أثناسيوس سرجيوس للبوابة: الكنيسة القبطية تحتاج إلى مراجعة فكرية ومؤسسية، لا إلى مراجعة العقيدة.(١- 2)
الإثنين 27/يوليو/2026 - 10:28 ص
طباعة
روبير الفارس
فجاه وبدون مقدمات ظهرت كتابات عميقة لباحث يحمل اسم اثناسيوس سرجيوس علي مواقع التواصل الاجتماعي.اثارت جدلا واسعا بين الأقباط
فالكاتب يقوم بعملية تحليل تاريخي لوقائع واحداث وشخصيات بمشرط هادي واتزان فريد .الكل بدأ يبحث عن هذا الشخص .واستطاعت البوابة الوصول إليه وإجراء حوار مطول معه نتناول في الجزء الاول منه التعرف على اثناسيوس ودراسته ومنهجه .وفي الجزء الثاني من الحوار سوف نتناول رؤيته للعلمانين الأقباط و موقعهم في الكنيسة
أولًا: السيرة والتكوين
من هو أثناسيوس سرجيوس ؟
يصعب أن أختصر نفسي في سيرة ذاتية، لأنني لا أرى حياتي مجموعةً من الشهادات والمناصب. وإذا كان عليّ أن أبدأ من مكان، فسأبدأ من سؤال رافقني طويلًا: لماذا نفعل ما نفعل؟ ولماذا نقول عن أنفسنا شيئًا، بينما تكشف أفعالنا أحيانًا عن شيء آخر؟
قادني هذا السؤال إلى علم النفس، ثم إلى التاريخ، ثم إلى دراسة الجماعة القبطية التي أنتمي إليها. أحاول أن أفهم قبل أن أحكم، وأتعامل مع الكتابة بوصفها وسيلةً للتفكير والبحث، لا إعلانًا عن امتلاك إجابات نهائية.
درست علم النفس في مصر، ثم اتسعت اهتماماتي بعد الهجرة إلى كندا لتشمل التاريخ والدين والهوية. أضافت الهجرة أسئلة جديدة، لكنها لم تغيّر جوهر اهتمامي. وقبل أن أكون كاتبًا، أنا قارئ يحب الوثيقة، ويحترم المنهج، ولا يطمئن إلى الانطباعات السريعة. وربما لهذا تبدو كتابتي هادئة، حتى حين تتناول قضايا شائكة.
كيف انتقلت من مصر إلى كندا؟ وما الذي تغير في طريقة تفكيرك بعد الهجرة؟
لم يكن الانتقال من مصر إلى كندا مجرد انتقال من بلد إلى آخر. الهجرة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بوطنه وذاكرته وهويته، وتضعه بين عالم تركه وعالم يحاول أن يجد مكانه فيه.
أهم ما تغيّر في طريقة تفكيري أنني صرت أرى مصر من الخارج. المسافة كشفت لي أن أشياء كنت أعدّها طبيعية تحتاج في الحقيقة إلى تفسير، وأن قضايا ظننتها مصرية أو قبطية خالصة هي جزء من أسئلة إنسانية أوسع عن الهوية والانتماء والجماعة والدولة.
كما جعلتني الهجرة أكثر اهتمامًا بالذاكرة: ماذا يأخذ المهاجر معه من وطنه؟ ماذا ينسى؟ وكيف يعيد بناء صورة الماضي لكي يستطيع أن يعيش في الحاضر؟ ومع الوقت أصبحت هذه الأسئلة جزءًا أساسيًا من مشروعي الفكري.
. لماذا اخترت علم النفس التحليلي تحديدًا؟ وما الذي جذبك إلى مدرسة يونج؟
جذبني علم النفس لأنه لا يكتفي بما يعلنه الإنسان عن نفسه، بل يحاول أن يفهم الدوافع والمخاوف والصراعات التي تعمل في داخله، وقد لا يكون واعيًا بها. فالسلوك لا يفسر نفسه دائمًا، وما نقوله عن ذواتنا لا يمثل الحقيقة كلها.
