من العاطفة الإيمانية إلى العنف المسلح.. قراءة نقدیة في افتتاحیة صحيفة "النبأ"
السبت 29/أغسطس/2026 - 04:56 م
طباعة
حسام الحداد
تُمثّل القراءة النقدیة لفكر الجماعات المتطرفة ضرورة معرفية وأمنية لتفكيك الآليات التي تعتمد عليها هذه التنظيمات في اختراق المجتمعات واستقطاب الشباب؛ إذ لا تعتمد هذه الكيانات في تجنيد عناصرها على التجييش العسكري المباشر فحسب، بل تُسخّر ترسانة إعلامية وأيديولوجية محكمة لتأطير المفاهيم الإسلامية الكبرى وإعادة إنتاجها بما يخدم مقاصدها القتالية المغلقة. وتُعد افتتاحية العدد (562) من صحيفة "النبأ" -اللسان الناطق باسم تنظيم "داعش"- والصادرة مساء الخميس 27 اغسطس 2026، نموذجاً تطبيقياً بارزاً لهذه الاستراتيجية؛ حيث يُظهر النص قدرةً خبيثة على التسلل عبر القنوات العاطفية والدينية الجامعة للمسلمين، بهدف نزع الشرعية عن الأمة ومؤسساتها الرسمية واحتكار الحق الديني حصرياً لصالح الفصيل المسلح.
إن خطورة هذا الخطاب لا تكمن في مضامينه الفقهية الظاهرة، بل في بنيته الحجاجية القائمة على "التفخيخ المفاهيمي" والتدرج المنطقي الصارم الذي يقتاد المتلقي من مساحات التسليم العقدي البديهية إلى نتائج أيديولوجية متطرفة تبيح العنف وتكفر المخالف. ومن خلال تحليل سياق النص، ودلالة توقيته، ورسائله المضمرة، يتكشف لنا كيف يُحوّل التنظيم المحبة النبوية الشريفة من قيمة أخلاقية وإنسانية جامعة إلى معيار عداء ومفاصلة قتالية. يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليليّة شاملة لأبعاد هذه الافتتاحية، وتفكيك أثرها التجنيدي، واستعراض سبل المواجهة الفكرية المنهجية لدرء أخطارها.
سياق النص ودلالة التوقيت
تُمثل الافتتاحية نموذجاً خطابياً يعتمد على الاستغلال الأيديولوجي للمناسبات الدينية؛ إذ يتخذ التنظيم من شهر "ربيع الأول" مدخلاً ومداراً لطرح طروحاته الحاكمة. يُظهر النص براعة استقطابية عالية من خلال التسلل الذكي عبر القنوات العاطفية التي تربط عامة المسلمين بهذه المناسبة التي تستحضر رمزية النبي ﷺ. ولا يقف التنظيم عند حد التذكير بالسيرة، بل يعيد تأطير المناسبة برمتها لتتحول من لحظة استذكار إيماني جامعة إلى منصة سجال وإعادة تعريف للهوية الإيمانية، مراهناً على الشحنة العاطفية المرتبطة بذكرى المولد لتحويلها إلى وقود لأجندته الفكرية.
يبدأ النص بهجومه التقليدي المتوقع على مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي باعتبارها "بدعة" ومحدثات خارجة عن الهدي النبوي، لكن هذا السجال الفقهي الفرعي ليس سوى ستار تكتيكي وسيط لغاية أعمق. يسرع الكاتب بالقفز فوق الخلاف الفقهي التقليدي حول المولد ليتحول رأساً إلى التأسيس الأيديولوجي الشامل، عبر طرح السؤال المفصلي: "من هو المحب الحقيقي للنبي ﷺ؟". يهدف هذا الانتقال إلى نقل المعركة من مربع الأحكام الفقهية على الأفعال إلى مربع الحكم الإيماني على الأشخاص، مما يمهد الطريق لإعادة تصنيف المجتمع وفق معايير التنظيم الخاصة.
