لا كروا: العنف السلفي في الجزائر، يعود للظهور مجدداً على وسائل التواصل الاجتماعي
الأحد 30/أغسطس/2026 - 01:55 م
طباعة
في الأسابيع الأخيرة، كثّف أنصار شكل متشدد من الإسلام خطابهم التهديدي على وسائل التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى إحياء جراح التسعينيات.
"سنبحث عنكم، ونجدكم، ونقضي عليكم. نحن السلفيون سنقضي على جميع (الخنازير) الذين يعملون لصالح الدولة".. شاب في الثلاثينيات من عمره، ذو لحية سوداء كثيفة ويرتدي عباءة بيضاء (الزي التقليدي الذي أحياه السلفيون)، يهدد موظفي الدولة عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا هو آخر تطور في صيف مضطرب تشهده الجزائر، ويتسم بموجة جديدة من النشاط الإسلامي على الإنترنت.
وفي الأيام الأخيرة، لم تعد هذه الرسائل تقتصر على التعبير عن مواقف دينية أو سياسية متشددة، بل اتخذ بعضها طابعًا تهديديًا مباشرًا، خصوصًا تجاه موظفين ومسؤولين يُنظر إليهم على أنهم يمثلون الدولة. وقد أثار انتشار هذه المنشورات مخاوف من عودة خطاب العنف الذي ارتبط، في الذاكرة الجزائرية، بالعشرية السوداء وسنوات الحرب الأهلية خلال تسعينيات القرن الماضي.
وتراقب السلطات الجزائرية هذا النشاط بحذر، إذ تدرك أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة سهلة لنشر الخطاب المتطرف واستقطاب متابعين جدد، من دون الحاجة إلى وجود تنظيم علني أو هيكل هرمي واضح. كما أن إعادة نشر الرسائل ومقاطع الفيديو تسمح بتوسيع نطاق تأثيرها بسرعة، حتى عندما يكون مصدرها أفرادًا معزولين.
جراح التسعينيات لم تلتئم تمامًا
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ الجزائر الحديث. فقد شهدت البلاد خلال التسعينيات صراعًا مسلحًا بين الدولة وجماعات إسلامية مسلحة، بعد إلغاء الانتخابات التشريعية التي كان من المتوقع أن يفوز فيها الإسلاميون. وأسفرت سنوات العنف عن عشرات الآلاف من القتلى، وتركت آثارًا عميقة في المجتمع الجزائري.
ومنذ ذلك الحين، بذلت السلطات جهودًا كبيرة للقضاء على الجماعات المسلحة، كما اعتمدت سياسات للمصالحة الوطنية والعفو بهدف إنهاء الصراع. وعلى الرغم من تراجع العنف المسلح بصورة كبيرة، ظلت أجهزة الأمن شديدة الحساسية تجاه أي مؤشرات يمكن أن تعيد إنتاج خطاب الجماعات الجهادية أو السلفية العنيفة.
لكن الخطر الحالي يختلف عن خطر التسعينيات. فالمسألة لم تعد بالضرورة مرتبطة بجماعات مسلحة تسيطر على مناطق أو تمتلك معسكرات وقواعد، وإنما بانتشار خطاب متطرف عبر منصات رقمية يستطيع صاحبه من خلالها الوصول إلى جمهور واسع، وتجاوز الحدود، والتواصل مع أشخاص يشتركون معه في الأفكار نفسها.
من السلفية إلى التهديد بالعنف
ولا تعني العودة القوية للخطاب السلفي على الإنترنت أن جميع السلفيين يتبنون العنف أو يسعون إلى مواجهة الدولة. فالسلفية تضم تيارات واتجاهات مختلفة، وبعضها يرفض العمل المسلح والسياسة أصلًا. لكن ما يقلق السلطات والمراقبين هو انتقال بعض الخطابات من الدعوة الدينية المحافظة إلى التحريض على موظفي الدولة واعتبارهم أعداء يجب الانتقام منهم.
وهنا تكمن حساسية الظاهرة. فعبارات التهديد، حتى عندما تصدر عن أفراد، يمكن أن تؤدي إلى خلق مناخ من الخوف، خصوصًا لدى الموظفين العموميين ورجال الأمن وأعضاء المؤسسات التي يستهدفها الخطاب المتطرف. كما أن الخلط بين الخصومة السياسية والعداء الديني قد يفتح المجال أمام تبرير العنف ضد الدولة والمجتمع.
وتزداد صعوبة مهمة السلطات مع استخدام حسابات شخصية ومنصات متعددة، إذ يمكن حذف محتوى أو إغلاق حساب ثم ظهور الرسالة نفسها في حساب آخر. كما أن بعض الناشطين يستخدمون لغة دينية ورموزًا سلفية، وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين التعبير الديني المشروع والتحريض الذي يمكن أن يتحول إلى تهديد أمني.
السلطات أمام اختبار جديد
وتضع هذه الموجة السلطات الجزائرية أمام معادلة دقيقة: منع عودة الخطاب الذي يمكن أن يقود إلى العنف، من دون تحويل مكافحة التطرف إلى حملة واسعة ضد التدين أو ضد التيارات السلفية غير العنيفة. فأي خلط بين الأمرين يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، ويمنح المتشددين مادة جديدة لتقديم أنفسهم باعتبارهم ضحايا للسلطة.
كما أن انتشار هذا الخطاب يأتي في وقت تلعب فيه وسائل التواصل الاجتماعي دورًا متزايدًا في النقاش العام الجزائري. فالشبكات الرقمية أصبحت فضاءً للتعبئة والاحتجاج وتبادل المعلومات، لكنها في الوقت نفسه تسمح بنشر الشائعات وخطابات الكراهية والتهديد بسرعة يصعب على الأجهزة التقليدية السيطرة عليها.
ومن هنا، فإن القضية بالنسبة إلى الجزائر لا تتمثل فقط في ملاحقة أصحاب التهديدات، وإنما في منع تحول هذه الرسائل المتفرقة إلى بيئة فكرية واجتماعية تسمح بإعادة إنتاج العنف. فالذاكرة الجماعية للتسعينيات تجعل أي إشارة إلى عودة خطاب التكفير أو استهداف موظفي الدولة أكثر حساسية مما قد تكون عليه في بلدان أخرى.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الظاهرة تمثل موجة عابرة مرتبطة بالتوترات الحالية على شبكات التواصل الاجتماعي، أم أنها تكشف عن إعادة تشكل تدريجية لتيار إسلامي متشدد قادر على استعادة جزء من حضوره في المجتمع. وفي الحالتين، تبدو السلطات الجزائرية مدركة أن التعامل المتأخر مع مثل هذه المؤشرات قد يكون أكثر كلفة من احتوائها في بدايتها، خصوصًا في بلد لا تزال ذاكرته مثقلة بسنوات العنف السياسي والديني.