بدأ هذا الاهتمام يتبلور في جامعة عين شمس. تأثرت هناك بالدكتور مصطفى زيور، الذي كان له دور أساسي في ترسيخ التحليل النفسي في الثقافة العربية، كما تأثرت بالدكتور حسين عبد القادر، الذي تعلمت منه أن الظاهرة النفسية لا تُقرأ بعيدًا عن تاريخها وسياقها الاجتماعي والثقافي.
ومن خلالهما أدركت أن المنهج لا يقل أهمية عن المعرفة، وأن الانتقال من الملاحظة إلى التفسير، ثم إلى التحليل، يحتاج إلى انضباط يحمي الباحث من إسقاط رغباته وافتراضاته على الوقائع.
كان فرويد حاضرًا بطبيعة الحال؛ لأنه كشف أن الإنسان لا تحكمه دوافعه الواعية وحدها، وأن للكبت والصراع والآليات الدفاعية أثرًا عميقًا في الفرد والثقافة. أما يونج فقد وسّع أمامي مجال السؤال، وجعل الرموز والأساطير والذاكرة الجمعية والخبرة الدينية موضوعات قابلة للفهم النفسي، لا مجرد موضوعات لاهوتية أو تاريخية.
لا أتعامل مع يونج بوصفه مرجعًا نهائيًا، ولا أتبنى جميع فرضياته، لكنني وجدت لديه أدوات تساعد على فهم كيف تتحول الرموز إلى قوى فاعلة في تشكيل الجماعات، وكيف يظل الماضي حاضرًا في قرارات الحاضر.
ماذا تعلمت من الدكتور سليمان نسيم؟ وكيف أثّر في مشروعك الفكري؟
جسّد لي الدكتور سليمان نسيم معنى أن يكون الإنسان باحثًا بحق. تعلمت منه في معهد الدراسات القبطية ثلاثة أمور بقيت معي: احترام الوثيقة، والانضباط المنهجي، وحرية السؤال.
أدركت من خلاله أن هذه المبادئ لا تنفصل: فلا بحث جاد من دون وثيقة، ولا قيمة للوثيقة من دون منهج، ولا معنى للمنهج إذا كان السؤال نفسه ممنوعًا. كان يرفض الاستنتاج الذي لا تسنده الأدلة، مهما بدا منطقيًا أو جذابًا، ويشدد دائمًا على التمييز بين الفرضية والدليل.
ولم يكن تأثيره فيّ علميًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا. تعلمت منه أن البحث ليس استعراضًا للمعرفة، بل أمانة، وأن الباحث الحقيقي ينبغي أن يكون مستعدًا لمراجعة استنتاجاته متى ظهر له دليل أقوى. أظن أن هذا المبدأ صار جزءًا من كل ما أكتب.
هل تعتبر نفسك كاتبًا قبطيًا أم مفكرًا مصريًا يكتب من خلفية قبطية؟
أعتبر نفسي مفكرًا مصريًا يكتب من خلفية قبطية، ولا أرى تعارضًا بين الوصفين. الانتماء القبطي بالنسبة لي نافذة أطل منها على العالم، لا سورًا يحاصرني داخله.
أكتب عن تاريخ الأقباط والكنيسة والهوية القبطية لأن هذه هي المادة التي أعرفها والأسئلة التي تمسني مباشرة. وفي الوقت نفسه أكتب عن الدولة والمواطنة والتاريخ المصري العام، لأن هذه القضايا تقع في قلب الخبرة القبطية نفسها.
لا أريد أن أكون «الكاتب القبطي» الذي لا يُقرأ إلا داخل السياج الكنسي. أطمح إلى أن يقرأني كل من يهتم بالتاريخ وعلم النفس والأسئلة الإنسانية الكبرى. الانتماء القبطي نقطة انطلاقي، وليس حدودي.
