"سيدني هـ. جريفيث.". المؤرخ الذي أعاد اكتشاف المسيحية العربية في ظل الإسلام
الثلاثاء 28/يوليو/2026 - 11:30 ص
طباعة
روبيرالفارس
برحيل الدكتور سيدني هـ. جريفيث، تفقد الدراسات المتخصصة في المسيحية العربية المبكرة والتراث السرياني واحدًا من أبرز الباحثين الذين كرسوا حياتهم لإعادة قراءة تاريخ المسيحيين في الشرق، ليس بوصفهم جماعات هامشية عاشت على هامش التاريخ الإسلامي، بل باعتبارهم شركاء أساسيين في تشكيل الحياة الفكرية والثقافية واللغوية للعالم العربي الإسلامي.
كان جريفيث من أبرز المتخصصين في المسيحية السريانية والمسيحية العربية، وقد انشغل بصورة خاصة بالتحولات التي طرأت على الفكر المسيحي عندما انتقلت الجماعات المسيحية في الشرق من استخدام السريانية واليونانية إلى العربية، وبالطريقة التي أعاد بها المسيحيون صياغة لاهوتهم وفكرهم الديني في بيئة إسلامية جديدة.
من الكهنوت إلى البحث الأكاديمي
وُلد سيدني هاريسون جريفيث عام 1938 في غايثرسبيرغ بولاية ماريلاند الأمريكية. التحق في شبابه بإكليريكية Holy Trinity Mission Seminary في وينشستر بولاية فرجينيا، ثم رُسم كاهنًا عام 1965 في جماعة خدام الثالوث الأقدس.
حصل على ليسانس في اللاهوت من الجامعة الكاثوليكية الأمريكية عام 1967، ثم واصل دراساته العليا في اللغات السامية والشرقية، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1977، متخصصًا في السريانية والعربية في العصور الوسطى.
وفي العام نفسه بدأ التدريس في الجامعة الكاثوليكية الأمريكية، حيث أصبح أحد أبرز أساتذة الدراسات المسيحية المبكرة واللغات السامية. ومنذ عام 1984 تولى إدارة برنامج الدراسات العليا في المسيحية المبكرة، وهو موقع أتاح له الإشراف على أجيال من الباحثين المتخصصين في آباء الكنيسة، والسريانية، والمسيحية الشرقية، والتاريخ الفكري للعالم الإسلامي. ([www2.mu.edu][1])
كما شغل مواقع قيادية في عدد من المؤسسات العلمية، وكان رئيسًا لمؤتمر الدراسات البيزنطية، ورئيسًا للجمعية الأمريكية للدراسات الآبائية، كما شارك في الحوار الكاثوليكي الأرثوذكسي.
من السريانية إلى العربية..
كان أحد الأسئلة الكبرى التي شغلت جريفيث هو: ماذا حدث للمسيحية عندما أصبحت العربية لغة الثقافة والسياسة والإدارة والفكر في الشرق؟
فالمسيحيون الذين عاشوا في المناطق التي دخلت تحت الحكم الإسلامي منذ القرن السابع الميلادي لم يختفوا من المشهد الثقافي، بل دخلوا تدريجيًا في فضاء لغوي جديد. وبينما كانت السريانية واليونانية لغتي التعليم والليتورجيا والكتابة لدى جماعات مسيحية عديدة، أصبحت العربية لغة الحياة العامة.
ومن هنا درس جريفيث انتقال المسيحية من عالم سرياني إلى عالم عربي، موضحًا أن هذا الانتقال لم يكن مجرد تحول لغوي، بل كان عملية فكرية وثقافية عميقة أعاد خلالها المسيحيون صياغة العقائد المسيحية ومفرداتها ومجادلاتها بلغة عربية مفهومة في البيئة الإسلامية.
وقد رأى أن المسيحية العربية لم تكن مجرد ترجمة للمسيحية اليونانية أو السريانية، بل تطورت إلى تقليد فكري مستقل، أنتج لاهوتيين وفلاسفة ومترجمين ومجادلين كان لهم حضور كبير في الحياة الفكرية الإسلامية.
«الكنيسة في ظل المسجد».. أشهر كتبه
يعد كتابه الشهير:
«الكنيسة في ظل المسجد: المسيحيون والمسلمون في عالم الإسلام»
أحد أهم الأعمال الحديثة في دراسة المسيحية العربية.
