط عمليا أطروحة "الفصل الوظيفي والتنظيمي" التي طالما روجت لها الجماعة في الدوائر الغربية، ويدفع الدول المستضيفة إلى مأزق سياسي وقانوني حرج يتعلق بمدى جدية الامتثال لقواعد منع تبييض الأموال وتمويل الإرهاب عبر أراضيها.

تجسير "المساحة الرمادية": من التنظيم الدولي إلى الأجنحة المسلحة
تعتمد حركات الإسلام السياسي، وفي صدارتها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وحركة حماس، على بنية شبكية معقدة وعابرة للحدود (Complex Networked Structure) تتيح لها التكيف مع الضغوط الأيولجية والسياسية. هذه الهيكلية لا تخضع لمركزية متصلبة بقدر ما تتشكل من عقد (Nodes) مالية وتنظيمية منتشرة عبر القارات، مما يجعل الفصل بين الأنشطة السياسية والحزبية وبين الإمداد اللوجستي والعسكري أمرا معقدا. يشكل هذا التداخل ما يعرف بـ "المساحة الرمادية"، حيث تتلاقى أهداف التنظيم الدولي الرامية لبناء النفوذ وتوسيع الانتشار، مع الاحتياجات المالية واللوجستية المباشرة للأجنحة المسلحة، وهو ما يمنح هذه الحركات مرونة فائقة في تجاوز الرقابة السيادية للدول الوطنية وتسييل الموارد وتدويرها بعيدا عن أعين الأجهزة الأمنية.
وفي هذا السياق، يشكل الغطاء الخيري والتجاري الشريان الحيوي الأهم لتغذية هذه المساحة الرمادية وحمايتها؛ إذ تحولت المؤسسات الإغاثية، والجمعيات الخيرية، وشركات الواجهة التجارية—مثل شركة "القاهرة للتجارة العامة" في تركيا والجمعيات الأهلية في إندونيسيا—إلى أدوات تمويه فائقة الدقة. تستغل هذه الكيانات لجمع التبرعات وحشد الأموال تحت عناوين إنسانية ومشروعة كإغاثة المتضررين أو دعم الأيتام، لتبدأ بعدها عمليات "غسيل وتوجيه" معقدة عبر تضخيم الفواتير، أو اقتطاع نسب مئوية ثابتة، أو تحويل الأرباح التجارية الناتجة عن استثمارات المساعدات. بهذه الطريقة، تنتزع الصفة المشروعة عن رؤوس الأموال لـ تعاد ضخها في صيانة البنى التحتية العسكرية، مثل تمويل شبكات الأنفاق، والتزود بالتقنيات والاتصالات، ودعم الأنشطة اللوجستية للأجنحة المسلحة دون إثارة الشكوك المصرفية.
علاوة على ذلك، يبرز التوزيع الجغرافي للكيانات المشمولة بالعقوبات الاستراتيجية الأيديولوجية والمالية في اختيار إندونيسيا وتركيا كساحات خلفية وإدارية حاسمة. فالاستفادة من تركيا تأتي بالنظر إلى مركزيتها الاقتصادية ووجود بيئة استثمارية مرنة تتيح تأسيس الشركات التجارية وتدوير الأموال في أسواق العقارات والتجارة العامة، فضلا عن توفر مناخ سياسي وأمني كان يوفر هامشا واسعا للحركة. أما الالتفات نحو جنوب شرق آسيا، وتحديدا إندونيسيا، فيعكس رغبة التنظيم في استغلال التعاطف الشعبي الإسلامي الواسع، بجانب الاستفادة من بيئة تنظيمية مالية محلية ما زالت تفتقر في بعض أجزائها إلى أدوات التتبع الصارمة المطبقة في النظام المالي الغربي. تتيح هذه "البيئات البديلة" للتنظيم تمرير معاملات مالية ضخمة تحت غطاء تجاري وإغاثي مشروع، بعيدا عن أجهزة الرصد المالي الاستكشافية.

دلالات استهداف القيادات العابرة للحدود: "حالة محمود الأبياري"
يحمل إدراج اسم القيادي البارز في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، محمود الأبياري—المقيم في العاصمة البريطانية لندن—على قوائم الإرهاب الأمريكية دلالة استراتيجية تتجاوز مجرد الحظر المالي الفردي. يعد الأبياري أحد الممسكين بالملفات التنظيمية والمالية المعقدة العابرة للحدود، ويتولى أدوارا حشرية في إدارة شبكة العلاقات الدولية للجماعة؛ ومن ثم، فإن استهدافه المباشر يمثل تحولا في المقاربة الغربية نحو تعقب "الهياكل الإدارية العليا" للتنظيم الدولي، ويقطع الطريق على محاولات الاختباء خلف الصفات الاستشارية أو الأدوار الإدارية غير المعلنة التي طالما وفرت حصانة لرموز الجماعة في العواصم الغربية.
يوجه هذا القرار ضربة قاصمة لأطروحة "الفصل التنظيمي والوظيفي" التي دأبت قيادات الإخوان المسلمين في الغرب على تسويقها لعقود. لطالما صقلت الجماعة خطابا موصها للدوائر الغربية يقوم على التمييز الحاد بين "العمل السياسي والإغاثي السلمي" في أوروبا، وبين الأنشطة المسلحة للحركات المرتبطة بها فكريا كحماس في الشرق الأوسط. يأتي هذا التصنيف ليفكك هذه السردية نقديا، مؤكدا وفق التحقيقات الاستخباراتية والمالية أن الحدود الفاصلة بين التنظيم الدولي والأجنحة المسلحة هي حدود وهمية؛ حيث توجد قنوات إمداد لوجستي وتنسيق مالي مباشر تجسر الفجوة بين الخطاب السياسي الناعم في لندن وبين الميدان العسكري في غزة.
على صعيد آخر، يضع هذا الإدراج السلطات البريطانية ودول الاستضافة في مأزق سياسي وقانوني بالغ الحرج مع حلفائها الدوليين. إن ممارسة الأبياري لغالبية أنشطته المشمولة بالتصنيف من داخل الأراضي البريطانية يسلط الضوء على ثغرات آليات الرقابة المالية والأمنية في المملكة المتحدة، ويفرض ضغوطا متزايدة على حكومة لندن لتشديد الخناق على التحركات المالية لرموز التنظيم الدولي المقيمين على أراضيها. كما أن تقاطع هذه الشبكة مع كيانات تجارية في تركيا يضع الدول المستضيفة أمام خيار صعب: إما ملاحقة هذه الشبكات وتفكيكها اتساقا مع قواعد الامتثال المالي الدولي، أو التحول إلى بيئات طاردة للاستثمار نتيجة الخوف من العقوبات الأمريكية الثانوية.