ثانيًا: مشروعه الفكري
ما المشروع الذي تسعى إليه من خلال كتاباتك؟ وما السؤال الكبير الذي يشغلك؟
مشروعي، في أبسط صياغة، هو محاولة فهم الجماعة القبطية، لا الاكتفاء بالدفاع عنها. والسؤال الذي يشغلني هو: كيف تشكلت الذاكرة القبطية؟ ومن الذي أسهم في تشكيلها؟ وكيف أثرت هذه الذاكرة في وعي الجماعة وسلوكها وعلاقتها بالدولة والمجتمع؟
لا أستطيع الاقتراب من هذا السؤال بأداة واحدة. التاريخ يمدني بالوثيقة، وعلم النفس يساعدني على قراءة ما وراءها، والفلسفة تمنحني أدوات السؤال والنقد، واللاهوت يذكرني بأننا نتحدث عن جماعة إيمان، لا عن كيان سياسي أو اجتماعي فقط.
أنا لا أحاول كتابة تاريخ بديل، بل طرح أسئلة بديلة: لماذا تذكرنا أشياء ونسينا غيرها؟ لماذا تشكلت هويتنا بهذه الصورة؟ وما الثمن الذي دفعناه في سبيل الحفاظ عليها؟
لماذا تمزج بين التاريخ وعلم النفس والفلسفة واللاهوت في المقال الواحد؟
لأن الموضوع نفسه لا يسمح بالفصل الصارم بين هذه المجالات. الجماعة القبطية ليست مجرد موضوع تاريخي؛ فلها ذاكرة ومخاوف ورموز وآليات دفاعية، ولها أيضًا عقيدة وطقس وخبرة دينية.
التاريخ يعطيني الوثيقة والحدث، وعلم النفس يساعدني على فهم الدافع والصراع والرمز، والفلسفة تدفعني إلى مراجعة الافتراضات وصياغة السؤال بدقة، أما اللاهوت فيضع الظاهرة داخل سياق جماعة إيمان.
لذلك لا أرى الجمع بين هذه التخصصات ترفًا فكريًا، بل ضرورة منهجية. كل مجال يكشف جانبًا قد يعجز المجال الآخر عن رؤيته، والجمع بينها يساعدني على الاقتراب من الظاهرة في تعقيدها الحقيقي. وربما لهذا يجد بعض القراء كتابتي مفيدة، بينما يراها آخرون مربكة لأنهم اعتادوا الفصل التام بين هذه الحقول.
ما الذي لا يستطيع المؤرخ وحده تفسيره، ويستطيع علم النفس أن يكشفه؟
يستطيع المؤرخ أن يخبرنا ماذا حدث، ومتى حدث، ومن شارك فيه. لكنه لا يستطيع دائمًا أن يفسر لماذا تمسكت جماعة برواية معينة رغم وجود أدلة تناقضها، أو لماذا تضخمت ذكرى حدث محدود بينما نُسيت أحداث أكبر، أو كيف تحول رمز ديني إلى وسيلة للحماية النفسية.
هذه أسئلة تتعلق بما فعله الحدث في النفوس، لا بالحدث وحده. وهنا يساعدنا علم النفس على فهم الذاكرة الجمعية بوصفها عملية مستمرة من الاختيار وإعادة التشكيل، وعلى فهم الخوف والآليات الدفاعية التي تستخدمها الجماعات لحماية صورتها عن نفسها.
المؤرخ يصف الحدث، والمحلل النفسي يحاول أن يفهم أثره في الناس. وحين يعمل الاثنان معًا، تصبح الصورة أكثر اكتمالًا.
. هل تخشى أن يُساء فهم التحليل النفسي للشخصيات التاريخية أو الكنسية؟
نعم، وأتوقع هذا النوع من سوء الفهم. ففي ثقافة لم تعتد التحليل النفسي للتاريخ، قد يظن البعض أنني «أشخصن» الأحداث، أو أختزل الشخصيات الكبيرة في عقد نفسية. وهذا ليس ما أفعله.
أنا لا أضع شخصيات تاريخية غائبة على أريكة طبيب نفسي، ولا أقدم لها تشخيصات سريرية. ما أحلله هو أنماط التفكير والسلوك المؤسسي والخطاب، والظروف التي شكلت القرارات.
حين أصف شخصية بأنها تمثل «العقل الرعوي»، فأنا لا أصدر حكمًا أخلاقيًا عليها، بل أحاول فهم منطق عملها وأولوياتها. أدرك أن بعض القراء سيرفضون هذا المنهج من البداية، لكن الامتناع عن التحليل بحجة الاحترام قد يتحول إلى امتناع عن الفهم.