يحاول جريفيث في هذا الكتاب تصحيح صورة شائعة في الكتابات الغربية، وهي أن المسيحيين في العالم الإسلامي كانوا مجرد أقليات معزولة تعيش في حالة دفاع دائم.
ويبين أن المسيحيين عاشوا لقرون طويلة في قلب العالم الإسلامي، وشاركوا في الحياة الفكرية والثقافية والعلمية، وقدموا إسهامات مهمة في الفلسفة والطب والترجمة والعلوم واللاهوت.
ومن أهم القضايا التي تناولها الكتاب:
تطور الأدبيات المسيحية العربية.
و انتقال الفكر المسيحي من السريانية إلى العربية.ودور المسيحيين في الحياة الفكرية في بغداد العباسية.
و ظهور الأدبيات الدفاعية المسيحية باللغة العربية.
و العلاقة بين المسيحية والإسلام في المجال الفكري واللغوي.
واللافت في عنوان الكتاب أن عبارة «في ظل المسجد» تحمل معنى مزدوجًا؛ فهي تشير إلى واقع وجود الكنيسة في عالم تهيمن عليه الحضارة الإسلامية، لكنها تشير أيضًا إلى أن هذا العالم وفر، في بعض المراحل، المجال الذي استمرت داخله الحياة المسيحية والثقافية والفكرية.
«الكتاب المقدس بالعربية»..
من أهم إنجازات جريفيث كتابه:
«الكتاب المقدس بالعربية: أسفار أهل الكتاب في لغة الإسلام»
في هذا العمل، درس تاريخ ظهور الكتاب المقدس باللغة العربية، والظروف التي دفعت اليهود والمسيحيين إلى ترجمة نصوصهم المقدسة إلى العربية.
وتناول الكتاب موضوعات واسعة، من بينها:
• الكتاب المقدس في الجزيرة العربية قبل الإسلام.
• أقدم الترجمات العربية للكتاب المقدس.
• الترجمات المسيحية للكتاب المقدس إلى العربية.
• الترجمات اليهودية.
• تداخل النصوص والمفاهيم بين التقاليد الدينية الثلاثة.
ومن أهم ما يلفت النظر في هذا العمل أن جريفيث لم يتعامل مع العربية باعتبارها مجرد لغة ترجمة، بل باعتبارها لغة دينية وحضارية أصبحت منذ القرون الأولى للإسلام وسيلة للتعبير عن اليهودية والمسيحية والإسلام معًا.
الفلسفة المسيحية في بغداد العباسية
اهتم جريفيث أيضًا بدور المسيحيين في النهضة الفكرية العباسية، ولا سيما في بغداد.
ومن الشخصيات التي اهتم بها يحيى بن عدي، الفيلسوف المسيحي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، وكان واحدًا من أبرز ممثلي الفلسفة المسيحية العربية.
وقد ترجم جريفيث وقدم دراسة لعمل يحيى بن عدي «إصلاح الأخلاق»، في نص عربي وإنجليزي متوازٍ.
وكان اهتمامه بيحيى بن عدي جزءًا من مشروع أوسع لإعادة اكتشاف الدور الذي لعبه المسيحيون العرب في الفلسفة والمنطق والترجمة والنقاشات الدينية والفكرية في العصر العباسي.
كما درس انتقال الفلسفة والعلوم اليونانية إلى العربية، ودور المسيحيين السريان والعرب في عمليات الترجمة والتفسير وإعادة إنتاج المعرفة.
التراث السرياني.. الجسر الأقدم
لم يكن جريفيث متخصصًا في المسيحية العربية فقط، بل كان أحد الباحثين البارزين في التراث السرياني.
وقد اهتم بالمسيحية الناطقة بالسريانية في سوريا وبلاد الرافدين وفارس خلال العصور البيزنطية والساسانية، وبالأدب السرياني واللاهوت والنسك والرهبنة.
ومن الموضوعات التي تناولها:
الفكر المسيحي في الرها
و الأدب السرياني و الإسلام.
و التراث الرهباني في سوريا.
و انتقال المسيحية من الآرامية والسريانية إلى العربية.
ويوحنا الدمشقي والكنيسة في العصر الأموي.
وفي دراسته عن اللغة في أديرة فلسطين، بحث جريفيث عملية الانتقال التدريجي من الآرامية والسريانية إلى العربية، موضحًا أن الأديرة كانت مراكز رئيسية لحفظ المعرفة وإنتاج الأدب المسيحي العربي.
