بين الدفاع الاستخباراتي والتوظيف السياسي.. قراءة في السردية الأمنية الإيرانية

السبت 29/أغسطس/2026 - 11:00 م
طباعة بين الدفاع الاستخباراتي حسام الحداد
 
تمثل الإعلانات المتواترة الصادرة عن المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية بشأن إسقاط وشل حركة شبكات توصف ب "الإرهابية والتجسسية" جزءا أصيلا من بنية الصراع الممتد بين طهران وحلفائها الإقليميين والدوليين من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وتزداد كثافة هذه الإعلانات وتوقيتها أهمية بالغة بالنظر إلى تحول المواجهة الإقليمية إلى مرحلة أكثر حرجا وعنفا عقب التداعيات المتصاعدة للضربات والمواجهات المباشرة، مما يرفع من وتيرة استهداف البنى التحتية الحيوية والتنافس الاستخباراتي المحموم. ومن ثم، فإن قراءة هذه البيانات تتطلب تجاوز الصيغ الإعلامية الرسمية لتفكيك التقاطعات المعقدة بين واقع التهديدات الميدانية وأبعاد التوظيف السياسي والاتصالي لهذه الإنجازات الأمنية المعلنة.
إن النقد التحليلي لهذا النمط من الأخبار ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن الخطاب الأمني في إيران لا يقتصر على نقل حقائق عملياتية مجردة، بل يسخر كأداة متعددة الأغراض لإدارة الأزمات في الداخل وتوجيه الرسائل عبر الحدود. فبينما يشي ضبط عتاد عسكري وتقنيات اتصالات حديثة في أقاليم الأطراف بوجود نشاط استخباراتي محتدم وثغرات أمنية ذات طابع هيكلي، يسعى النظام السياسي عبر إرجاع كافة هذه التحركات إلى غرف عمليات خارجية إلى إعادة صياغة الواقع الداخلي. وتسمح هذه الاستراتيجية بتحويل المطالب الاقتصادية والاجتماعية المحلية إلى ملفات أمن قومي، وتوفير غطاء شرعي لإجراءات الرقابة والحسم، مع التأكيد المتبادل للخصوم والحلفاء على أن الجبهة الداخلية لطهران ما زالت عصية على الاختراق الإستراتيجي.

أبعاد الدعاية السياسية والخطاب الإعلامي
تعتمد طهران على نمط كلاسيكي مجرب في مساعيها للتحكم بالرأي العام وإدارة الأزمات عبر الخطاب الإعلامي، حيث يشكل الإعلان المتكرر عن ضبط "خلايا إرهابية مرتبطة بالخارج" أداة استراتيجية لامتصاص الاحتقان الداخلي المتزايد. فمن خلال ربط التحركات الميدانية أو الاختلالات الأمنية مباشرة بالعدوين التقليديين، الولايات المتحدة وإسرائيل، تسعى السلطات الإيرانية إلى تحويل الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والمعيشية الهيكلية وتهميش المطالب السياسية والمجتمعية الملحة، عبر إعادة توجيه غضب الشارع نحو أخطار خارجية داهمة تصور على أنها تهديد وجودي للدولة برمتها.
تسهم هذه السردية السياسية القائمة على مفهوم "صناعة العدو المشترك" في تعزيز التماسك الداخلي واستنهاض القواعد الشعبية والمؤيدة للنظام عبر شحن المشاعر الوطنية وتوظيف الرمزية العقائدية. ويساعد هذا الشحن النفسي في خلق حالة من التعبئة العامة والتضامن القسري، حيث يصبح أي صوت معارض أو ناقد للأوضاع الداخلية عرضة للتخوين والاتهام بالتساوق مع المخططات الاستكبارية. وبذلك، تحول الأجهزة الإعلامية الرسمية الأزمات البنيوية المتفاقمة من ملفات محاسبة للحكومة إلى ساحة اصطفاف خلف مؤسسات الدولة بحجة الحفاظ على السلم الأهلي واستقرار البلاد.
يمنح تقديم الرواية الأمنية في قالب "المواجهة المصيرية المستمرة ضد القوى الإمبريالية" المؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخباراتية مشروعية وسيادة مطلقين لتشديد القبضة الأمنية وتبرير إجراءات الرقابة الصارمة على المجتمع. فالشرعنة المستمرة لهذه الإجراءات تمكن السلطات من تقييد الحريات العامة، وفرض الرقابة على شبكات الاتصال والإنترنت، وتبرير التوسع في عمليات التوقيف والملاحقة القضائية، باعتبارها تدابير وقائية ضرورية لحماية الأمن القومي ومواجهة ما توصف ب "حرب الظلال" والاستهداف الاستخباراتي الخارجي.