الشخصيات التاريخية ليست أيقونات فوق النقد، بل بشر عاشوا في ظروف محددة، وواجهوا تحديات حقيقية، واتخذوا قرارات كان بعضها صائبًا وبعضها قابلًا للمراجعة. وفهم هذا البعد الإنساني هو، في نظري، شكل من أشكال الاحترام، لا الانتقاص.
ثالثًا: عن الكنيسة
تكتب كثيرًا عن الكنيسة، لكنك لا تكتب من موقع المدافع ولا المهاجم. كيف تصف موقعك؟
موقعي هو موقع الباحث الذي ينتمي، لكنه لا يذوب في الجماعة. أنا جزء من الكنيسة، وأشارك في حياتها، لكنني أحاول أيضًا أن أراها بوصفها مؤسسة بشرية لها آليات وسياسات وصراعات داخلية، ولها قرارات يمكن فحصها ومراجعتها.
لا أكتب لأدافع عنها، لأن الدفاع ليس وظيفة الباحث، ولا أكتب لأهاجمها، لأن الهجوم ليس تحليلًا. أكتب لكي أفهم.
هذا الموقع ليس مريحًا. المدافع يجد قبولًا داخل الجماعة، والمهاجم قد يجد قبولًا خارجها، أما الباحث الذي يحاول أن يسأل من داخل الانتماء فيبقى غالبًا في منطقة وسطى. لكنني قبلت هذه المنطقة؛ لأن وظيفة الباحث أن يسأل لا أن يبرر، وأن يحلل لا أن يهلل.
. هل ترى أن الكنيسة القبطية تحتاج اليوم إلى مراجعات فكرية؟
نعم، لكنها تحتاج إلى مراجعة فكرية ومؤسسية، لا إلى مراجعة العقيدة. المطلوب هو مراجعة طريقة التفكير، وإدارة المؤسسة، وعلاقتها بالمجتمع والدولة. هذه أمور بشرية قابلة للخطأ والتطوير، ولا تمس جوهر الإيمان.
نحتاج إلى مساحة حقيقية للحوار داخل الكنيسة، تشارك فيها أصوات متعددة: الإكليروس واللايكيون، الرجال والنساء، المحافظون والناقدون. ونحتاج إلى مؤسسات تسمح بالمساءلة والمراجعة، وإلى ثقافة لا تعتبر كل سؤال تهديدًا، ولا كل نقد خيانة.
هناك بالفعل أصوات كثيرة تشعر بهذه الحاجة، لكن ثقافة الخوف ما زالت قوية: الخوف من الانقسام، ومن التغيير، ومن نظرة الآخرين. وفي تقديري، هذا الخوف هو العقبة الأكبر أمام أي إصلاح جاد.
. أين ينتهي دور الكنيسة الروحي وأين يبدأ دور الدولة؟
الكنيسة مسؤولة أولًا عن الإيمان والرعاية الروحية والتعليم الديني. أما الدولة فمسؤولة عن المواطنة والقانون وضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين.
تبدأ المشكلة عندما تختلط الأدوار: حين تتحول الكنيسة إلى وسيط سياسي بين الأقباط والدولة، وحين تتوقع الدولة منها أن تضبط الجماعة وتضمن ولاءها. هذا الخلط يضر بالكنيسة والدولة معًا.
أدرك أن الفصل الكامل ليس سهلًا في مجتمع لم تكتمل فيه دولة المواطنة، وقد تضطر الجماعات أحيانًا إلى الاعتماد على مؤسساتها الدينية للدفاع عن حقوقها. لكن ينبغي أن يبقى ذلك وضعًا انتقاليًا، لا قاعدة دائمة.
الهدف في النهاية هو بناء دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى «الحماية الكنسية»، لأن القانون وحده يكفي لحمايته.
