«صراع العقيدة».. تهافت السردية الداعشية ومأزق الانكفاء على الغيبيات
السبت 08/أغسطس/2026 - 06:17 م
طباعة
حسام الحداد
يمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» مرآة كاشفة لمآلاته الميدانية وتحولاته البنيوية؛ إذ لا ينفصل النص الدعائي الذي تبثه أجهزته، وفي مقدمتها صحيفة «النبأ»، عن السياق العام للتراجع والانحسار الجغرافي الذي يعيشه التنظيم بعد انهيار ما كان يسميه ب«دولة التمكين». وفي هذا الإطار، تأتي افتتاحية العدد (559) المعنونة ب «صراع العقيدة» لتجسد ذروة الهروب الأيديولوجي إلى الأمام؛ حيث يعمد التنظيم إلى إعادة إنتاج مقولاته التأسيسية الأكثر راديكالية وتجريدا، في محاولة مستميتة لعزل الصراع عن واقعه السياسي والعسكري، وإعادة تصديره في قالب غيبي مطلق يهدف إلى تحصين البنية النفسية للأتباع، والتغطية على الفشل الهيكلي في تقديم نموذج حكم أو إدارة سياسية واقعية وقابلة للاستمرار.
إن التمعن في تفكيك مضامين هذه الافتتاحية يكشف عن اعتماد التنظيم على ترسانة من الآليات الدفاعية والاستراتيجيات التأصيلية المشوهة؛ بدءا من فرض ثنائية مانوية حادة تلغي تعقيدات النظام الدولي وتسقط الحسابات الجيوسياسية، مرورا بنسف مفهوم "الدولة الوطنية" وشيطنة مبادئ العمل السياسي والدبلوماسي، وصولا إلى توظيف الإسقاطات التاريخية المبتسرة للتنصل من المسؤولية الأخلاقية عن ممارساته الوحشية. تتكامل هذه المحاور لتبني ما يمكن تسميته ب«التعويض الرمزي عن الهزائم الميدانية»؛ حيث يعاد تدوير الخسائر المادية والتقهقر العسكري ليصبحا دليلا على "التمحيص" و«صحة المنهج»، في مسعى أخير لإنتاج مخدر عقائدي يضمن استمرار الانقياد الأعمى واستدامة التجنيد في أودية العدمية والتطرف.
ثنائية الفسطاطين والاختزال المانوي للصراع
تعد الرؤية المانوية القائمة على التقسيم الحاد للوجود واحدة من أرسخ الركائز البنيوية في الخطاب الدعائي لتنظيم «داعش». يستند المقال إلى استدعاء سردية "الفسطاطين" التقليدية لتفكيك المشهد الإنساني والسياسي المعقد وإعادة صياغته في قالب ثنائي مطلق: «فسطاط الإيمان المحض» الذي يختزله التنظيم حصريا في ذاته ونهجه، مقابل «فسطاط الكفر المطلق والردة» الذي يضم سائر دول العالم والمجتمعات والحركات المخالفة. هذا النمط من التفكير الإقصائي يلغي أي مساحات رمادية أو تمايزات فكرية أو سياسية بين الفاعلين الدوليين والمحليين، ويؤسس لقطيعة معرفية ووجودية كاملة تمنع أي إمكانية للالتقاء أو الحوار أو التعايش، محولا العالم بأسره إلى ساحة حرب حتمية ومفتوحة.
تجريد الصراعات من دوافعها السياسية
يعمل الخطاب بشكل منهجي على نزع الطابع العقلاني والواقعي عن النزاعات الإقليمية والدولية؛ إذ يسعى المقال إلى إنكار وتهميش الدوافع الجيوسياسية، والمصالح الاقتصادية كالتنافس على موارد الطاقة والنفط والممرات البحرية، أو حتى الاعتبارات القومية والوطنية التي تحرك السياسات الدولية عادة. ومن خلال هذا الطرح، يصور التنظيم تلك العوامل بأنها مجرد تفاصيل ثانوية لا قيمة لها في جوهر المعركة، مصرا على أن الحرب القائمة ضده ليست سوى استهداف مباشر ومقصود لمفهوم "التوحيد" والشريعة.
