الشهداء كنيسة بلا شعب في الرقة.السورية تم الترميم و مسيحييها لم يعودوا
الثلاثاء 28/يوليو/2026 - 11:25 ص
طباعة
روبيرالفارس
على الرغم من مرور نحو خمسة أعوام على إعادة افتتاح «كنيسة الشهداء»، بعد ترميمها إثر الدمار الذي لحق بها خلال معارك إخراج تنظيم «داعش» من المدينة عام 2017، ما تزال الكنيسة صامتة. لا أجراس تُقرع، ولا صلوات منتظمة تُقام، ولا تجمعات مسيحية تعيد إلى المكان وظيفته التي عرفها لعقود.
هنا تقف الكنيسة، وقد استعادت جدرانها شكلها، بينما لم يستعد مجتمعها وجوده.
إنها واحدة من أكثر الصور اختصارًا لمأساة المسيحيين السوريين خلال أكثر من عقد من الحرب والنزوح: يمكن إعادة بناء الحجر، لكن عودة البشر أكثر تعقيدًا.
مدينة فقدت مسيحييها
قبل اندلاع الحرب السورية، كانت الرقة تضم نحو 800 عائلة مسيحية، شكّلت جزءًا من النسيج الاجتماعي للمدينة لعقود طويلة. وكان للوجود المسيحي فيها مؤسسات وكنائس وحياة دينية واجتماعية واضحة.
لكن هذا الوجود بدأ في التراجع بصورة حادة منذ عام 2013، مع دخول المدينة في دوامة الصراع وسيطرة فصائل مسلحة عليها، وما رافق ذلك من اعتداءات على الكنائس وتهديدات دفعت العديد من العائلات المسيحية إلى مغادرة المدينة.
ثم جاءت سيطرة تنظيم «داعش» لتوجه الضربة الأقسى إلى ما تبقى من الوجود المسيحي. ففرض التنظيم الجزية على المسيحيين، وضيّق عليهم، قبل أن يسيطر على كنيسة الشهداء ويحوّلها إلى مقر تابع له، ويطلي واجهتها باللون الأسود، مستخدمًا إياها فيما عُرف بـ«مكتب دعوي».
أما كنيسة سيدة البشارة للروم الكاثوليك، التي شُيدت في ستينيات القرن الماضي، فقد تحولت إلى أنقاض خلال المعارك التي شهدتها الرقة عام 2017، بعدما كان تنظيم «داعش» قد استولى عليها واستخدمها لأغراضه.
من سيصلي فيها؟
بعد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على الرقة، بدأت أعمال ترميم كنيسة الشهداء وإعادة تأهيلها وفق تصميمها الأصلي، بدعم من منظمة «فري بورما رينجرز».
واكتملت أعمال الترميم، وأُعيد افتتاح الكنيسة عام 2021، في خطوة حملت دلالة رمزية كبيرة، باعتبارها إعلانًا عن إمكانية استعادة المدينة لبعض ملامح الحياة التي دمرتها الحرب.
لكن السنوات التالية كشفت مفارقة مؤلمة.
فإعادة افتتاح الكنيسة لم تعنِ عودة المصلين. وبقي المبنى، رغم ترميمه، بعيدًا عن الحياة الدينية التي كان يحتضنها قبل الحرب. لا قداسات منتظمة، ولا احتفالات بالأعياد، ولا تجمعات كنسية تعيد للمكان صوته.
لقد عادت الكنيسة إلى المدينة، لكن المدينة لم تستعد أبناءها.
نزوح بلا عودة
استقر معظم مسيحيي الرقة الذين غادروها خلال سنوات الحرب في مدن سورية أخرى أو خارج البلاد. ومع مرور السنوات، تبدلت ظروفهم، وتكوّنت لهم حياة جديدة في أماكن أخرى، بينما بقيت الرقة مدينة مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب.
وتجعل هذه التحولات عودة العائلات المسيحية أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، وغياب الضمانات الكافية التي تشجع من غادروا على العودة.