تتجلى الغاية السياقية المركزية لهذا التوقيت والتأطير في سعي التنظيم النافذ إلى نزع الشرعية الدينية والرمزية عن السواد الأعظم من المسلمين وعن المؤسسات الإسلامية الرسمية التي تحتفي بالمناسبة. من خلال هذا الطرح، يفرض التنظيم ثنائية حادة تضع الأمة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما اتباع نمطه وتفسيره الحصري الذي يربط "المحبة" بالقتال والولاء والبرك المستمر، وإما الوقوع في خانة "الابتداع وخيانة المحبة النبوية". وبذلك يحتكر التنظيم مفهوم "المحبة الصادقة" ويقصرها حكراً على أفراده ونهجه المسلح، مجرّداً الأمة ومؤسساتها من انتسابها الإيماني الوجداني للرسول الكريم.
التحليل الأيديولوجي وتفكيك النص
تعتمد افتتاحية التنظيم في بنيتها الحجاجية على هندسة فكرية دقيقة تُعرف بـ "التفخيخ المفاهيمي"، وهي استراتيجية تعتمد على الانتقال التدريجي بالمسلم من مساحات الاتفاق العقدي البديهية إلى نتائج أيديولوجية متطرفة ومغلقة. يُصمم النص مساراً منطقياً متسلسلاً يُقيد عقل القارئ؛ حيث يبدأ بمسلمات لا يختلف عليها اثنان في الفكر الإسلامي، ثم يحور معناها تدريجياً عبر تسلسل استدلالي محكم، ليجد القارئ نفسه مُلَزماً بالقبول بنتيجة قاسية ومجهزة سلفاً تخدم أهداف التنظيم دون أن يشعر بفجوة الاستدلال.
تبدأ المرحلة الأولى (التأسيس العقدي) بتشييد أرضية مشتركة مع القارئ من خلال التركيز على أن محبة النبي ﷺ وتعظيمه هما صلب العقيدة وأصل الإيمان. يشرع الكاتب في إيراد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التي تحث على التوقير والإجلال، مستشهداً بمواقف صحابة الجيل الأول كحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تفضيل محبة النبي على النفس، وتضحيات أبي بكر الصديق في الغار، ومشاهد تعظيم الصحابة للنبي في صلح الحديبية. تهدف هذه المرحلة إلى بناء حالة من التوافق والامتثال الوجداني الكامل لدى القارئ وجعله في وضعية التلقي والتسليم الديني المطلق.
تأتي المرحلة الثانية (ربط المحبة بالشرع والتحاكم) لتشكل نقطة التحول من المشاعر الوجدانية إلى الشروط الإجرائية؛ إذ ينتقل النص بسلاسة من مفهوم "المحبة القلبية" إلى منطق "الالتزام والاتباع". يستحضر الكاتب النص التفسيري للآية الكريمة: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي}، وآيات سورة النساء التي تؤكد أن الإيمان ينفي عمن لا يحكّم الرسول فيما شجر بينهم. في هذه المرحلة، يتم تصحيح وتوجيه مفهوم "المحبة" ليكون مقترناً حكراً بطاعة الأوامر والتحاكم، مما يضع القارئ أمام حقيقة جديدة: أن المحبة ليست مجرد مشاعر أو طقوس، بل هي انقياد تام للشرع وتطبيق لا يقبل التجزئة.
تتجلى المرحلة الثالثة (الإنزال الواقعي والإقصاء) في التسلل الأيديولوجي الخطير؛ حيث يعمد التنظيم إلى اختزال "الشرع والتحاكم" في منظومته الحاكمية الفئوية، واحتكار حق النطق باسم الشريعة. يتم في هذه المرحلة تشويه الواقع السياسي والمجتمعي عبر وصم المؤسسات والقوانين الوضعية والمجتمعات كافّة بـ "الطاغوت"، والاستدلال بآية سورة النساء {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ}. وبدلاً من أن يكون النص تحليلاً فقهياً لمفهوم الحكم، يتم توظيفه أداةً لتكفير المخالفين وإسقاط الشرعية عن الدولة والمجتمع، واعتبار كل من لا ينضوي تحت راية التنظيم خارجاً عن مقتضى "المحبة والاتباع".