القراءة الأمنية والميدانية
تكشف المتابعة الدقيقة للبيانات الأمنية المتكررة عن أبعاد أكثر تعقيدا في المشهد الإيراني الداخلي، حيث يعكس التواتر المستمر لإعلانات تفكيك الخلايا في مناطق مختلفة مثل خراسان وسيستان وبلوشستان وجود ديناميكية مزدوجة. فمن ناحية عملياتية، تظهر هذه الضبطيات قدرة المؤسسات الاستخباراتية والأمنية الإيرانية على الاقتفاء والملاحقة وتنفيذ ضربات استباقية متزامنة، وهو ما يبرز كفاءة شبكات الاستعلام الداخلي والتنسيق بين الحرس الثوري وقوات الشرطة في تحييد التهديدات المسلحة قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ الميداني الكامل.
غير أن الوجه الآخر لهذه المعادلة يطرح تساؤلات جادة حول عمق الاختراقات الأمنية وسعة الثغرات البنيوية التي تسمح لهذه الشبكات بالتأسيس والتحرك داخل الأراضي الإيرانية. إن تمكن هذه الخلايا من إدخال وتخزين كميات نوعية من الأسلحة والذخائر والمتفجرات، بل وحتى أجهزة أتكال وتقنيات متطورة مثل المنظومات الفضائية "ستارلينك"، يدل على وجود خطوط إمداد وشبكات دعم لوجستي نشطة محليا، وتوافر بيئات حاضنة أو ممرات تهريب معقدة تعجز الرقابة الأمنية الصارمة عن إغلاقها تماما.
يتجلى هنا التشابك الميداني بين حركة التمرد المحلي والتوترات الجيوسياسية الإقليمية، لا سيما في المناطق الحدودية والأطراف النائية ذات الجغرافيا الوعرة التي تسهل الحركة والتخفي. ورغم حرص الخطاب الرسمي في طهران على صبغ كافة الأنشطة المناهضة بصبغة "العمالة المباشرة للموساد والاستخبارات الأمريكية"، فإن القراءة التحليلية تظهر دمجا كلاسيكيا بين التمرد البلوشي والتنظيمات السلفية أو المعارضة العرقية ذات المظالم التاريخية المستقلة، وبين المحاولات الخارجية لاستثمار هذه الجيوب؛ حيث تعمد السلطات إلى إدراج جميع هذه التهديدات المتباينة تحت لافتة "المؤامرة الخارجية" لتسهيل شرعنة الحسم العسكري وتجريد الجماعات المحلية من أي مطالب سياسية أو اجتماعية.

الرسائل الإقليمية والدولية
تتجاوز إعلانات تفكيك الخلايا الأمنية نطاق الاستهلاك المحلي لتمثل رسائل استراتيجية موجهة بعناية إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين على حد سواء. تسعى طهران من خلال هذا الخطاب إلى استعراض القوة والتماسك، وتوجيه رسالة ردع مباشرة للخصوم وللحلفاء مفادها أن الضغوط العسكرية والسياسية المكثفة لم تضعف قبصتها الأمنية ولم تترك فراغا يمكن استغلاله. إن الاستجابة الميدانية السريعة وإحباط الأنشطة المسلحة يستخدمان كدليل عملي على امتلاك الدولة لزمام المبادرة وقدرتها على تحييد الخروقات الاستخباراتية وشل شبكات التجسس والتخريب في مهدها، مما يحافظ على هيبة الأجهزة الأمنية في أوقات التوتر الحرج.
وفي ظل محددات المواجهة العسكرية المباشرة ومخاطر الانزلاق إلى حرب شاملة مفتوحة، تشكل هذه الإعلانات جزءا لا يتجزأ من "حرب الظلال" الاستخباراتية المتصاعدة بين طهران وخصومها الإقليميين والدوليين. فمع تحول طبيعة الصراع نحو الاستهداف التخريبي للبنية التحتية، واغتيال الكوادر العسكرية، وجمع المعلومات الاستراتيجية، تقدم طهران عمليات ضبط الخلايا كإنجازات ضمن خطة "الدفاع الاستخباراتي المضاد". وتعبر هذه التحركات عن قناعة إيرانية بأن المواجهة الاستخباراتية الميدانية هي الساحة الرئيسية للردع والرد البديل، حيث يحاسب الخصوم على تحركاتهم عبر تفكيك أذرعهم التنفيذية مفترضة التبعية داخل البلاد.
وفي التقييم النهائي، تظل البيانات والأخبار المتعلقة بإحباط مخططات التجسس والتخريب مزيجا مركبا يزاوج بين الواقع العملياتي الميداني والتوظيف السياسي الهادف. فبينما يعكس ضبط الأسلحة والمتفجرات وجود تهديدات أمنية ونشاطا استخباراتيا محتدما بالفعل، يسخر التوقيت وصيغة الإعلان لتحقيق غايات متعددة: تعزيز الردع الخارجي عبر التأكيد على يقظة العيون الأمنية، وإحكام السيطرة الداخلية من خلال شرعنة الإجراءات الاستثنائية وتوحيد الجبهة المحلية خلف الخطاب الرسمي للدولة.

شارك