الحوثيون والقرن الأفريقي.. شبكة تهريب عابرة للحدود يقودها المال والسلاح

السبت 29/أغسطس/2026 - 12:57 م
طباعة الحوثيون والقرن الأفريقي.. فاطمة عبدالغني
 
لم تعد أنشطة التهريب المرتبطة بالحوثيين في اليمن مجرد عمليات منفصلة لنقل الأسلحة والمعدات، بل تحولت وفق مصادر أمنية يمنية وإقليمية تحدثت إلى صحيفة "ذا ناشيونال"، إلى شبكة أكثر تعقيدًا تمتد عبر البحر الأحمر وخليج عدن وصولًا إلى القرن الأفريقي.

وبحسب التقرير، استفاد الحوثيون خلال السنوات الماضية من خبرات حلفائهم الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله المدعوم من إيران، في بناء شبكة من الوسطاء والمهربين والمصالح التجارية التي تساعد الجماعة على تأمين احتياجاتها العسكرية واللوجستية، إلى جانب توسيع نطاق تحركاتها خارج اليمن.

وتكتسب هذه الشبكة أهمية خاصة بسبب موقع اليمن على خطوط الملاحة الدولية، إذ يمثل باب المندب نقطة اتصال استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن، فيما يوفر الساحل الغربي اليمني، ولا سيما الحديدة، منفذًا مهمًا لحركة الإمدادات.

الحوثيون يوسعون شبكة التهريب خارج اليمن

تقول "ذا ناشيونال" إن الحوثيين تحولوا خلال العقد الماضي من جماعة مسلحة محلية إلى قوة ذات امتدادات إقليمية، مستفيدين من سيطرتهم على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال وغرب اليمن، ومن شبكة طرق بحرية وبرية معقدة.

ويعتمد الحوثيون على مسارات عبر بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر للحصول على أسلحة ومكونات للطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والتكنولوجيا والمعدات المرتبطة بقدراتهم البحرية.

ونقل التقرير عن مسؤول أمني يمني بارز أن نشاط الحوثيين في القرن الأفريقي لا يقتصر على الحصول على الإمدادات، وإنما يشمل أيضًا توسيع عمليات توزيع وبيع الأسلحة ونشر ما وصفه بالأجندة الإيرانية في المنطقة.

ويشير المسؤول إلى أن وجود الحوثيين في القرن الأفريقي أصبح جزءًا مهمًا من منظومة الإمداد الخاصة بالجماعة، خصوصًا مع سعيها إلى تنويع طرق النقل والوساطة بما يقلل من احتمالات اكتشاف الشحنات أو تعطيل الشبكة بالكامل.

ويُظهر هذا النهج تحولًا من الاعتماد على مسار واحد إلى منظومة متعددة الحلقات، تضم مهربين ووسطاء وشبكات إجرامية وعناصر مسلحة تعمل على جانبي خليج عدن وبحر العرب.

دور حزب الله في بناء شبكات الحوثيين

بحسب المصادر التي استند إليها تقرير "ذا ناشيونال"، فإن العلاقة بين الحوثيين وحزب الله لم تقتصر على التدريب العسكري وتبادل الخبرات القتالية، بل امتدت إلى أساليب بناء الشبكات اللوجستية والأمنية.

وقال مصدر أمني إقليمي للصحيفة إن حزب الله نقل إلى الحوثيين خبرات تتعلق ببناء العلاقات وتشكيل شبكات من المهربين والجواسيس، بالاعتماد على الأموال وتبادل الخدمات، بما في ذلك المساعدة في الحصول على الأسلحة والتدريب.

وتشير الصحيفة إلى أن الحوثيين اتبعوا نموذجًا مشابهًا في العراق، حيث حافظوا على وجودهم هناك منذ سنوات، قبل أن يفتتحوا مكتبًا في بغداد عام 2024، إلى جانب مكتب آخر في النجف.

ووفق المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية ISPI، مثّل اندلاع حرب غزة نقطة تحول في مستوى التعاون بين الحوثيين والميليشيات العراقية المدعومة من إيران، إذ أعلن تحالف الحوثيين والميليشيات العراقية مسؤوليته عن عمليات مشتركة ضد إسرائيل خلال عام 2024.

ومع تراجع حدة الحرب داخل اليمن، اتجه الحوثيون بصورة أكبر إلى توسيع علاقاتهم في القرن الأفريقي، مستفيدين من هشاشة بعض المناطق الساحلية وانتشار التهريب والقرصنة والاتجار بالبشر.

وتوفر هذه البيئة، بحسب مصادر الصحيفة، غطاءً مناسبًا لإنشاء شبكات يصعب تحديد طبيعة نشاطها، خصوصًا مع تداخل المصالح الإجرامية مع الأهداف العسكرية والأمنية.