كيف تفسر اتساع الدور السياسي والاجتماعي للكنيسة خلال العقود الماضية؟
لا يمكن تفسير اتساع دور الكنيسة بعامل واحد. هناك ضعف الدولة وتراجع ثقافة المواطنة، ما دفع جماعات كثيرة إلى الالتفاف حول مؤسساتها الدينية. وهناك صعود الإسلام السياسي، الذي زاد شعور الأقباط بالتهديد وحاجتهم إلى قيادة تدافع عنهم. وهناك أيضًا شخصية البابا شنودة، الذي جمع بين المهارة الرعوية والقدرة السياسية.
في هذا السياق أصبحت الكنيسة «الممثل السياسي» للأقباط، وصار البابا «الزعيم» الذي يفاوض الدولة باسمهم. كان هذا الدور مفهومًا في ظروفه، لكنه ترك آثارًا إشكالية: ركز السلطة داخل المؤسسة الكنسية، وأضعف الأصوات المدنية واللايكية، ورسخ منطقًا طائفيًا في العلاقة مع الدولة.
الخروج من هذا الوضع لا يكون بمهاجمة الكنيسة أو تحميلها وحدها المسؤولية، بل ببناء بدائل مدنية وحقوقية وسياسية مستقلة عن الإكليروس، وقادرة على تمثيل المواطنين خارج الإطار الطائفي.
. هل يستطيع المفكر القبطي أن ينتقد المؤسسة الكنسية دون أن يُتهم بالخروج عليها؟
يستطيع، لكن الأمر ليس سهلًا. هناك تيار قوي داخل الجماعة يخلط بين نقد المؤسسة ونقد الإيمان، وبين مراجعة القرارات البشرية ومهاجمة الكنيسة. ولهذا يتعرض الصوت الناقد سريعًا لاتهامات جاهزة: متمرد، أو مغترب، أو بعيد عن واقع الجماعة، أو خارج عن الكنيسة.
مع ذلك، النقد ليس مستحيلًا. توجد مساحة صغيرة لكنها حقيقية، يتحرك فيها باحثون وكتّاب وشباب يطرحون أسئلة مختلفة. وهذه المساحة تتسع ببطء، رغم المقاومة.
المشكلة ليست في رد فعل المؤسسة وحدها، بل في رد فعل الجماعة أيضًا. فالجماعة التي تشعر بالتهديد قد ترى في الصوت المختلف خطرًا جديدًا. تجاوز ذلك يحتاج إلى وقت وبناء ثقة، وإلى إثبات عملي أن النقد يمكن أن يصدر من داخل الانتماء، لا من خارجه.
رابعًا: البابا شنودة
خصصت عدة مقالات عن البابا شنودة الثالث. لماذا ما زالت شخصيته تستحق القراءة؟
لأن تجربة البابا شنودة لم تُقرأ حتى الآن قراءة نقدية متوازنة. ما زلنا نتنقل بين صورتين متناقضتين: صورة تقدسه، وصورة تشيطنه. وكلتاهما تمنعان الفهم.
كان شخصية كبيرة ومعقدة. قاد الكنيسة في مرحلة شديدة الصعوبة، وأعاد تشكيل الهوية القبطية الحديثة، وبنى خطابًا تعليميًا ترك أثرًا واسعًا. وفي الوقت نفسه ركز السلطة، وحوّل الكنيسة إلى صوت سياسي للجماعة، ورسخ نمطًا من العلاقة بين الراعي والرعية يحتاج إلى مراجعة.
قراءته اليوم لا تعني تمجيده ولا إدانته، بل فهمه داخل سياقه: ماذا أنجز؟ ماذا واجه؟ وأي أسئلة تركها مفتوحة بعد رحيله؟ هذا هو ما أحاول الاقتراب منه.
هل كنت تحاول إعادة قراءة البابا شنودة أم إعادة قراءة المرحلة كلها؟
الاثنين معًا. البابا شنودة ليس مجرد شخصية منفردة، بل أحد المفاتيح الأساسية لفهم مرحلة كاملة من التاريخ القبطي.
حين نقرأ تجربته، نقرأ معها تحولات الجماعة: صعود التيار المحافظ، وتغير العلاقة مع الدولة، وبروز الكنيسة بوصفها ممثلًا سياسيًا، وتراجع بعض الأصوات المدنية.