يؤدي هذا التجريد المتعمد إلى تسطيح خريطة العلاقات الدولية المعقدة، وتقديم تفسير ديني غيبي واحد لكل صدام عسكري أو تحالف دولي. فبدلا من قراءة التحركات العسكرية والسياسية كاستجابة لتهديدات أمنية أو صراع على النفوذ والمصالح الاستراتيجية، تقدم هذه التحركات لعناصر التنظيم على أنها "حرب كونية صليبية" منسقة ومستمرة عبر العصور تهدف حصرا إلى القضاء على العقيدة؛ مما يغلق الباب تماما أمام أي محاولة لفهم الواقع عبر أدوات العلوم السياسية أو المنطق الاستراتيجي السليم.
الهدف التعبوي
يحقق هذا النمط من الاختزال المانوي غاية وظيفية ونفسية شديدة الخطورة على مستوى إدارة الأتباع وتوجيههم؛ إذ يعمل على تعطيل الملكات العقلية وقدرات التفكير النقدي لدى عناصر التنظيم. فحين يتم تصوير الواقع كصراع مطلق بين الحق الصافي والباطل المحض، ينزع الشك من نفوس المقاتلين، ويصبح التساؤل حول صحة قرارات القيادة أو جدوى العمليات العسكرية نوعا من التخاذل أو الانحراف العقائدي، مما يبقي الأفراد في حالة انقياد تام وخضوع نفسي مطلق لسرديات التنظيم.
إضافة إلى ذلك، يسهم هذا الطرح في تحويل المعركة الميدانية من حدث سياسي-عسكري خاضع لموازين القوى وحسابات الربح والخسارة إلى واجب ديني ميتافيزيقي غير قابل للمراجعة. هذا التحول ينفي الحاجة إلى الحسابات العقلانية؛ إذ تصبح التضحيات الجسيمة والخسائر الفادحة في الأرواح والأرض علامات على "الابتلاء والتمحيص" بدلا من كونها مؤشرات على الفشل والتخبط الاستراتيجي، وهو ما يضمن للتنظيم استمرار تدفق الوقود البشري المستعد للموت دفاعا عن سردية مقدسة لا تلتفت للنتائج المادية الملموسة.
شيطنة المفاهيم الحديثة وإلغاء فكرة «الدولة الوطنية»
يرتكز الخطاب الأيديولوجي لتنظيم «داعش» في هذه الافتتاحية على نسف أسس الحداثة السياسية برمتها، وفي مقدمتها مفهوم «الدولة الوطنية الحديثة» وما يرتبط بها من أطر ناظمة للهوية والانتماء. يشن المقال هجوما عنيفا ومباشرا على كافة المشروعات «الوطنية، القومية، وحركات التحرر»، واصفا إياها ب «الرايات الجاهلية العمياء» و«المصطلحات الشيطانية» التي تهدف —بحسب زعمه— إلى حرف مسار الصراع وطمس طبيعته الدينية. هذا الاستهداف الممنهج لا يمثل مجرد نقد سياسي عابر، بل هو محاولة لتفكيك العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه المجتمعات المعاصرة، وإحلال نموذج أممي بدائي معولم مكانه، يرفض الحدود الجغرافية والقوانين الوضعية ويعتبرها عوائق أمام تحقيق الهيمنة الأيديولوجية للتنظيم.
أنسنة العزلة وتفكيك الانتماء المجتمعي
يستهدف المقال بشكل مباشر ضرب مفهوم "المواطنة" وبتر الروابط الطبيعية التي تجمع الفرد بأرضه، وتاريخه، ومحيطه المجتمعي؛ حيث يسعى الخطاب إلى تجريد الانتماء الوطني من أي قيمة أخلاقية أو شرعية ودمغه بوصمة "الجاهلية والردة". عبر هذا التكتيك، يعمل التنظيم على عزل الفرد نفسيا وفكريا عن مجتمعه الأصلي، وتصوير الدفاع عن الوطن أو التفاعل الإيجابي مع قضاياه كنوع من الشرك والانسلاخ عن صحيح الدين، مما يخلق هوة سحيقة بين الفرد وهويته الثقافية والاجتماعية.