تكتمل الدائرة في المرحلة الرابعة (النتيجة الحتمية والإحصائية)، وهي المحطة التي أُعد النص بالكامل لأجلها؛ إذ يصدر الكاتب حكماً إقصائياً ينزع وصف "المحبة والإيمان" عن المجتمع بأكمله، وينحصر هذا الوصف حصرياً في "المرابطين المجاهدين" -أي عناصر التنظيم أنفسهم- الذين وصفهم النص بأنه "قدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الله". يُنهي النص هذه السلسلة بإلزام القارئ بنتيجة مفادها: أن المحب الصادق لرسول الله هو فقط من يعادي المجتمعات القائمة ويقاتل في صفوف التنظيم، ليتحول الخطاب الديني التراهمي في نهايته إلى بيان تجنيد وتأطير قتالي مباشر.
الرسائل المسكوت عنها
ينطوي النص على حمولة مضمرة تتجاوز منطوقه الظاهر لتستهدف تفكيك الرابطة المجتمعية ونزع الشرعية عن الدولة الوطنية؛ إذ يعمد الكاتب إلى توظيف لفظ "الطاغوت" والتلميح بشركية المنظومات القانونية والقضائية القائمة، متجاوزاً السجال السياسي التقليدي إلى الفضاء العائدي. ومن خلال هذا التلميح، يتم إخراج السواد الأعظم من المسلمين المشاركين في مؤسسات الدولة أو الخاضعين لقوانينها من "الملاذ الإيماني"، ليرسخ النص بذلك عقيدة التكفير الضمني للمجتمعات والدول، وممهداً لتبرير استباحة الدماء والأموال تحت شعار إزالة "الحاكمية الوضعية".
تتجلى الخطورة الثيولوجية للخطاب في السطو على التراث وإسقاط الرمزية العلمية للأمة؛ حيث لا يُستحضر التفسير التراثي (كابن كثير) للاستنارة بمقاصد الشريعة الكلية أو فهم مدارك الأقوال الفقهية، بل يتم اقتطاعه وتوظيفه كأداة تخدير مسلكية تُعطي مظلة شرعية تاريخية لفكر التنظيم المعاصر. يهدف هذا التوظيف الانتقائي إلى إيهام القارئ بأن رؤية التنظيم لـ "الحاكمية" وتكفير المخالف هي امتداد طبيعي لفهم السلف الصالح، مما يجرد العلماء والمؤسسات العلمية المعاصرة من سلطتهم المرجعية، ويجعل النص التراثي مطية لإضفاء القداسة على الأجندة القتالية.
يصل النص في مضامينه الخفية إلى اختزال الإسلام في حالة مواجهة قتالية دائمة مع العالم، مفككاً البنية الأخلاقية والإنسانية للمفهوم النبوي؛ إذ يُجرد "المحبة النبوية" من أبعادها التعبدية والروحية والجامعة ليعيد تعريفها باعتبارها "معيار عداء ومفاصلة". يظهر ذلك جلياً في تعريف النص للمحب الصادق بأنه من "يعادي كل الناس من أجل ذلك"؛ حيث يتم تحويل الدين من رسالة رحمة عالمية تهدف إلى هداية الخلق، إلى عقيدة مغلقة تقتضي تدمير الآخر والعيش في صدام حتمي ودائم مع المجتمعات الإسلامية والدولية على حد سواء.
أثر النص في تنامي التطرف والتجنيد
تكمن الخطورة التجنيدية لهذا الخطاب في اعتماده المباشر على الاستثارة العاطفية الرفيعة؛ إذ يعزف النص على نغمة "محبة النبي ﷺ" المستقرة في وجدان كل مسلم، متخذاً منها مدخلاً لوجدانيات المتلقي. يُسهم هذا الاستغلال للمشاعر الدينية النبيلة في تعطيل آليات التفكير النقدي لدى الشاب وتجريده من دفاعاته الفكرية والشخصية، حيث يُشعره الخطاب بأن أي تشكيك أو مناقشة لما يطرحه الكاتب هي بمثابة ضعف في المحبة أو تهاون في حق الرسول الكريم، مما يجعله أكثر تقبلاً للأفكار المتطرفة دون تمحيص.