وخلال إعداد هذا التقرير، رفض عدد من المسيحيين القلائل الذين ما يزالون يقيمون في الرقة الإدلاء بتصريحات حول أوضاعهم، مفضلين عدم الحديث إلى وسائل الإعلام. وقد عكس هذا الموقف، على الأقل، استمرار حالة الحذر التي يعيشها بعض أبناء الأقلية المسيحية بعد سنوات طويلة من الحرب، وتبدل القوى المسيطرة، والتوترات الأمنية والسياسية.
. من مليوني مسيحي
ولا يمكن فهم مأساة كنيسة الشهداء في الرقة بمعزل عن التراجع الكبير الذي أصاب الوجود المسيحي في سوريا بأكملها.
ففي عام 2011، كان المسيحيون يشكلون نحو 10% من سكان سوريا، وتشير تقديرات إلى أن عددهم كان يتراوح بين نحو مليوني ومليوني و100 ألف مسيحي، وفق مصادر وتقديرات مختلفة.
أما اليوم، فلا توجد إحصاءات رسمية دقيقة، لكن تقديرات حديثة تضع عدد المسيحيين الذين ما زالوا يعيشون داخل سوريا بين نحو 300 ألف و579 ألفًا، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى. وتؤكد وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن نسبتهم تراجعت من نحو 10% قبل الحرب إلى قرابة 2% حاليًا، مع تقدير عددهم بنحو 300 ألف شخص.
وبحسب هذه التقديرات، يكون مئات الآلاف من المسيحيين قد غادروا سوريا خلال سنوات الحرب، بين لاجئين ومهاجرين ونازحين إلى مناطق أخرى داخل البلاد. وتؤكد التقارير أن الحرب أدت إلى موجات واسعة من النزوح والهجرة المسيحية، خصوصًا باتجاه لبنان والدول الغربية، ولا سيما أوروبا.
وبينما تشير تقديرات إلى أن عدد المسيحيين في سوريا بلغ نحو 2.1 مليون عام 2011، تقدر منظمة «الأبواب المفتوحة» عددهم بنحو 579 ألفًا في السنوات الأخيرة، في حين قدرت منظمة «عون الكنيسة المتألمة» عددهم بنحو 540 ألفًا عام 2024. ويعكس اختلاف الأرقام صعوبة إجراء إحصاء دقيق في بلد شهد حربًا ونزوحًا واسعًا، لكنه لا يغير من حقيقة الانخفاض الحاد في حجم المجتمع المسيحي.
مأساة تتجاوز الرقة
تتكرر قصة الرقة في مدن سورية أخرى.
كنائس بقيت قائمة، أو أعيد ترميمها، لكن جماعاتها البشرية تراجعت بصورة كبيرة. وفي بعض المناطق، لم يعد الوجود المسيحي سوى عدد محدود من الأسر، أو حتى أفراد قلائل يعيشون وسط مدن كانت تضم في السابق أحياء ومجتمعات مسيحية كاملة.
وهكذا، تحولت الكنائس السورية في كثير من الأماكن إلى ما يشبه «شواهد على الغياب». فالمشكلة لم تعد فقط في تدمير المبنى، بل في تفكك المجتمع الذي كان يمنحه الحياة.
وفي الرقة، تبدو «كنيسة الشهداء» صورة مكثفة لهذه المأساة. فقد نجت من الحرب، ثم أعيد ترميمها، وفتحت أبوابها من جديد، لكنها لا تزال تنتظر عودة أبنائها.
ففي النهاية، لا تكفي إعادة بناء الكنيسة كي تعود الجماعة المسيحية. ولا يكفي ترميم الجدران كي تُستعاد الذاكرة. فعودة المسيحيين إلى مدنهم تحتاج إلى أكثر من مشاريع إعمار؛ تحتاج إلى أمن، وضمانات، وبيئة سياسية واجتماعية تشجع على العودة، وإلى مبادرات حقيقية من السلطات والمنظمات المدنية لحماية التعددية التي فقدتها مدن سورية كثيرة خلال سنوات الحرب.
أما كنيسة الشهداء في الرقة، فتظل مفتوحة في صمت، شاهدة على سؤال أكبر من جدرانها: ماذا يبقى من مدينة حين تعود كنائسها، ولا يعود أهلها؟