في مقابل هذا التفكيك الممنهج، يطرح التنظيم بديلا يقوم على رابطة أيديولوجية أحادية عابرة للحدود والخرائط، تتجسد في "الولاء المطلق للتنظيم وقيادته". هذا التحول يعيد هندسة وعي المتلقي ليرى أن "دار الإسلام" هي فقط البقعة التي يسيطر عليها التنظيم أو يحارب لأجلها، وأن أي فضاء وطني آخر هو "دار كفر وحرب". هذا النمط من العزلة الشعورية يتيح للتنظيم السيطرة التامة على الأتباع وتوجيه سلوكهم العدائي حتى ضد مجتمعاتهم وعائلاتهم دون أي وازع وطني أو أخلاقي.
تحريم العمل السياسي والانسداد الدبلوماسي
يؤسس الخطاب لرفض قاطع ومطلق لكافة أدوات العمل السياسي والوسائل الدبلوماسية المعاصرة؛ إذ يجرم المقال مفاهيم مثل "المفاوضات، الهدنة، التسويات السياسية، أو التوافقات المرحلية". ويعتبر التنظيم أن أي انخراط في العملية السياسية أو تبن لمسارات الحوار هو "مداهنة للطواغيت" و"تنازل وخضوع مذل"، مما يعكس رؤية متطرفة تغلق الباب تماما أمام أي شكل من أشكال البراغماتية أو فقه الموازنات والمصالح، وتحصر العلاقة مع الآخر (مسلما كان أو غير مسلم) في فوهة البندقية وحد السيف فقط.
يكشف هذا التحريم المطلق للسياسة عن "الطبيعة العدمية" لمشروع التنظيم، الذي لا يمتلك أي أفق لبناء علاقات دولية مستقرة أو تقديم نموذج حكم قابل للاستدامة والتفاعل مع المنظومة العالمية. فمن خلال تصوير الدبلوماسية والحلول السلمية على أنها "كفر وردة عن العقيدة"، يفرض التنظيم على عناصره خيارا صفريا لا ثالث له: إما القتال المستمر والهلاك، أو فرض رؤيتهم بالقوة المطلقة. هذه العدمية تحرم التنظيم ذاته من أي مخرج سياسي عند مواجهة الهزائم العسكرية، وتكرس بقاءه كحالة تخريبية مستمرة تعيش فقط على تأجيج الصراع ورفض كل مساعي الاستقرار الإقليمي والدولي.
توظيف الإسقاطات التاريخية وتطويع النصوص الدينية
تمثل آلية «الإسقاط التاريخي المتعسف» إحدى أهم الأدوات التأصيلية التي تتكئ عليها أدبيات تنظيم «داعش» لمنح ممارساته المعاصرة غطاء قدسيا وشرعية دينية مطلقة. يعمد المقال إلى انتزاع القصص القرآني والنصوص التأسيسية من سياقاتها التنزيلية وظروفها التاريخية والتشريعية الخاصة، وإعادة إسقاطها بطريقة ميكانيكية مشوهة على واقع التنظيم الميداني وصراعاته السياسية والعسكرية. ومن خلال استدعاء نماذج مثل قصة «سحرة فرعون» و«أصحاب الأخدود»، يسعى الخطاب إلى بناء مماثلة صورية خادعة تفترض تطابقا كاملا بين تجارب الأنبياء والمؤمنين الأوائل في مواجهة الطغيان وبين حرب التنظيم ضد المنظومة الدولية والمجتمعات المحلية، متجاوزا الفوارق الأخلاقية والواقعية الشاسعة بين النموذجين.