لذلك لا أقرأه بعيدًا عن عصره، بل أتعامل معه كمدخل إلى فهم حقبة تجمعت في شخصيته تناقضاتها وطموحاتها ومخاوفها. والحديث عنه هو، في جانب كبير منه، حديث عن الجماعة والمرحلة كلها.
وصفت البابا شنودة بأنه يمثل "العقل الرعوي". ماذا تقصد بذلك؟
عندما استخدمت تعبير «العقل الرعوي» لم أقصد به حكمًا على الشخص، بل وصفًا لنمط في التفكير وإدارة المؤسسة.
هذا النمط يضع حماية الكنيسة، والحفاظ على وحدتها وتماسك هويتها، في مقدمة الأولويات؛ ولذلك يميل إلى ترسيخ اليقين، وتوحيد الخطاب، والحد من الأسئلة التي قد تربك الناس أو تهدد إحساسهم بالأمان.
كان هذا مفهومًا في سياقه التاريخي. فقد واجهت الكنيسة تحديات داخلية وخارجية معقدة، وكان الأقباط يبحثون عن قيادة تمنحهم التماسك. وفي هذا الإطار نجح البابا شنودة الثالث في إعادة تشكيل الهوية القبطية الحديثة، وبناء خطاب تعليمي موحد ترك أثرًا بالغًا.
ومن هذه الزاوية وصفه الفيلسوف مراد وهبة بأنه صاحب «فكر أصولي نقي». وأنا أتعامل مع هذا الوصف بوصفه قراءة فلسفية قابلة للفحص والمناقشة، لا حكمًا نهائيًا؛ لأن المحافظة العقائدية لا تتطابق بالضرورة مع الأصولية، كما أن ظروف الأقليات المهددة تفرض أحيانًا أولويات مختلفة.
لكن الرعاية شيء، والبحث العلمي شيء آخر. وتبدأ المشكلة حين يصبح المنطق الرعوي هو المرجعية الوحيدة التي تُقاس بها الدراسات التاريخية واللاهوتية والفكرية.
. هل ظلم أنصار البابا شنودة تجربته بتحويلها إلى نموذج لا يقبل النقد؟
أعتقد أن بعض محبيه، بدافع الوفاء والمحبة، أسهموا من غير قصد في تضييق مساحة القراءة التاريخية لتجربته.
هم لا يقولون بعصمته عقائديًا، فالمسيحية لا تعرف عصمة الأشخاص، لكن بعضهم يمارس ما أسميه «العصمة العملية»: أي التعامل مع قراراته واختياراته كما لو كانت النموذج النهائي الذي لا يحتاج إلى مراجعة.
عندئذ يتحول النقد التاريخي إلى موقف من الشخص، ثم يتحول الموقف من الشخص إلى موقف من الكنيسة، فتختلط الحدود بين الإيمان والمؤسسة والاجتهاد البشري.
هذا لا يحفظ تجربة البابا شنودة، بل يحرمها من عمقها الإنساني والتاريخي. فالشخصيات الكبرى لا تُخلّد بوضعها خارج التاريخ، بل بقراءتها داخل ظروفها، بما حققته من إنجازات، وما واجهته من تحديات، وما تركته من أسئلة مفتوحة.
. لو التقيت البابا شنودة اليوم، فما السؤال الذي كنت ستطرحه عليه؟
كنت سأسأله: «هل شعرت في لحظة ما أن حماية الجماعة تتطلب أحيانًا تجميد التفكير؟ وهل ندمت على قرار اتخذته باسم الحفاظ على الوحدة، ثم اكتشفت لاحقًا أنه أضعف المؤسسة بدل أن يقويها؟»
لا أطرح هذا السؤال لكي أحاسبه أو أدينه، بل لأنني أريد أن أفهم كيف كان يفكر. لقد قاد الكنيسة في ظروف صعبة، وأظن أنه واجه مواقف اضطر فيها إلى الاختيار بين الاستقرار وفتح مساحة أوسع للسؤال.
كنت أريد أن أعرف كيف رأى هذه المفاضلة، وكيف قيّمها بعد مرور الزمن.
والي اللقاء في الحلقة الثانية من الحوار