القديس أفرام السرياني
كان جريفيث مهتمًا أيضًا بالتراث الروحي والشعري للقديس أفرام السرياني، أحد أعظم شعراء اللاهوت في المسيحية السريانية.
وفي كتابه:
«الإيمان العابد للسر: قراءة الكتاب المقدس مع القديس أفرام السرياني»
قدم قراءة لفكر أفرام، موضحًا أهمية الشعر والرمز والصورة في اللاهوت السرياني.
وكان جريفيث يرى أن الفكر السرياني لا يمكن اختزاله في القوالب اللاهوتية اليونانية، لأن الأدب السرياني طور لغته الخاصة في التعبير عن العقيدة، مستخدمًا الشعر والصورة والاستعارة والرمز.
أهم ما توصل إليه جريفيث
يمكن تلخيص أهم النتائج التي أسهم بها جريفيث في عدة أفكار رئيسية:
أولًا: المسيحيون لم يكونوا مجرد جماعة هامشية في العالم الإسلامي
أكد أن المسيحيين كانوا جزءًا أساسيًا من التاريخ الفكري والثقافي للعالم الإسلامي، خصوصًا في العصر العباسي.
ثانيًا: المسيحية العربية تقليد فكري مستقل
لم تكن المسيحية العربية مجرد ترجمة للمسيحية اليونانية أو السريانية، بل أنتجت لغة لاهوتية وفلسفية خاصة بها.
ثالثًا: العربية أصبحت لغة مسيحية
لم تكن العربية لغة المسلمين وحدهم، بل أصبحت منذ القرون الأولى لغة للكتاب المقدس واللاهوت والليتورجيا والجدل الديني المسيحي.
رابعًا: الحوار بين المسيحيين والمسلمين بدأ مبكرًا
أظهر أن الحوار بين المسيحية والإسلام بدأ منذ القرون الأولى، وأن المسيحيين العرب كانوا يقرأون النصوص الإسلامية ويتفاعلون معها، كما كان المسلمون يتفاعلون مع الأدبيات المسيحية.
خامسا السريانية مفتاح مهم لفهم المسيحية الشرقية
أكد أن فهم المسيحية العربية لا يمكن أن يكتمل من دون دراسة التراث السرياني الذي سبقها ومهد لها.
سادسا : التاريخ المسيحي في الشرق أكثر تعقيدًا من ثنائية «اضطهاد أو تسامح»
رفض جريفيث القراءات التبسيطية التي تختزل تاريخ المسيحيين في العالم الإسلامي في ثنائية الاضطهاد والتسامح، وركز على الحياة اليومية والتفاعل الثقافي والفكري والتفاوض المستمر على الهوية واللغة والمكانة الاجتماعية.
إرثه العلمي
تكمن أهمية سيدني جريفيث في أنه نقل دراسة المسيحية العربية من هامش الدراسات الشرقية إلى قلب النقاشات المتعلقة بتاريخ الإسلام والمسيحية واللغة العربية.
فقد ساعدت أعماله على تغيير السؤال من:
«ماذا حدث للمسيحيين بعد ظهور الإسلام؟»
إلى سؤال أكثر عمقًا:
«كيف أعاد المسيحيون تشكيل أنفسهم فكريًا ولغويًا داخل العالم الإسلامي؟»
وهذه النقلة هي جوهر إرثه العلمي.
لقد رأى جريفيث أن تاريخ الشرق لا يمكن كتابته من خلال تاريخ المسلمين وحدهم، ولا من خلال تاريخ المسيحيين وحدهم، بل من خلال دراسة التفاعل بين الجماعات الدينية والثقافات واللغات التي عاشت معًا قرونًا طويلة.
ومن هنا ستبقى أعماله، وخاصة «الكنيسة في ظل المسجد» و«الكتاب المقدس بالعربية»، مراجع أساسية لكل من يريد فهم المسيحية العربية، وتاريخ السريان، وتطور الفكر المسيحي في ظل الحضارة الإسلامية.
وفي النهاية، يمكن القول إن سيدني جريفيث لم يكن مجرد مؤرخ للمسيحية العربية، بل كان واحدًا من الباحثين الذين أعادوا اكتشاف فصل كامل من تاريخ الشرق: فصل المسيحيين العرب والسريان الذين عاشوا، وفكروا، وكتبوا، وترجموا، وجادلوا، وأسهموا في صناعة الحضارة العربية الإسلامية.