من الصومال إلى السودان.. اتساع نطاق التعاون

برزت الصومال كإحدى أهم ساحات التوسع الحوثي في القرن الأفريقي، فقد أشارت الولايات المتحدة في وقت سابق إلى استمرار التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب، فيما ذكر تقرير أممي صدر عام 2025 أن ممثلين عن الجماعتين عقدوا اجتماعين على الأقل في الصومال خلال عام 2024.

وبحسب التقرير الأممي، تناولت الاجتماعات إمكانية حصول حركة الشباب على أسلحة وخبرات تقنية من الحوثيين، مقابل تكثيف أنشطة القرصنة في خليج عدن والمياه القريبة من الساحل الصومالي وجمع الفدى من السفن التي يتم الاستيلاء عليها.

كما نقلت "ذا ناشيونال" عن تقرير لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن حركة الشباب تحصل على جزء من عائدات الفدى، فيما رجح التقرير أن يكون التعاون بين الطرفين قد شمل استخدام القرصنة وسيلة لتعطيل حركة الملاحة البحرية.

وتشير تقارير أخرى إلى انتقال أسلحة صغيرة ومتفجرات ومكونات للطائرات المسيّرة برًا وبحرًا بين اليمن والصومال، بالتزامن مع تبادل خبرات في مجالات الأنظمة غير المأهولة والاستهداف والتخطيط العملياتي.

أما السودان، فيمثل مسارًا آخر لتوسع هذه الشبكة، ووفق تقرير صادر عن مؤسسة القرن، ساهم الحوثيون في دعم تطوير طائرة هجومية مسيرة سودانية تعرف باسم "سفاروغ"، والتي تشبه بدرجة كبيرة الطائرة الإيرانية "أبابيل-تي" المستخدمة في نماذج من الطائرات الهجومية التي طورها الحوثيون.

ويشير التقرير إلى أن العلاقة بين الحوثيين وبعض الأطراف السودانية لم تعد تقتصر على تهريب الأسلحة، بل باتت تشمل نقل الخبرات الفنية المرتبطة بتطوير الطائرات المسيّرة وقدرات التصنيع العسكري.

شبكة إمداد تتحول إلى نفوذ إقليمي

تكشف هذه التطورات عن تحول نوعي في طبيعة النشاط الحوثي خارج اليمن، فالجماعة لا تبحث فقط عن طرق للحصول على الأسلحة، وإنما تعمل على بناء شبكة إقليمية توفر لها مسارات بديلة للنقل والتمويل والتعاون العسكري.

ويمنحها هذا الانتشار قدرة أكبر على مواجهة عمليات الاعتراض والملاحقة، إذ إن تعطيل طريق واحد لا يعني بالضرورة انهيار منظومة الإمداد بأكملها.

كما أن وجود علاقات مع جماعات مسلحة وشبكات تهريب في القرن الأفريقي يفتح أمام الحوثيين مجالًا لتبادل الأسلحة والخبرات والمعلومات، ويمنحهم إمكانية التأثير في مناطق ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية.

وفي هذا السياق، لا تبدو أهمية باب المندب مرتبطة فقط بالموقع الجغرافي، وإنما بكونه حلقة وصل بين شبكة إمدادات تمتد من اليمن إلى مناطق أخرى على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر وخليج عدن.

وبحسب تقرير "ذا ناشيونال"، فإن الحوثيين يسعون من خلال هذا التوسع إلى ترسيخ موقعهم كأحد المراكز الجديدة لما يعرف بـ"محور المقاومة" المدعوم من إيران، مع توسيع نطاق شبكاتهم بما يتجاوز الحدود اليمنية.

ويرى المراقبون أن تطور شبكات الحوثيين من عمليات تهريب متفرقة إلى منظومة إقليمية متعددة المسارات يمثل تحديًا يتجاوز حدود الحرب اليمنية، خصوصًا مع امتداد هذه الشبكات إلى مناطق تعاني أصلًا من ضعف أمني وصراعات مسلحة مثل الصومال والسودان.

وتكمن خطورة هذا التطور في قدرة الجماعة على الجمع بين التهريب والتمويل والتدريب ونقل التكنولوجيا، بما يسمح لها بتعويض خسائرها وفتح قنوات جديدة للإمداد كلما تعرض أحد مساراتها للضغط.

كما أن استمرار هذه الشبكات على مقربة من باب المندب يضيف بعدًا أمنيًا جديدًا إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويجعل مكافحة تهريب الأسلحة والجماعات المسلحة في القرن الأفريقي مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الملاحة في البحر الأحمر.

وبالتالي، فإن التحدي أمام الحكومات اليمنية والإقليمية لا يتمثل فقط في اعتراض شحنة سلاح، وإنما في تفكيك شبكة كاملة تعتمد على تعدد المسارات والوسطاء والعلاقات المحلية والإقليمية، وهو ما يجعل احتواء النفوذ الحوثي خارج اليمن مهمة أكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة.

شارك