شقيقة كاهن فرنسا الشهيد ووالدة قاتله تشتركان في كتاب "اخوات الالم "
الثلاثاء 28/يوليو/2026 - 11:22 ص
طباعة
روبير الفارس
قبل أن يتحول إلى كتاب، كانت هذه الحكاية تبدو مستحيلة. كيف يمكن لشقيقة كاهن استشهد في الكنيسة أن تمد يدها إلى والدة أحد قاتليه؟ وكيف يمكن للألم أن يصبح لغة للحوار بدلًا من أن يتحول إلى وقود للكراهية؟
هذا هو السؤال الذي يحاول كتاب «أخوات الألم» (Sœurs de douleur) الإجابة عنه، في واحدة من أكثر الشهادات الإنسانية تأثيرًا التي صدرت في فرنسا خلال السنوات الأخيرة.
صدر الكتاب عن دار النشر الفرنسية «XO Éditions»، ويقع في نحو 240 صفحة. وهو ثمرة تعاون بين روزلين هاميل، شقيقة الأب جاك هاميل الذي قتل علي يد الإرهابيين في كنيسة بفرنسا منذ عشر سنوات، وناصرة كرميش، والدة عادل كرميش، أحد منفذي الاعتداء الإرهابي الذي أودى بحياة الكاهن الفرنسي داخل كنيسة سانت إتيان دو روفري أثناء احتفاله بالقداس في 26 يوليو 2016. وقد أعدّ الكتاب وحرره الصحفي الفرنسي صامويل ليفين.
ولا يقتصر الكتاب على استعادة تفاصيل الجريمة التي هزّت فرنسا والعالم، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فيروي رحلة امرأتين مزق الإرهاب حياتهما، وإن كان من موقعين مختلفين. فالأولى فقدت شقيقها الذي استشهد وهو يرفع الذبيحة الإلهية، والثانية فقدت ابنها الذي انخرط في الفكر المتطرف وانتهى مقتولًا بعد تنفيذه الهجوم.
تبدأ صفحات الكتاب من الألم، لكنها لا تنتهي عنده. فبعد سنوات من الصدمة والحزن، وافقت روزلين هاميل على لقاء ناصرة كرميش. كان لقاءً يراه كثيرون مستحيلًا، لكنه تحول مع الوقت إلى حوار صادق، ثم إلى علاقة إنسانية قائمة على الاعتراف بالألم المشترك، دون إنكار الحقيقة أو التقليل من فداحة الجريمة.
وتروي المؤلفتان، كل من زاويتها، كيف بدأ هذا اللقاء، وما صاحبه من خوف وتردد، وكيف اكتشفتا أن التطرف لم يسرق منهما أشخاصًا أحباهما فحسب، بل حاول أيضًا أن يسرق منهما القدرة على الثقة بالآخرين. ومن خلال هذا الحوار الطويل، يناقش الكتاب قضايا التطرف والإرهاب، ومسؤولية المجتمع، ومعنى الغفران، مؤكدًا أن الغفران لا يعني نسيان الجريمة أو تبريرها، بل رفض السماح للكراهية بأن تواصل حصد ضحايا جدد.
ولا يقف أثر هذه التجربة عند صفحات الكتاب، إذ أصبحت روزلين هاميل وناصرة كرميش تلتقيان بالشباب في المدارس والجامعات والمنتديات العامة، لتقدما شهادتهما المشتركة حول مخاطر التطرف، ولتؤكدا أن الحوار الصادق يمكن أن يكسر دائرة العنف والانتقام.
ويحمل الكتاب رسالة واضحة مفادها أن الضحايا وأسر الجناة ليسوا محكومين بالبقاء في معسكرين متقابلين، وأن الألم المشترك قد يصبح نقطة انطلاق لبناء الجسور بدلًا من إقامة الحواجز، وأن السلام يبدأ عندما يرفض الإنسان أن يسمح للكراهية بتحديد مستقبله.
ويأتي الاهتمام المتجدد بالكتاب بالتزامن مع الذكرى العاشرة لاستشهاد الأب جاك هاميل، بينما تستعد روزلين هاميل لزيارة روما ولقاء البابا لاون الرابع عشر، حاملة رجاءها بأن تتقدم دعوى تطويب شقيقها، الذي يعده كثيرون في فرنسا وخارجها شاهدًا للإيمان، ختم حياته بالشهادة للمسيح حتى الدم.
في «أخوات الألم» لا يجد القارئ مجرد توثيق لعمل إرهابي، بل شهادة حية على أن الغفران ليس ضعفًا، وأن الحوار ليس استسلامًا، وأن الإيمان يستطيع أن يحول أكثر الجراح قسوة إلى رسالة رجاء وسلام.
