هندسة اليأس والتبرير الجهادي: قراءة تحليلية في افتتاحية صحيفة "النبأ" العدد 558

السبت 01/أغسطس/2026 - 05:44 م
طباعة هندسة اليأس والتبرير حسام الحداد
 
تمثل الخطابيات الإعلامية الصادرة عن تنظيم "داعش" عبر صحيفته الأسبوعية الرسمية "النبأ" مدخلا رئيسيا لفهم البنية العقدية والنفسية لأنصار هذه الحركات. وفي العدد 558 الصادر بتاريخ 30 يوليو 2026، تأتي افتتاحية تحت عنوان "الكفارات والدرجات" لتكشف عن نمط معقد من التوظيف الأيديولوجي للنصوص الدينية، مسخرة مفاهيم الزهد، والعبادة، والتكفير الأخروي لخدمة أجندة تنظيمية متطرفة تعيش حالة من الانكفاء العسكري والأمني.
يعكس هذا الخطاب محاولة مستميتة لتدجين أتباع التنظيم نفسيا، حيث يتم توظيف النصوص الدينية والروحية كبديل تعويضي عن الانهيار الميداني والافتقار إلى أي إنجاز حقيقي على الأرض. ومن خلال تفريغ المضامين الإنسانية والعبادية من سياقاتها الأصلية وصبها في قالب العمل الجهادي الفردي، يسعى الخطاب الداعشي إلى صناعة توازن مزيف يبرر الألم والعزلة، ويغلق أمام عناصره منافذ المراجعة الفكرية أو التراجع.
تعد افتتاحية العدد 558 من صحيفة "النبأ" وثيقة دالة على استراتيجية "التدجين الروحي" التي يمارسها تنظيم داعش؛ فهي لا تقدم مشروعا سياسيا أو رؤية عمرانية، بل تقدم مسوغات نفسية وعقدية للبقاء في حالة العصيان والتأزم والقتال العبثي حتى الموت، مستخدمة الدين غطاء أهليا ونفسيا لاستمرار حلقة العنف المفرغة وإغلاق منافذ التراجع أمام أفراده.

التوظيف الاستباقي لخطاب "المظلومية والمجاهدة"
يعتبر الخطاب الإعلامي لتنظيم "داعش" أداة رئيسية لتكييف وعي أفراده بما يتناسب مع واقعهم الميداني المأزوم، وتبدأ الافتتاحية في تصوير واقع المؤمن على أنه "ممتمن" (محاصر ومختبر) بين جنبيه نفس تميل للوهن وشيطان متربص، في محاولة واضحة لشرعنة حالة الشعور الدائم بالتهديد والضغط التي يعيشها عناصر التنظيم الهاربون أو المطاردون في مخابئهم. تعتمد هذه البداية على استراتيجية نفسية تهدف إلى تطبيع الظروف القاسية وتحويلها إلى سمة لازمة لطريق الالتزام الديني كما يصوره التنظيم.
وعلى مستوى تبرير الإخفاقات، يلجأ الخطاب إلى إيهام القارئ بأن "الرحلة إلى الله ليست طريقا مفروشا بالورود"، حيث يربط الخطاب التكفيري بين المشقات المادية والامتحانات الإلهية، مما يجعل الاستنزاف العسكري والعزلة الأمنية دليلا -في مخيلة المنتمين- على الاصطفاف الإيماني. هذا الربط الممنهج يحول الهزائم العسكرية والانكفاء الميداني إلى أدلة عكسية على الصحة العقدية، مقنعا الأتباع بأن تراجع نفوذهم هو مجرد ابتلاء للاختبار والتمحيص.
أما فيما يخص صناعة التوازن المزيف، فيتحدث النص عن توازن دقيق بين الخوف والرجاء، ولكنه في السياق الداعشي يعيد توجيه هذا التوازن لتخدير الأتباع؛ فـ "الكفارات" تفتح أملا وهميا بمحو الذنوب (بما فيها جرائم الدماء والانتهاكات)، بينما "الدرجات" تستخدم كجزرة معنوية لتعويض العجز المادي على الأرض بانتصارات غيبية مفترضة. يوظف هذا التوازن المصطنع لتعطيل محاكمة الواقع لدى الأتباع وصرف أنظارهم عن الخسائر المحسوسة عبر إغراقهم في آمال أخروية وتجريدية.
وفي المجمل، يشكل هذا التوظيف الاستباقي لخطاب المظلومية والمجاهدة حائطصد فكري يحمي الأتباع من الانهيار النفسي أو المراجعة النقدية؛ إذ يتم إعادة تفسير كل إخفاق أمني أو عسكري بوصفه وساما إلهيا، وكل معاناة باعتبارها ثمنا لدرجات عليا، مما يبقي الأفراد في حالة ولاء أعمى واستعداد دائم لتجرع المزيد من الخسائر تحت غطاء ديني مقدس.

