إيران توظف الطائرات المسيّرة لرفع تكلفة الصراع وتهديد التجارة العالمية
السبت 08/أغسطس/2026 - 09:54 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
لم تعد الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، وفقًا لتقرير صادر عن وكالة شيبا للاستخبارات، مجرد وسيلة لتنفيذ هجمات عسكرية محدودة، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية إيرانية أوسع تستهدف رفع الكلفة الاقتصادية للصراعات الإقليمية.
ويشير التقرير إلى أن طهران تعتمد بصورة متزايدة على تهديد البنية التحتية للطاقة، وخطوط الملاحة، والمطارات، والممرات البحرية الحيوية، بهدف خلق حالة مستمرة من عدم اليقين تنعكس على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ويعتبر التقرير أن التطورات الأخيرة في البحر الأحمر تمثل نموذجًا عمليًا لهذا النهج، في ظل تصاعد الهجمات والإنذارات الأمنية التي تستهدف أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
البحر الأحمر.. مؤشر على تحول في طبيعة المواجهة
استند تقرير شيبا إلى حادث أمني أعلنته عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO)، تمثل في وقوع انفجار بالقرب من ناقلة نفط تجارية جنوب شرقي عدن، ورغم أن السفينة واصلت رحلتها دون تسجيل إصابات أو أضرار، فإن الحادث أعاد، بحسب التقرير، تسليط الضوء على هشاشة الملاحة في مضيق باب المندب، الذي يعد من أهم الممرات العالمية لنقل النفط والتجارة.
وجاء ذلك بعد إعلان الحوثيين تنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مطار نجران السعودي، وإعلانهم مهاجمة ناقلة النفط السعودية "وفاء" ضمن حملتهم البحرية، في وقت لا تزال فيه هذه الادعاءات بانتظار التحقق من مصادر مستقلة.
الحوثيون.. الذراع الإقليمية للضغط على ممرات الطاقة
يرى التقرير أن الحوثيين يمثلون أحد أهم شركاء إيران الإقليميين من الناحية الاستراتيجية، مستفيدين من سيطرتهم على مناطق مطلة على البحر الأحمر وباب المندب.
ووفقًا للتقرير، تمنح هذه المواقع الجماعة القدرة على استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة لتهديد حركة الملاحة وصادرات الطاقة، وهو ما يوفر لطهران وسيلة لممارسة ضغوط إقليمية ودولية دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.
ويؤكد التقرير أن القيمة الحقيقية للطائرات المسيّرة لا ترتبط فقط بقدرتها على إحداث أضرار مادية، بل بقدرتها على فرض حالة من عدم اليقين تدفع شركات الشحن إلى تعديل مساراتها، وترفع تكاليف التأمين البحري، وتزيد الأعباء المالية على الحكومات لتعزيز الدفاعات الجوية والبحرية.
الحرب الاقتصادية بالطائرات المسيّرة تتجاوز الشرق الأوسط
يشير تقرير شيبا إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة كوسيلة للضغط الاقتصادي لم يعد يقتصر على الشرق الأوسط، مستشهدًا بحوادث وقعت في مناطق أخرى.
فقد تعرضت سفن تجارية مرتبطة بتركيا لهجمات بطائرات مسيّرة في البحر الأسود خلال الحرب الروسية الأوكرانية، كما فتحت السلطات الألمانية تحقيقًا بعد العثور على طائرة مسيّرة تحمل متفجرات قرب مطار لايبزيغ-هاله، أحد أكبر مراكز الشحن الجوي في أوروبا، وفي حادث منفصل أبلغت طائرة شحن تابعة لشركة DHL عن اصطدامها بجسم جوي مجهول.
ويؤكد التقرير أن هذه الوقائع، رغم اختلاف أطرافها وعدم ربطها بإيران، تعكس قدرة الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة على تعطيل شبكات النقل والإمداد العالمية حتى مع محدودية الأضرار المباشرة.
أسواق الطاقة تتأثر بالمخاطر أكثر من الأضرار
بحسب التقرير، لم تؤدِ التطورات الأخيرة إلى ارتفاعات كبيرة ومستدامة في أسعار النفط، إذ استقر خام برنت عند نحو 79 دولارًا للبرميل، مدعومًا بتوقعات حدوث تقدم دبلوماسي بشأن مضيق هرمز.
لكن التقرير يشير إلى أن استمرار الهجمات والإنذارات الأمنية في البحر الأحمر يحافظ على ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية، وهو ما ينعكس في زيادة تكاليف التأمين والشحن، واستمرار حالة عدم اليقين التي تؤثر في أسواق الطاقة وسلاسل التجارة العالمية.
ويخلص التقرير إلى أن الهدف الإيراني لا يتمثل بالضرورة في تعطيل صادرات النفط بصورة كاملة، وإنما في إبقاء الأسواق العالمية وشركات النقل والتأمين في حالة دائمة من احتساب المخاطر، بما يمنح طهران أداة ضغط منخفضة التكلفة وقادرة على التأثير في أحد أهم ممرات الطاقة والنقل البحري في العالم.
ويرى المراقبون أن ما أورده تقرير وكالة شيبا يعكس تحولًا في طبيعة الصراعات الإقليمية، حيث أصبحت الأدوات منخفضة التكلفة، مثل الطائرات المسيّرة، تُستخدم لتحقيق أهداف اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية.
ويشيرون إلى أن استمرار استهداف الممرات البحرية والبنية التحتية للطاقة من شأنه أن يبقي البحر الأحمر ضمن أكثر مناطق العالم حساسية، مع استمرار تأثير المخاطر الأمنية على حركة التجارة وأسواق الطاقة، حتى في حال غياب مواجهات عسكرية واسعة النطاق.
