جورنال دى مانش: رئيس البلدية إيمانويل جريجوار يرد على دونالد ترامب حول أسلمة باريس

الأحد 30/أغسطس/2026 - 01:51 م
طباعة جورنال دى مانش: رئيس
 
حاول عمدة باريس الدفاع عن العاصمة الفرنسية ضد هجمات دونالد ترامب. إذ اتهم ترامب باريس بالخضوع للشريعة الإسلامية، وهي تصريحات أثارت غضب خليفة آن هيدالجو.
تقرير: بودوان موكاديل
ردّ إيمانويل جريجوار على دونالد ترامب. ففي يوم الأربعاء الماضي، صرّح الرئيس الأمريكي في بودكاست محافظ بأن باريس مدينة ينتشر فيها تطبيق الشريعة الإسلامية بشكلٍ خاص. وقال: "إذا ذهبتَ إلى لندن، أو إلى باريس، ستجدها أشبه بأسلوب حياةٍ ثانٍ. هذا أمرٌ سخيف". وأكد ساكن البيت الأبيض أنه يريد "بشدة" حظر الشريعة في الولايات المتحدة: "أينما وجدناها، سنزيلها".
اتهامات بالعنصرية
أثار تصريح ترامب غضبَ عمدة باريس الجديد، الذي ردّ يوم الجمعة على شبكة التواصل الاجتماعيX، مدافعًا عن التعددية الثقافية للعاصمة الفرنسية. وكتب خليفة آن هيدالجو، في إشارةٍ إلى إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية: "ليس لدى باريس ما تتعلمه من رئيس دولة يُجنّد ميليشياتٍ عنصرية لملاحقة من يُساهمون في استمرار عمل البلاد. باريس، لندن، نيويورك، مدنٌ عالميةٌ، مدنٌ فخورة".
في سبتمبر 2025، كان دونالد ترامب قد ادعى بالفعل أن لندن قد "تغيرت" خلال خطاب ألقاه أمام الأمم المتحدة. حينها اتهمه عمدة العاصمة البريطانية، صادق خان، بأنه "عنصري، ومتحيز جنسياً، وكاره للنساء، ومعادٍ للإسلام".
ويأتي هجوم ترامب في وقت تخوض فيه باريس حملة انتخابية محلية حاسمة، فيما يستعد إيمانويل جريجوار لخوض الانتخابات البلدية المقررة في مارس 2026. ولذلك، فإن رد رئيس البلدية لا يقتصر على الدفاع عن صورة العاصمة في مواجهة الرئيس الأمريكي، بل يندرج أيضًا في سياق سياسي فرنسي داخلي، حيث أصبحت قضايا الهجرة والأمن والعلمانية والإسلام في صميم المواجهة بين اليسار واليمين.
ويرفض جريجوار، الذي تولى رئاسة بلدية باريس خلفًا لآن هيدالجو، الصورة التي يحاول ترامب رسمها للعاصمة الفرنسية. فباريس، رغم وجود أحياء تواجه مشكلات اجتماعية واقتصادية، لا تخضع للشريعة الإسلامية، كما أن النظام القانوني الفرنسي يقوم على قوانين الجمهورية ومبدأ العلمانية، ولا يسمح لأي قانون ديني بأن يحل محل القانون المدني.
من ترامب إلى اليمين الفرنسي
ولا تبدو تصريحات الرئيس الأمريكي معزولة عن الخطاب الذي تستخدمه الأحزاب اليمينية والمتطرفة في أوروبا. فمنذ سنوات، أصبحت الإشارة إلى «أسلمة» المدن الكبرى وسيلة سياسية لتأجيج المخاوف من الهجرة والتغيرات الديموغرافية، ولا سيما في العواصم التي تتميز بتنوع سكاني وثقافي كبير.
وفي هذا السياق، يرى مؤيدو جريجوار أن استهداف باريس من جانب ترامب يندرج ضمن محاولة أوسع لتقديم المدن الكبرى متعددة الثقافات باعتبارها نموذجًا للفشل في مواجهة الهجرة. أما خصومه في فرنسا، فيستخدمون تصريحات الرئيس الأمريكي لتجديد انتقاداتهم للسياسات التي تتبعها بلدية باريس في مجالات الأمن والإسكان والهجرة والاندماج.
وتكشف هذه المواجهة أيضًا عن مفارقة سياسية. فبينما يتهم ترامب باريس ولندن بالتساهل مع الإسلام، تواجه حكومات وبلديات أوروبية ضغوطًا متزايدة من أحزاب اليمين التي تطالب بتشديد سياسات الهجرة ومكافحة ما تسميه «الانفصال المجتمعي». وفي المقابل، يصر اليسار على أن مكافحة التطرف لا ينبغي أن تتحول إلى استهداف للمسلمين أو إلى تشكيك في انتمائهم إلى المجتمع الوطني.
العلمانية في قلب المعركة
وتحتل العلمانية موقعًا مركزيًا في هذا النقاش. ففرنسا تفصل بوضوح بين المجال الديني ومؤسسات الدولة، وتضمن حرية ممارسة الأديان في إطار القانون. ولذلك فإن الحديث عن «تطبيق الشريعة» في باريس، بالمعنى الذي استخدمه ترامب، يتجاهل طبيعة النظام القانوني الفرنسي.
لكن الجدل لا يتعلق فقط بالقوانين. فالنقاش حول الإسلام في فرنسا أصبح مرتبطًا أيضًا بالملابس الدينية، والمساجد، والتعليم، والهجرة، ومكافحة التطرف، وهو ما يجعل أي تصريح عن «أسلمة» المدن الكبرى قابلًا للتحول سريعًا إلى معركة سياسية داخلية.
ويحاول جريجوار، من خلال رده، إعادة توجيه النقاش نحو نموذج المدينة المفتوحة والمتعددة الثقافات، في مواجهة الخطاب الذي يربط التنوع السكاني بتراجع الأمن أو فقدان الهوية. غير أن هذه المعركة تظل شديدة الحساسية في فرنسا، حيث يستعد اليمين واليمين المتطرف لاستغلال قضايا الهجرة والهوية في الانتخابات المقبلة.
وهكذا، فإن الخلاف بين ترامب وجريجوار يتجاوز مجرد تبادل التصريحات. فهو يعكس صراعًا أوسع حول صورة المدن الغربية ومستقبل التعددية الثقافية، وحول السؤال الذي أصبح مطروحًا بقوة على جانبي الأطلسي: هل تستطيع المدن الكبرى الحفاظ على انفتاحها وتنوعها، مع الاستجابة في الوقت نفسه لمخاوف السكان بشأن الأمن والهجرة والاندماج؟

شارك