عربة يجرها حمار .. الحرب تدفع كاهن كنيسة غزة إلى العودة للماضي
الإثنين 03/أغسطس/2026 - 10:30 ص
طباعة
روبير الفارس
في مشهد يلخّص حجم الانهيار الذي أصاب الحياة اليومية في قطاع غزة، كشف كاهن الأب جبرائيل رومانيلي أنه اضطر إلى التفكير في استخدام عربة يجرها حمار للوصول إلى المرضى وتوزيع المساعدات الإنسانية، بعد أن أدى شح الوقود إلى توقف معظم وسائل النقل، إلا أن الفكرة اصطدمت بواقع أكثر قسوة، إذ بلغ سعر الحمار الواحد نحو 17 ألف دولار، في رقم يعكس حجم الاختلال الاقتصادي الذي فرضته الحرب.
وأوضح رومانيلي أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الغذاء والدواء، بل امتدت إلى وسائل الحركة نفسها، فأصبح التنقل بين أحياء القطاع للوصول إلى الجرحى والمرضى أو نقل المساعدات الإنسانية مهمة شبه مستحيلة. ومع نفاد الوقود وتعطل السيارات، برزت فكرة العودة إلى وسيلة نقل بدائية تعتمد على عربة يجرها حمار، وهي وسيلة كانت شائعة في الماضي، لكنها تحولت اليوم إلى سلعة نادرة وباهظة الثمن.
ولم يكن التفكير في هذه الوسيلة بدافع الحنين إلى الماضي، بل باعتبارها الحل العملي الوحيد الذي يمكنه تجاوز أزمة الوقود. غير أن الحرب قلبت حتى هذه المعادلة، إذ أدى الطلب الكبير على الحيوانات المستخدمة في الجر والنقل، إلى جانب صعوبة إدخالها إلى القطاع، إلى ارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق، لتصبح خارج متناول معظم السكان والمؤسسات.
وتكشف هذه الواقعة جانبًا آخر من الأزمة الإنسانية في غزة، حيث لم تعد السيارات وسيارات الإسعاف وحدها تعاني من نقص الوقود، بل أصبح الوصول إلى أي وسيلة بديلة تحديًا في حد ذاته. فالانتقال من حي إلى آخر بات يستغرق ساعات، فيما تواجه المؤسسات الإنسانية والدينية صعوبات متزايدة في إيصال المساعدات أو زيارة المرضى وكبار السن.
ورغم هذه الظروف، تواصل رعية العائلة المقدسة، وهي الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في قطاع غزة، أداء رسالتها الإنسانية، من خلال توفير المأوى للنازحين، وتقديم الغذاء والرعاية والدعم النفسي، إلى جانب متابعة المرضى والمسنين كلما سمحت الظروف الأمنية بذلك.
وتحمل شهادة الأب رومانيلي دلالة تتجاوز مجرد الحديث عن وسيلة نقل، فهي تكشف إلى أي مدى أعادت الحرب سكان غزة إلى وسائل معيشة ظن كثيرون أنها أصبحت جزءًا من الماضي. فعندما يصبح الحمار بديلاً للسيارة، ثم يتحول هو الآخر إلى سلعة لا يمكن تحمل ثمنها، فإن ذلك يعكس عمق الأزمة التي يعيشها القطاع، حيث أصبحت أبسط مقومات الحياة اليومية رهينة الحرب والحصار، فيما تواصل الكنيسة محاولاتها للوصول إلى المحتاجين بكل وسيلة ممكنة، حتى وإن كانت عربة يجرها حمار.