يعمد النص بعد ذلك إلى تحويل هذه العاطفة الإيجابية وتوجيهها نحو هدف قتالي مباشر؛ إذ لا يقف عند حدود التجييش الوجداني، بل يسارع إلى نقل المستهدف من حيرة الأسئلة الفقهية والنظرية إلى مربع الاستحقاق الميداني والتضحية بالنفس. يظهر ذلك جلياً في امتداحه لمن "قدموا أنفسهم رخيصة"، حيث يُعيد صياغة مفهوم الموت والقتال ليكون هو الاختبار الوحيد والبرهان الصادق لمكافأة المحبة النبوية، مستغلاً رغبة الشاب في إثبات صدق إيمانه ليدفعه نحو الانخراط في أعمال العنف والالتحاق بركاب التنظيم.
يختتم الخطاب تأثيره التجنيدي بـ منح المتلقي شعوراً وهمياً بالاستعلاء الإيماني والتميز؛ فهو يُوهم القارئ بكونه جزءاً من "الفئة القليلة الناجية" والأحق بمحبة الله ورسوله دون سائر الناس. يترتب على هذا الشعور الاستعلائي تعميق الفجوة بين الشاب وبيئته الأسرية والمجتمعية، حيث يبدأ بنظرته الجديدة في ازدراء مجتمعه واعتباره مقصراً أو مبتدعاً، مما يسهل عملية عزل المتلقي فكرياً ونفسياً، وتمهيد الطريق لقيادته وتوجيهه بالكامل لصالح مخططات التنظيم.
كيفية مواجهة هذا الخطاب
تتطلب مواجهة هذا الطرح المتطرف تفكيك التوظيف الأيديولوجي للنصوص الشرعية وكشف تعسف التنظيم في استخدامها؛ إذ يعتمد الخطاب على قفزات تلفيقية غير علمية تسحب الأحاديث النبوية الآمرة بالتراحم والاتباع الأخلاقي من سياقاتها المقاصدية الكلية، لإسقاطها حصراً على بيعة التنظيم والتفجير والصراع المسلح. تبرز أهمية تعرية هذه المغالطة التفنيقية أمام الشباب عبر تبيان الفارق بين "الاتباع النبوي" المترجم في بناء الإنسان وعمران الأرض، وبين اختزاله في مشروع قتالي فئوي يُكفّر المجتمعات ويستبيح الدماء باسم الدين.
تقتضي المواجهة الفعالة استعادة المصطلحات الدينية المركزية وإعادة امتلاكها في الفضاء العام، وفي مقدمتها مفهوما "محبة النبي ﷺ" و"الاتباع"؛ فلا يُترك هذان المفهومان حكراً على القراءات الاختزالية الصادمة. يجب نشر السيرة النبوية الرشيدة وترسيخ صورها الحقيقية القائمة على الرحمة، والعفو، والمؤاخاة، وبناء المجتمعات المتماسكة. إن تجريد التنظيم من قدرته على احتكار هذه المفاهيم النبيلة يعيد ضبط الوعي الديني العام، ويمنع استخدام العاطفة النبوية كمِصيادة للتجييش والتجنيد.
تكتمل منظومة التحصين عبر تعزيز مهارات التفكير النقدي ونشر الفقه المقاصدي لدى الشباب؛ إذ يجب بناء حوائط صد منهجية ضد الاستدلال الدائري والشبهات التي يعتمدها التنظيم لتمرير مقولات التكفير بذرائع "الحاكمية" المبتدعة. يتأتى ذلك بتمكين الشباب من مناهج الفهم المقاصدي التي تُفرّق بين أصول الدين الثابتة وبين الفتاوى والأحكام المرتبطة بتغير الأزمنة والأمكنة والسياقات المركبة. هذا التأسيس المعرفي يُحفظ العقول من الوقوع في فخ الثنائيات الحادة (إيمان مطلق أو كفر بواح)، ويُبطل قدرة الخطاب المتطرف على التأثير والاقناع.