الأثر المباشر والآليات التعويضية للشبكات
على الصعيد الاقتصادي والتشغيلي، يحظر هذا القرار التعامل المالي مع الأشخاص والكيانات المشمولة، مما يتسبب في شلل مباشر لشبكات التمويل الرأسية. تكمن القوة الصارمة لهذه العقوبات في آلية تجميد الأصول (Asset Freezing) الحتمية داخل الولايات المتحدة، فضلا عن منع استخدام المقاصة بالدولار الأمريكي (USD Clearing) في المعاملات المصرفية؛ وهو ما يعطل القدرة التشغيلية لشركات الواجهة—مثل شركة "القاهرة للتجارة العامة"—ويمنعها من تحويل أرباحها الاستثمارية والتجارية إلى حسابات داعمة للأجنحة المسلحة أو الأنشطة اللوجستية.
من جانب آخر، لا تتوقف خطورة القرار عند التجميد المباشر، بل تمتد لتحدث عزلة مالية كاملة عبر تفعيل العقوبات الثانوية (Secondary Sanctions). تضع هذه الآلية المؤسسات والشركات البنكية والتجارية الدولية—خاصة في تركيا وإندونيسيا والمملكة المتحدة—أمام خيار حاسم بين الامتثال الصارم للقوانين المالية الأمريكية أو المخاطرة بالاستبعاد التام من النظام المصرفي العالمي. يترتب على ذلك تفكيك متسارع للشبكة الوسيطة، حيث تسارع البنوك التجارية إلى إغلاق حسابات الكيانات المشبوهة خوفا من تصنيفها كمراكز لتبييض الأموال، مما يحرم الجماعة من الاستفادة من المؤسسات المالية الرسمية.
ورغم هذه الضغوط الصارمة، فإن التقييم التاريخي لشبكات الإسلام السياسي يظهر مرونة عالية (Resilience) وتكيفا سريعا مع بيئات العقوبات المشددة. من المتوقع أن يتجه التنظيم نحو توسيع استخدام الأصول والعملات المشفرة (Cryptocurrencies) لإنشاء مسارات تمويلية لا تمر عبر المقاصات البنكية التقليدية، مع التركيز على العملات الثابتة والشبكات الموزعة التي توفر درجة عالية من التخفي. وتسهل هذه الأصول الرقمية نقل المبالغ الكبيرة بين العواصم الأوروبية وآسيا والشرق الأوسط بسرعة فائقة ودون الحاجة لتسجيل بيانات الهوية لدى البنوك.
إلى جانب الحلول التقنية الحديثة، ستلجأ التنظيمات إلى تفعيل الآليات الموازية التقليدية وعلى رأسها نظام "الحوالة" (Hawala)، وهو نظام مالي غير رسمي قائم على الثقة والتسويات المتبادلة بين كبار شبكات الوكلاء والتجار في الشرق الأوسط وأوروبا وجنوب شرق آسيا. يتيح نظام الحوالة نقل القيمة المالية دون تحريك الأموال فعليا عبر الحدود، مما يلغي الأثر الرقابي للبنك المركزي أو أجهزة الرصد المالي. وأخيرا، سيشرع التنظيم في تكتيك إعادة الإنتاج الهندسي؛ عبر إغلاق الواجهات المكشوفة وتأسيس شركات تجارية ومؤسسات خيرية جديدة بأسماء واجهات وشخصيات اعتبارية غير مدرجة على قوائم المراقبة، لضمان استمرار التدفق المالي إلى حين اكتشافها مجددا.
واخيرا يكشف القرار عن معادلة صفرية جديدة تبنتها واشنطن تجاه التمويل الممتد لحركة حماس في أعقاب التحولات الجيوسياسية والعسكرية الأخيرة بالمنطقة. لم تعد الرقابة تقتصر على الحركة نفسها داخل غزة أو قياداتها المباشرة، بل امتدت لتطال حلقات الوساطة في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
غير أن نجاح هذه القرارات يظل مرهونا بمدى التنسيق الدولي العابر للحدود؛ ففرض العقوبات الأحادية من الجانب الأمريكي، رغم قوته الناعمة والصارمة في النظام المالي العالمي، يظل بحاجة إلى استجابة قانونية وميدانية من الدول التي تستضيف هذه الكيانات والقيادات (كالمملكة المتحدة وتركيا وإندونيسيا). ودون تجفيف النظم المالية الموازية والأنشطة غير الرسمية، ستظل هذه الشبكات قادرة على إنتاج قنوات تمويل بديلة وإن كانت أكثر تكلفة ومعقدة.

شارك