الاعتداءات علي المسيحيين في الضفة الغربية بين رصد التقارير والصمت التام

الثلاثاء 04/أغسطس/2026 - 11:23 ص
طباعة الاعتداءات علي المسيحيين روبير الفارس
 
 


تشهد بلدة الطيبة آخر بلدة فلسطينية ذات أغلبية مسيحية كاملة في الضفة الغربية، تصاعدًا غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، في ظل بيئة أمنية وسياسية متوترة منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023. وقد أصبحت البلدة، إلى جانب عدد من القرى المسيحية الأخرى، نموذجًا لما يواجهه المسيحيون الفلسطينيون من ضغوط متزايدة تهدد وجودهم التاريخي في الأرض المقدسة. حيث 
كشف تقرير أعدّه راعي رعية المسيح الفادي في الطيبة، الأب بشار فواضلة، عن تسجيل 12 اعتداءً نفذها مستوطنون خلال شهر يوليو 2026، شملت: اقتحام الأحياء السكنية. و الاعتداء على منازل المواطنين وممتلكاتهم. و تخريب الأراضي الزراعية وقطع الأشجار. والاعتداء على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم. و إتلاف مصادر المياه ومرافق زراعية.و إطلاق قطعان الماشية داخل الحقول لإتلاف المحاصيل.و أعمال ترهيب متكررة للسكان، خصوصًا خلال ساعات الليل.

وحذّر التقرير من أن هذه الاعتداءات لم تعد مجرد حوادث متفرقة، بل أصبحت نمطًا متكررًا يهدف إلى دفع السكان نحو الرحيل، الأمر الذي يهدد مستقبل الوجود المسيحي في البلدة.

 الطيبة... آخر بلدة مسيحية بالكامل

تحتل الطيبة مكانة خاصة في التاريخ المسيحي؛ فهي تُعرف في التقليد المسيحي باسم أفرايم حيث لجأ إليها السيد المسيح قبل أيام من دخوله أورشليم، وفق إنجيل يوحنا (11: 54).

وتضم البلدة ثلاث كنائس رئيسية تمثل الطوائف المسيحية الثلاث الكنيسة اللاتينية.و الكنيسة الأرثوذكسية.و الكنيسة الملكية الكاثوليكية (الروم الكاثوليك).

ويعيش سكانها منذ قرون على الزراعة، وخاصة زراعة الزيتون والكرمة، وهي مصادر أصبحت هدفًا متكررًا لاعتداءات المستوطنين.

 اعتداءات متكررة على المواقع المسيحية

لم تقتصر الاعتداءات على الأراضي الزراعية، بل طالت أيضًا مواقع دينية وتاريخية، حيث شهدت السنوات الأخيرة: إحراق وإتلاف أجزاء من أراضٍ مجاورة للكنائس.و اقتحامات قرب المقابر المسيحية.و إقامة بؤر استيطانية ورعي مكثف في محيط البلدة.و منع المزارعين من الوصول إلى كروم الزيتون خلال مواسم الحصاد.

كما أثارت حوادث إشعال النيران بالقرب من كنيسة القديس جاورجيوس (الخضر) التاريخية موجة إدانات كنسية واسعة، لما تمثله من تهديد مباشر للتراث المسيحي.

 نمط يتكرر في قرى مسيحية أخرى

لا تقتصر الضغوط على الطيبة، بل تمتد إلى عدد من البلدات والقرى ذات الحضور المسيحي في الضفة الغربية، أبرزها: بيت جالا و بيت ساحور و الزبيدات (تضم عائلات مسيحية)و قرى ريف رام الله التي يملك مسيحيون فيها مساحات زراعية واسعة.

وتتمثل أبرز الانتهاكات في: الاستيلاء على الأراضي.و منع الوصول إلى الحقول.واقتلاع أشجار الزيتون.و الاعتداء على الرعاة والمزارعين.و توسيع البؤر الاستيطانية غير القانونية.و مضايقات على الطرق الزراعية.

 تراجع أعداد المسيحيين

تأتي هذه الاعتداءات في وقت يشهد فيه الوجود المسيحي الفلسطيني تراجعًا مستمرًا.

فبعد أن كان المسيحيون يشكلون نسبة ملحوظة من سكان الضفة الغربية والقدس في العقود الماضية، انخفضت أعدادهم نتيجة عوامل متعددة، أبرزها: الهجرة الاقتصادية.و القيود الأمنية.و التوسع الاستيطاني.و صعوبة الحركة.و تراجع فرص العمل.و المخاوف الأمنية الناتجة عن الاعتداءات المتكررة.

وترى الكنائس المحلية أن استمرار هذه الظروف يسرّع وتيرة الهجرة، خاصة بين الشباب والعائلات.

 مواقف الكنائس

دعت الكنائس المسيحية في الأرض المقدسة مرارًا إلى حماية السكان المدنيين واحترام أماكن العبادة والممتلكات، مؤكدة أن الاعتداءات على القرى المسيحية تمثل تهديدًا للتعددية الدينية التي تميز الأرض المقدسة منذ قرون.

كما طالبت بوجود مراقبة دولية أكثر فاعلية، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، وضمان وصول المزارعين إلى أراضيهم بحرية وأمان.

دعوات إلى تحرك دولي

اختتم تقرير الأب بشار فواضلة بدعوة الكنائس في العالم والمؤسسات الدولية إلى: تكثيف الزيارات التضامنية إلى الطيبة.و توفير حضور دولي ميداني يردع الاعتداءات.و دعم صمود العائلات المسيحية اقتصاديًا.و حماية الأراضي الزراعية وأماكن العبادة.و العمل على ضمان بقاء المسيحيين في موطنهم التاريخي.

ويؤكد أبناء الطيبة أن القضية لا تتعلق فقط بحماية بلدة صغيرة، بل بالحفاظ على أحد أقدم التجمعات المسيحية المتواصلة في العالم، والذي يمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الدينية والتاريخية للأرض المقدسة.

شارك