احتكار صفة «المستضعف المحق» وتبرئة الذات
يستثمر المقال هذه الإسقاطات التاريخية لتكريس "مظلومية زائفة"، يصور من خلالها عناصر التنظيم كطائفة مستضعفة ونقية تسام سوء العذاب وتحارب في شتى بقاع الأرض لسبب وحيد هو "تمسكها بالتوحيد الخالص والإيمان بالله". هذا التأطير الضحكوي يستنسخ مقولات سحرة فرعون: {وما تنقم منا إلا أن آمنا} ومقولة القرآن عن أصحاب الأخدود: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله}، ليوحي للمتلقي بأن كل ضربة عسكرية أو ملاحقة أمنية يتعرض لها التنظيم إنما هي حلقة جديدة من حلقات اضطهاد أهل الحق على أيدي قوى الكفر والطغيان.
في المقابل، تؤدي هذه السردية وظيفة تعتيمية بالغة الخبث؛ إذ تتجاهل عمدا وبشكل تام المسؤولية الأخلاقية والشرعية والسياسية للتنظيم عن الجرائم الوحشية والعمليات الإرهابية التي ارتكبها، والتي كانت السبب الرئيس والمباشر في استعداء المجتمعات المسلمة قبل المجتمع الدولي. إن تصوير المعركة على أنها استهداف مجرد للهوية والإيمان يسقط من الحسابات جرائم استباحة الدماء، وسبي النساء، وتكفير المخالفين، وتدمير المدن، ويحول ردود الفعل الدفاعية للمجتمعات والدول إلى "عدوان كفري غير مبرر"، مما يمنح المقاتلين شعورا بالبراءة الأخلاقية ويزيل عنهم أي وخز للضمير تجاه أفعالهم التخريبية.
الشرعنة عبر التفسير الانتقائي واجتزاء التراث
يعتمد الخطاب منهجية "الاجتزاء البتري" للنصوص الشرعية والتراث التفسيري، حيث يعزل آيات القتال ومقاطع من كتب المفسرين (كنقله المبتسر لتفسير الإمام الطبري لآية: {وجاهدهم به جهادا كبيرا}) عن مقاصدها الكلية وقواعدها الأصولية المقيدة. فبينما يجمع جمهور الفقهاء والمفسرين على أن الجهاد شرع لرد العدوان وحماية حرية المعتقد وضمن ضوابط استطاعة وشروط إمامة منضبطة، يقوم التنظيم بتحريف دلالات هذه النصوص لتأصيل فرضية "القتال العدمي المفتوح" وتعميم حكم الحرب ليشمل العالم بأسره دون قيد أو شرط.
ينتج هذا التوظيف الانتقائي قراءة فقهية مشوهة تعطل فقه المآلات والمصالح، وتفرغ النصوص القرآنية من قيمها الإنسانية والرحمة التي بعث بها الإسلام، لتحل محلها سردية «القتال المستدام حتى فناء العالم». إن تطويع التراث التفسيري واستدعاء كبار أئمة الفقه والتفسير في غير مواضعهم يهدف في المقام الأول إلى إضفاء هالة من "الأصالة السلفية" المزعومة على سلوكيات شاذة وخارجة عن الإجماع الفقهي التاريخي، مما يسهل عملية تضليل الشباب وإقناعهم بأن ما يمارسه التنظيم هو التطبيق الحرفي والوحيد لما كان عليه السلف الصالح.
التعويض الرمزي عن الهزائم الميدانية
يمثل مفهوم «التعويض الرمزي» آلية دفاعية نفسية وأيديولوجية محورية تلجأ إليها الجماعات المتطرفة عند مواجهة الانكسارات العسكرية الحادة وفقدان السيطرة الجغرافية. تتجلى في ثنايا هذه الافتتاحية محاولة مكشوفة للالتفاف على الواقع الميداني المأزوم لتنظيم «داعش» بعد تقهقره وخسارته لمراكزه الحضرية وقواعده التمكينية؛ إذ يعمد الخطاب إلى نقل المعركة من حيز الواقع المادي المحسوس والمقاس عسكريا إلى فضاء غيبي وميتافيزيقي مجرد. ومن خلال هذا التحول، يعاد تعريف مفاهيم "النصر" و"الهزيمة" لمعالجة الصدمة الميدانية، وتحويل الخسائر الفادحة على الأرض إلى محطات رمزية تؤكد —وفق زعمهم— صحة المنهج واستمرارية الوعد الإلهي بالغلبة الحتمية.