إعادة هندسة المفاهيم الشرعية لخدمة العنف
تتجسد استراتيجية تنظيم "داعش" الإعلامية في قدرتها الممنهجة على إعادة هندسة المفاهيم الشرعية لخدمة العنف، حيث تستحضر الافتتاحية نصوصا رفيعة المستوى تتعلق بإسباغ الوضوء، وصيام العرفة وعاشوراء، وقيام الليل، وخدمة الخلق. غير أن الخطاب التكفيري يعمد إلى تفريغ هذه الفضائل من سياقها المدني والإنساني العام، ليقوم بصبها حصريا في قالب "العمل الجهادي الفردي"، بما يخدم متطلبات الاستمرار العسكري والأمني للتنظيم.
ويظهر هذا التحريف بوضوح في عملية شرعنة الألم والجزع؛ إذ يعمل الخطاب على تحويل الألم والابتلاءات اليومية -الناتجة عن الإصابات أو المطاردة الأمنية المستمرة- إلى "استثمار مكفر للذنوب". هذه المعالجة النفسية تمنح الفرد شعورا مضللا بأن معاناته المباشرة والناجمة عن تبني أفكار متطرفة هي في الواقع "اصطفاف قدري"، مما يضفي مسحة مقدسة على الضغوط الميدانية ويدفع الأفراد للتحمل والصبر تحت غطاء ديني.
وعلى الصعيد التنظيمي، يبرز الخلط الخطير بين العبادة والعزلة التنظيمية؛ فعبر التركيز على مفاهيم مثل "الرباط الروحي"، و"تعلق القلب بالمساجد"، و"الخطى إلى المساجد"، يحاول التنظيم -الذي يعيش أفراده في العادة متخفين ومطاردين بعيدا عن الجماعات المسجدية الطبيعية- إسقاط هذه المعاني على حالة "الخلايا النائمة" والتخفي الفردي والقطيعة الاجتماعية.
وبهذه الآلية، يحول الخطاب الإيديولوجي مفاهيم التواصل المجتمعي والارتباط بدور العبادة العامة إلى مجرد رموز للفرقة والانعزال التام عن المجتمع، الذي يكفره التنظيم أصلا. وبدلا من أن تؤدي العبادة وظيفتها الاجتماعية في الدمج والتراحم، يتم توظيفها كأداة لتكريس القطيعة وتبرير التمرد العنيف على محيطه البشري والديني.

مفارقة الخطاب والواقع (أزمة الشرعية التنظيمية)
تظهر قراءة افتتاحية صحيفة "النبأ" من منظور دراسات الحركات المتطرفة أزمة عميقة تعاني منها هذه التنظيمات على مستوى الشرعية الواقعية والميدانية، وتنعكس هذه الأزمة في حالة واضحة من "التعويض الخطابي". فعندما تفشل التنظيمات في تقديم إنجازات حقيقية على الأرض، تلجأ إلى تكثيف الرسائل الرمزية لتعويض النقص الحاصل في رصيدها المادي وبنيتها التنظيمية المتداعية.
ويبرز الوجه الأول لهذه الأزمة في الهروب المستمر من الواقع الميداني؛ إذ إنه عندما تفتقر التنظيمات المتطرفة إلى الإنجازات العسكرية أو السيطرة المكانية -وهي المكانة التي كانت تدعيها الدولة المزعومة سابقا- فإنها تتوجه مضطرة نحو "الخطاب الوعظي الرقيق" والمواضيع الروحية الفردية مثل الكفارات، قيام الليل، وحسن الخلق لملء الفراغ الأيديولوجي السحيق ورفع المعنويات المنهكة لعناصرها.
أما الوجه الثاني فيتجسد في التناقض الصارخ الذي يعتري نصوص الافتتاحية ومضمونها الدعائي؛ حيث يدعو النص في إحدى فقراته إلى "حسن الخلق، ونفع الناس، وقضاء حوائجهم، والإصلاح فيما بينهم"، متجاهلا تماما أن هذا الخطاب يصدر عن ذات التنظيم الذي أمعن تاريخيا وفي واقعه العملي في إراقة الدماء، وتفجير الأسواق، وتخريب المجتمعات، وتكفير الأمة الإسلامية بأسرها.
وفي الختام، يكشف هذا التناقض البنيوي عن حالة من الانفصام الكامل بين الأدبيات الدعائية الموجهة للاستهلاك التنظيمي وبين الممارسة الدموية على أرض الواقع. ومن خلال هذا الانفصال، يحاول الخطاب الداعشي رمدم الهوة بين وحشية أفعاله وسرديته الدينية، مستخدما العبادات الفردية كستائر غيبية لإخفاء العجز الميداني وفقدان المشروعية السياسية والمجتمعية.
واخيرا تعد افتتاحية العدد 558 من صحيفة "النبأ" وثيقة دالة على استراتيجية "التدجين الروحي" التي يمارسها تنظيم داعش؛ فهي لا تقدم مشروعا سياسيا أو رؤية عمرانية، بل تقدم مسوغات نفسية وعقدية للبقاء في حالة العصيان والتأزم والقتال العبثي حتى الموت. من خلال غرس قناعة بأن كل قطرة عناء أو مطاردة هي "درجة في الجنان"، يحاول التنظيم إغلاق منافذ التراجع أو المراجعة الفكرية أمام أفراده، مستخدما الدين غطاء أهليا ونفسيا لاستمرار حلقة العنف المفرغة.

شارك