من التمرد إلى الحرب الشبكية: تفاصيل التحولات الاستراتيجية لداعش وبوكو حرام
السبت 25/يوليو/2026 - 09:18 م
طباعة
علي رجب
شهد حوض بحيرة تشاد خلال السنوات الأخيرة تحولات تكتيكية لافتة في أساليب عمل الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم "بوكو حرام" وفصيلها الأكثر تطورا "تنظيم داعش في غرب إفريقيا".
وتأتي هذه التحولات في سياق بيئة عمليات معقدة تتسم بضعف السيطرة الحكومية على الأطراف الحدودية، وتشابك الحدود بين نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون، إضافة إلى الطبيعة الجغرافية الصعبة التي توفرها جزر البحيرة ومستنقعاتها.
مرونة تكيفية في بيئة جغرافية وجيوسياسية معقدة
لا يزال حوض بحيرة تشاد يمثل منطقة معقدة تتشكل بفعل الحدود الرخوة، والفجوات في الحوكمة، والضغوط المناخية على الموارد، والصعوبات الاقتصادية، والنزوح المستمر.
وتسهم هذه العوامل بشكل مباشر في استمرار عمليات التجنيد والعمليات المسلحة، متجاوزة في كثير من الحالات الأيديولوجية البحتة.
وقد أظهرت الجماعات الإرهابية مرونة وقدرة عالية على التكيف في ظل عمليات مكافحة الإرهاب الجارية التي تقودها نيجيريا والقوات الإقليمية.
انبثق تنظيم داعش غرب إفريقيا عن انشقاق تاريخي عام 2016 في جماعة بوكو حرام، وانضم بشكل أوثق إلى توجيهات تنظيم داعش المركزي.
وركزت الجماعة عموما على استهداف الأهداف العسكرية والحكومية، مع بناء علاقات عملية مع المجتمعات المحلية عبر تقديم خدمات شبيهة بخدمات الحكم، والحد من الهجمات العشوائية على المدنيين مقارنة بمراحل بوكو حرام السابقة، وذلك لكسب الدعم واستدامة العمليات في مناطق مثل جزر بحيرة تشاد والأهوار.
أما جماعة أنصار الدولة / بوكو حرام، فقد كانت أكثر عشوائية تجاه المدنيين، لكنها أظهرت عودة للظهور من خلال استغلال تركيز القوات الأمنية على تنظيم داعش في غرب إفريقيا. وتتنافس الجماعتان على الأراضي والموارد والمجندين، بما في ذلك الاشتباكات على جزر بحيرة تشاد لتهريب الأموال وابتزاز السكان، مع وجود تقارب تكتيكي بينهما في بعض الأحيان.
الانتقال إلى "الحرب الشبكية اللامركزية" والتكتيكات الميدانية
أحد أبرز مظاهر التطور التكتيكي يتمثل في الانتقال من نمط "التمرد الريفي التقليدي" إلى نموذج "الحرب الشبكية اللامركزية".
وفقد تراجعت الهجمات واسعة النطاق لصالح خلايا صغيرة مستقلة نسبيا، تعمل وفق منطق الارتباط المرن بدل التسلسل الهرمي الصارم. وهذا التحول سمح للجماعات بزيادة القدرة على البقاء رغم الضربات العسكرية المتكررة، خصوصا من قبل قوة المهام المشتركة المتعددة الجنسيات.
على المستوى العملياتي، برز استخدام متزايد لتكتيكات الكمائن السريعة على الطرق الريفية ومسارات التجارة المحلية، مع اعتماد مكثف على العبوات الناسفة البدائية لتعطيل حركة القوات النظامية. كما توسعت العمليات الليلية المحدودة التي تستهدف القرى النائية، بما يحقق هدفين أساسيين: تقليل احتمالية الاشتباك المباشر مع القوات النظامية، ورفع التأثير النفسي على السكان المحليين.
في المقابل، ما تزال بوكو حرام تعتمد بشكل أكبر على التكتيكات غير المنتظمة مثل الهجمات الانتحارية، والخطف الجماعي، واستهداف المدنيين كوسيلة لبث الرعب وإظهار القدرة على الوصول.
ومن الناحية الجغرافية، شكلت جزر بحيرة تشاد ملاذا مثاليا لتطوير نموذج "التمركز المتحرك"، حيث تستخدم الجماعات التضاريس المائية لتغيير مواقعها بسرعة، وتفادي الرصد الجوي والاستخباري. كما ساعدت الكثافة السكانية المتناثرة وضعف الخدمات الحكومية في هذه المناطق على توفير بيئة حاضنة نسبيا للأنشطة اللوجستية والتمويل الذاتي عبر الزراعة والصيد والابتزاز.
التكيف التكنولوجي واقتصاد العنف والحوكمة الميدانية
شهدت القدرات التقنية للجماعات تطورا ملحوظا؛ حيث تزايدت التقارير عن استخدام الطائرات المسيرة لأغراض الاستطلاع والدعاية والهجمات.
كما لوحظ استخدام تقنيات الرؤية الليلية وتحسين التنسيق في الغارات، مما مكن من تنفيذ عمليات نوعية ضد المواقع العسكرية.
وتحول التنظيم نحو شن هجمات معقدة ومنسقة على القواعد العسكرية والبنية التحتية وخطوط الإمداد، مما يسفر عن الاستيلاء على الأسلحة والمركبات والذخيرة.
ويلجأ كلا التنظيمين إلى الابتزاز، وفرض الضرائب والجزية، والتهريب، والاختطاف مقابل فدية والسرقة لتمويل العمليات، وهو ما يعرف بـ "اقتصاد العنف".
ويظهر تنظيم داعش في غرب إفريقيا على وجه الخصوص تطورا نوعيا في أساليب "الحوكمة الميدانية"، حيث لم تعد العمليات تقتصر على الهجوم، بل تشمل فرض ضرائب غير رسمية، وتنظيم وصول الصيادين والمزارعين إلى مناطق معينة داخل البحيرة، مما يعكس انتقالا من مجرد "جماعة متمردة" إلى "فاعل شبه سلطوي" يسعى إلى إدارة الموارد المحلية.
وفي البعد الإعلامي، توسعت الجماعات في استخدام المنصات الرقمية وتطبيقات التشفير لتجنيد الأفراد ونشر الدعاية، مع التركيز على خطاب المظلومية المحلية واستثمار التوترات الاجتماعية والاقتصادية، مما يؤكد إدراكها لأهمية المعركة السردية بجانب المعركة الميدانية.
ويمكن القول إن تطور تكتيكات الجماعات المتطرفة في حوض بحيرة تشاد لم يعد مجرد تعديل في أساليب القتال، بل تحول إستراتيجي نحو نموذج هجين يجمع بين التمرد المسلح، وإدارة المناطق، والحرب الشبكية. هذا الواقع يفرض على الدول الإقليمية إعادة تقييم مقاربتها الأمنية، من خلال تعزيز الحوكمة والتنمية في المناطق الهشة إلى جانب الجهود العسكرية.