نفي أثر موازين القوى وإلغاء الحسابات المادية
يسعى المقال بصورة حثيثة إلى تجريد "موازين القوى المادية" من أي قيمة أو فاعلية في حسم مسار المعركة، معتبرا أن التفوق التسليحي، والتكنولوجي، والعددي للخصوم هو تفوق زائف لا وزن له في «صراع العقيدة». يطرح الخطاب فكرة مؤداها أن السلاح في يد المقاتل الذي لا يحمل عقيدة التنظيم هو سلاح "خاو لا يساوي شيئا"، بينما يمنح مقاتل التنظيم هالة من التفوق المعنوي المطلق الذي يجعله متعاليا على قوانين الحرب والفيزياء العسكرية، استنادا إلى نصوص قطعية يوردها في غير سياقها الميداني مثل: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} و{وإن جندنا لهم الغالبون}.
يؤدي هذا الطرح إلى إعادة صياغة جذرية لمفهوم "الهزيمة العسكرية"؛ حيث تجرد الخسائر الميدانية من دلالاتها الواقعية كفشل في التخطيط أو عجز استراتيجي، ويعاد تدويرها باعتبارها مجرد "ابتلاءات إلهية وتمحيص للمؤمنين" ومقدمات حتمية لنصر غيبي موعود. ومن خلال تسفيه الحسابات العقلانية والمنطق الاستراتيجي السليم، يروج الخطاب لفكرة أن النتيجة محسومة سلفا لصالح التنظيم بغض النظر عما يجري على الأرض، مما يجعل التراجع المكاني أو فناء القوات أمرا غير ذي بال ما دامت الراية مرفوعة والنية منعقدة على استمرار القتال.
الوظيفة النفسية والتماسك الأيديولوجي
تؤدي هذه السردية وظيفة "المخدر الأيديولوجي" المصمم بعناية لكبح جماح الإحباط، واليأس، والتآكل المعنوي الذي يتسلل إلى صفوف المقاتلين والأنصار في أعقاب الهزائم المتلاحقة. فمن خلال تصوير البقاء على قيد الحياة والموت في سبيل الفكرة كانتصارين متساويين، يحصن التنظيم عناصره من مراجعة حساباتهم أو الاعتراف بفشل مشروعهم، ويغلق الباب أمام التساؤلات الحرجة حول جدوى الاستمرار في حرب غير متكافئة؛ مما يسهم مباشرة في منع الانشقاقات ووقف نزيف الكوادر البشرية الهاربة من جحيم الهزائم.
علاوة على ذلك، تعمل هذه الدعاية على تحويل الفشل الاستراتيجي الصريح في إقامة "الدولة المزعومة" وإدارتها إلى «انتصار رمزي وعقائدي» باهر. فالانتصار في نظر الخطاب لم يعد يرتبط بالسيطرة على الجغرافيا وإقامة المؤسسات وتوفير الأمن والحكم، بل بات يختزل في مجرد "الثبات على المبدأ وعدم التنازل أو الرضوخ للمنظومة الدولية". هذا التراجع البراغماتي في سقف الأهداف يتيح للتنظيم الاستمرار في تجنيد الأفراد ودفعهم نحو العمليات الانتحارية والهجمات الخاطفة، متسلحين بوهم أنهم يخوضون معركة كونية يحققون فيها النصر المعنوي حتى وإن تلاشت رقعتهم الجغرافية تماما.
لنجد اخيرا ان الافتتاحية لا تقدم أي تطور أو تجديد في الفكر الاستراتيجي للتنظيم؛ بل هي انعكاس لحالة «الانكفاء على الذات العقائدية». فعندما يعجز التنظيم عن تقديم نموذج حكم واقعي أو تحقيق مكاسب عسكرية ملموسة، يلجأ إلى تصعيد النبرة العقدية وتجريد الصراع من أي براغماتية، في محاولة للحفاظ على تماسكه الداخلي واستقطاب العناصر الراديكالية عبر دغدغة العواطف الدينية وإشعال الحتميات الصدامية.
